في 17 أكتوبر من العام الماضي، فوجئ صاحب البيت الذي قُتل فيه يحيى السنوار، قائد حماس الراحل، بفيديو لبيته الذي نزح وعائلته عنه، مقابل المشفى الإماراتي في رفح، يصوّر عملية الاغتيال. وفي ذكراه الأولى، رغم الآلام الغزّاوية الغالبة، يروي هذا المقال ما خطر ببال كاتبه حول ذلك.
«عند الغسق، نحو الساعة التاسعة مساءً، كان أحد هذه المربّعات عند سفح هضبة مون سان جان لا يزال صامداً. في وادي الموت ذاك، على سفح المنحدر الذي صعد إليه الفرسان، والذي غمرته الآن حشود الإنكليز، وتحت نيران سلاح الفرسان المعادي المنتصر، وكثافة مخيفة بالقذائف، استمرّ هذا المربّع في القتال. كان يقوده ضابط مجهول يُدعى كامبرون، ومع كل طلقة، كان المربّع يتضاءل لكنّه يرد على النيران المنهمرة. كانت ترد على طلقات المدافع برصاص البنادق، وتتقلص جدرانها الأربعة باستمرار. توقف الهاربون للحظة على بعد، يستمعون في الظلام إلى ذلك الرعد الكئيب الذي يتناقص شيئاً فشيئاً.
عندما تقلص هذا الفيلق إلى حفنة من الرجال، لم يبق من علمهم سوى خرقة؛ عندما اختفت بنادقهم وقد أعوزتها الذخيرة، لم تعد سوى هراوات. عندما أصبحت كومة الجثث أكبر من مجموعة الناجين، ساد بين المنتصرين، حول هؤلاء الرجال الذين يموتون على نحو مهيب، نوع من الرعب المقدس، وتوقفت المدفعية الإنكليزية عن التنفس. وفّر هذا نوعاً من الاستراحة. بدا أولئك المقاتلون حولهم سرباً من الأشباح، ظلال رجال على ظهور الخيل، وملامح المدافع السوداء، والسماء البيضاء التي تُرى من خلال العجلات وعربات المدافع. وجه الموت الهائل، الذي ما فتئ الأبطال يرونه من خلال الدخان، في أعماق المعركة، تقدم نحوهم وحدّق فيهم. من خلال ظلال الشفق، كان بإمكانهم سماع المدافع وهي تُذخّر؛ كانت أعواد الثقاب كلها مضاءة، مثل عيون النمور في الليل، تشكل دائرة حول رؤوسهم؛ اقتربت كل أعمدة البطاريات الإنكليزية من المدافع، ثم صاح بهم أحد القادة الإنكليز، كولفيل- وفقاً لرواية بعضهم، ووفق مايتلاند وآخرين- وهو يوقف لحظة الموت الداهم فوق رؤوس هؤلاء الرجال: «استسلموا أيها الفرنسيون البواسل»… فأجاب كامبرون: اللعنة- أو كلمة أخرى أشدّ قذارة»… ويتابع فيكتور هوغو بعدها وصف اللحظات الأخيرة من حياة وبطولة كامبرون ورجاله.
ذهبت تلك الكلمة القذرة مثلاً، يردّده الفرنسيون يومياً، ويعرفه الكثيرون بصيغته الفرنسية، أو الإنكليزية كما استحدث الأمريكيون استعمالها!
ورد النصّ المذكور في فصل عنوانه «المربّع الأخير»، من رواية «البؤساء» الغنية عن التعريف بالطبع. لمعت تلك الكلمات في ذهني مساء السبت التاسع عشر من أكتوبر الماضي، يوم عرض الجيش الإسرائيلي فيديو يسجّل اللحظات الأخيرة في حياة يحيى السنوار. كان السنوار على مقعد متهلهل من آثار القتال، مديراً ظهره للكاميرا، جريحاً كما يبدو، ويده اليمنى على مسند المقعد، مصابة بعنف غالباً. التفت برأسه وأذنيه الكبيرتين بعصبية إلى الوراء وقد سمع أزيز المسيّرة التي تصوّره، ورماها بعصاً كانت في يده اليسرى، ربّما كان يتوكّأ عليها بسبب إصابته. كان وجهه، غائماً، لكنه واضح المعالم، غاضباً، وساخراً في وجه الموت الذي تحمله تلك المُسيّرة. وأعتقد أنّ تلك اللقطة لم تلق حتى الآن اهتماماً كافياً، لما تحمله من شحنة هائلة من الجرأة والاستهانة بالموت، وحامله… وربّما كلمة مكتومة من نوع كلمة كامبرون. لا أبغي من وراء ما أقول تسجيل حقيقة معروفة فقط، وهي أن إقدام يحيى السنوار ظهر من النوع النادر بين الرجال والقادة، ممّن يقاتلون دفاعاً عن رؤاهم ومبادئهم؛ على عكس ما أراده من صوّر ونشر ذلك الفيديو؛ بل أردت أن أشير أيضاً إلى ما أراه حقائق مبدئية وسياسية وتساؤلات تحيط بذلك الحدث، وليس صحيّاً في مثل تلك اللحظة أن يتوقف أحدنا عند منطلق تلك الروح العالية والاستعداد للتضحية بالنفس، وبكلّ شيء، هل هو فلسطين من حيث هي» الوطن»، أم هو شيء آخر يتعلّق بإيمان والتزام الرجل الديني/ السياسي. ذلك فقط لأنّ الوطنية والدولة الوطنية، ليسا مفهومين مستحبّين في العقيدة الإخوانية نفسها، ولا يجري التطرّق لهما إلّا حديثاً وضمن استراتيجية المرونة الفائقة، التي يبديها قسم من أهل تلك العقيدة. أذكر من طفولتي إخوانياً مثقفاً وقريباً لي استنكر عنوان رواية الشرقاوي «محمد: رسول الحرية» أيضاً حين رآني أقرؤها، ورفض علاقة الإسلام بالحرّية. حاليّاً تطوّر الإخوان ودرجة مرونتهم وتعدّديتهم الداخلية بالاتّجاهين كثيراً!
لكن هذا ليس مربط الفرس، فالسنوار ليس شخصاً عادياً، بل قائد ميداني وسياسي كان يُحسب حسابه، حتّى من قبل قوّة عاتية كإسرائيل، بتنظيمها وجيشها المتطوّر والمدعوم من دون حساب. ويغلب أن يكون هو الآمر والمخطّط الأول لهجوم السابع من أكتوبر وراء الجدار الفاصل بين غزّة وإسرائيل، الذي نتج عنه ما نتج، وكان السبب – أو الذريعة- في الهجوم الإسرائيلي الساحق على غزّة وأهلها، وليس على حماس ولا على قادتها وحسب. لم تكن طريقة مقتل السنوار عاديّة أبداً، ولكن ليس فقط في تحدّيه الموت والعدوّ كما كان واضحاً، بل في حقيقة كونه قد خرج من مكمنه الذي كان غالباً في نفق عميق من شبكة أنفاق حماس، وفي منطقة قيل إنها قريبة من موقع للجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يمكن أن يجعلنا نفكر في احتمال أنه فعل ذلك عن سابق علم وقرار. وعندئذٍ لا بدّ أن ندخل في عقله لنستكشف السبب، لنرى شيئاً يضاف إلى العناد والجرأة وعقلية التحدّي، فيه ظلال لليأس والخيبة بعد كلّ ما جرى وسال من دماء، وانسداد الأفق من الناحية العسكرية، مع ضياع غزّة وخرابها، وتفكّك حماس إلى هذا الحدّ أو ذاك، الأمر الذي يعني أيضاً خسارة سياسية كبيرة، لا بدّ أن يحسب حسابها… فهل عرّض نفسه في لحظة خيبة لذلك الخطر الجسيم وهو عارف بما يفعل؟ أم أنه كان في صدد تغيير استراتيجي ما، لم يدركه أحد، ولم يظهر منه شيء حتى الآن؟ لقد كانت هنالك ملامح من ذلك في جلسته وسلوكه في ذلك اليوم، مع بعض الضجر ربّما أيضاً.. وكلّنا بشر.
بالمناسبة كذلك، لم تكن حكاية كامبرون، الذي جرى الحديث عنه أعلاه ثابتة التفاصيل أبداً، من ناحية طريقة موته على الأقل، فقد كان جنرالاً معروفاً وليس مغموراً كما ذكر هوغو، وله تاريخ معروف بعد معركته تلك، التي تمّ أسره فيها من قبل الإنكليز، وحاكمه الملكيون الفرنسيون وحكموه بفترة سجن طويلة. لكنّه أعفى بعد فترة، وخدم في الجيش الملكي من جديد. وما زال ورثته الأحياء حتى الان، يتابعون حقوقه المعنوية والمادية. أعني هنا أنه استسلم كعسكري محترف يعرف واجبه، ولم يقتل نفسه وجنوده عبثاً. طريقة موت السنوار كانت ملتبسة المعاني والمضامين، ما بين اليأس من المعركة والدعوة لاستمرارها، وما بين الغضب والفشل… وربّما الملل أيضاً. نظرته في عين الكاميرا على المُسيّرة، ورميها من قبله بأقرب شيء في متناول يده لا يمكن أن يؤذيها، قد توحي بذلك وبأشياء أخرى أيضاً.
لا حوكم السنوار ولا واجه التمجيد أو الانتقاد، كما كان ليكون مفيداً بعد كارثة غزّة وأهلها، التي ابتدأت منذ السابع من أكتوبر قبل عام من موته، وستبقى طويلاً أمام أعيننا!
كاتب سوري.
المصدر القدس العربي