علي أسمر.. كاتب سوري
اتفاق أضنة، الذي وُقّع في خريف عام 1998 بين تركيا وسوريا، لم يكن مجرد وثيقة أمنية عابرة، بل شكّل لحظة فاصلة في تاريخ العلاقات بين البلدين، حيث أعاد ضبط البوصلة الأمنية والسياسية بين أنقرة ودمشق بعد سنوات من التوتر والاتهامات المتبادلة بدعم الإرهاب.
واليوم، بعد أكثر من ربع قرن، يعود الحديث عن تجديد هذا الاتفاق بعمق جديد يصل إلى 30 كيلومترًا داخل الأراضي السورية، وكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن في ظروف مغايرة تمامًا، إذ لم تعد سوريا هي سوريا القديمة، ولا تركيا تلك التي كانت قبل حرب غزة، ولا الولايات المتحدة القوة التي تفرض شروطها دون تفاوض.
في هذا المشهد المتغير، يبدو أن اتفاق أضنة يعود إلى الواجهة ليس كوثيقة أرشيفية، بل كأداة سياسية وأمنية لإعادة رسم التوازنات في الشمال السوري. فبعد سقوط النظام السابق وتشكيل الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، أعادت أنقرة فتح ملفات الأمن المشترك، ليس فقط من زاوية حماية حدودها، بل أيضًا من منظور إنهاء ملف “قسد” التي ماطلت طويلًا في الاندماج بالجيش السوري، محاولةً الدخول ككتلة واحدة والحصول على مناصب حساسة في وزارة الدفاع، في خطوة قرأتها تركيا على أنها محاولة لشرعنة كيان مسلح موازٍ للدولة.
أنقرة اليوم تتعامل مع الملف السوري بمقاربة مختلفة، فبعد النجاحات الدبلوماسية التي حققتها في غزة بوساطتها بين واشنطن وحماس، وما تبعها من قبول جزئي لخطة ترامب لوقف النار، بدأت تتضح ملامح تفاهم جديد بين أنقرة وواشنطن حول سوريا. وبرأيي، يبدو أن ترامب ساوم أردوغان بشكل غير مباشر، فالمعطيات تشير إلى وجود صفقة غير معلنة تقوم على مبدأ “من يحل عقدة غزة يحل عقدة قسد أيضًا”. وربما يكون المقصود أن واشنطن مستعدة لتخفيف العقوبات المفروضة على أنقرة وإعادة ملف مقاتلات “إف-35” إلى الطاولة، في حال ساهمت تركيا في إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية والمساعدة في إغلاق ملفات الصراع المفتوحة في المنطقة، وهو ما يعكس عودة واشنطن للاعتراف بالدور التركي كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه.
في هذا السياق، لم يكن تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قبل أيام عن قمة تركية-أميركية-سورية مرتقبة مجرد تلميح دبلوماسي، بل إشارة واضحة إلى أن اتفاق أضنة بنسخته الجديدة قد أصبح بندًا ضمن التفاهمات الثلاثية. فتركيا تريد شرعنة وجودها العسكري في شمال سوريا بعمق 30 كيلومترًا، تحت غطاء قانوني مستمد من الاتفاق ذاته، والولايات المتحدة من جهتها تفضل هذا المسار على استمرار العمليات التركية المفتوحة التي تضعها في موقف حرج أمام المكونات الكردية. أما الحكومة السورية الجديدة، فهي ترى في تجديد الاتفاق فرصة لاستعادة السيطرة الرمزية على الحدود، عبر تنسيق أمني لا يمسّ السيادة، لكنه يضمن استقرارًا طال انتظاره.
هذه التفاهمات لم تأتِ من فراغ، بل جاءت بعد جدل داخلي واسع في الأوساط التركية حول مصير “قسد” وآلية دمجها في الجيش السوري. فبينما دعا بعض الخبراء إلى دمج جزئي وانتقائي لعناصرها غير المتورطة في الإرهاب، رفض آخرون ذلك بشكل قاطع، معتبرين أن أي اندماج جماعي سيعيد إنتاج المشكلة من داخل المؤسسات الرسمية السورية. وهنا برزت فكرة “أضنة جديدة” كحل وسط، يضمن تفكيك البنية العسكرية لـ”قسد”، ويمنح دمشق حق دمج الأفراد وفق معاييرها، في حين يحتفظ لتركيا بحق المتابعة الميدانية حتى عمق 30 كيلومترًا، في إطار التنسيق الأمني المشترك.
ويأتي تجديد اتفاقية أضنة، التي كانت في نهايتها قد أفضت إلى تسليم عبد الله أوجلان إلى تركيا عام 1999، متزامنًا اليوم مع طلب أوجلان تخفيف الحكم الصادر بحقه، في مشهد يعيد فتح الصفحة ذاتها ولكن بملامح مختلفة، وكأن التاريخ يدور دورة كاملة. فالاتفاق الذي أنهى وجود أوجلان في سوريا قبل أكثر من ربع قرن، يعود الآن إلى الواجهة بينما يسعى صاحبه من زنزانته لإعادة طرح اسمه في المعادلة، في لحظة تتقاطع فيها المصالح التركية والسورية والأميركية على طاولة واحدة من جديد.
اللافت أن هذا التحول في الموقفين التركي والأميركي تزامن مع ما يمكن وصفه بـ”الاختراق التركي في ملف غزة”، فأنقرة التي لعبت دورًا محوريًا في التهدئة بعد الاتصال الهاتفي بين ترامب وأردوغان، استطاعت أن تثبت نفسها كوسيط مؤثر في أكثر ملفات المنطقة حساسية، وهو ما منحها وزنًا تفاوضيًا أكبر في الملف السوري. ويبدو أن واشنطن، التي أدركت أن تركيا قادرة على التأثير في توازنات الشرق الأوسط من غزة إلى القوقاز، اختارت هذه المرة التعامل مع أنقرة كشريك لا كخصم، خصوصًا في ظل تعقّد الملف الأوكراني وتراجع نفوذ الولايات المتحدة في بعض مناطق الشرق الأوسط.
تجديد اتفاق أضنة، إن تم بصيغته الموسعة، سيعني عمليًا نهاية مرحلة من الفوضى في الشمال السوري وبداية مرحلة جديدة من التنسيق الأمني التركي السوري تحت مظلة أميركية صامتة. وهذا التجديد لا يعني فقط مكافحة الإرهاب، بل أيضًا إعادة تعريف الحدود السياسية والأمنية بين أنقرة ودمشق وفق معادلة “الأمن مقابل السيادة”، بحيث تضمن تركيا أمنها القومي وتضمن سوريا استعادة إدارتها التدريجية للمنطقة.
من جهة أخرى، فإن موسكو تتابع هذا المسار بترقب، خاصة أن تجديد الاتفاق من الممكن أن يهدد نفوذها العسكري في سوريا مستقبلًا، وقد يعيد توزيع مناطق التأثير بين القوى الإقليمية. أما إسرائيل، التي تراقب من الجنوب وتزيد من نشاطها العسكري قرب الجولان، فقد تجد نفسها أمام مشهد جديد تتراجع فيه قدرتها على المناورة إذا ما تم توحيد الجبهة الشمالية السورية بغطاء تركي-أميركي مشترك.
في المحصلة، يبدو أن اتفاق أضنة لم يكن مجرد ذكرى من الماضي، بل وثيقة قابلة للتجدد بقراءة جديدة تتناسب مع تحولات الحاضر. فبينما يسعى السوريون إلى استعادة دولتهم على أسس مؤسساتية، تبحث تركيا عن تسوية تحفظ أمنها وتعيدها إلى عمقها الإقليمي، وتبدو واشنطن مستعدة لتسهيل هذا التفاهم طالما أنه يحقق لها هدفًا أكبر، وهو استقرار حدود الناتو الجنوبية وإغلاق الباب أمام أي نفوذ روسي أو إيراني جديد.
بهذا المعنى، فإن “أضنة الجديدة” ليست فقط اتفاقًا أمنيًا، بل مشروع تسوية إقليمية يمتد من الفرات إلى المتوسط، ومن غزة إلى القوقاز، حيث تتقاطع المصالح لا بالضرورة في الميدان، بل على طاولة التفاهمات. والتاريخ، كما يبدو، قرر أن يمنح أضنة عمرًا جديدًا، ولكن هذه المرة تحت عناوين مختلفة: المصالحة، الشراكة، والحدود الآمنة..
المصدر موقع تلفزيون سوريا