المصدر ضفة ثالثة
بينما كانت احتجاجات “لا ملوك” تموج في شوارع المدن الأميركية بمشاركة ملايين المتظاهرين، اختار الرئيس دونالد ترامب الرد بلغة مختلفة تمامًا. فمساء السبت 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، نشر على منصته “تروث سوشيال” مقطع فيديو منتجًا بتقنية الذكاء الاصطناعي يظهر فيه مرتديًا تاجًا في قمرة قيادة طائرة مقاتلة تحمل اسم “الملك ترامب”، بينما تلقي الطائرة مواد بنية اللون على المتظاهرين في ميدان تايمز سكوير، مصحوبة بالأغنية الأيقونية لكيني لوجينز “داينجر زون”. لم يكن الصوت الموسيقي مجرد خلفية عشوائية، بل كان اختيارًا مدروسًا لأغنية ارتبطت بفيلم “توب غان” الذي يمجد البطولة العسكرية الأميركية، في تحويل ساخر للمعنى الأصلي.
لم يتأخر رد الفعل من المغني المخضرم البالغ من العمر سبعة وسبعين عامًا. فصباح الاثنين 20 أكتوبر/ تشرين الأول، أصدر لوجينز بيانًا واضحًا رفض فيه هذا الاستخدام غير المصرح به لموسيقاه، مؤكدًا أنه لم يُطلب منه الإذن وكان سيرفض لو طُلب منه، ومطالبًا بإزالة الأغنية من الفيديو فورًا. لكن ما يميز بيان لوجينز لم يكن مجرد الاعتراض القانوني، بل كانت الرؤية الإنسانية الأعمق التي طرحها. قال المغني الذي عاصر عقودًا من التحولات الأميركية، إنه لا يتخيل لماذا يريد أي شخص استخدام موسيقاه لربطها بشيء صُنع بهدف وحيد هو تقسيم الناس. وأضاف بنبرة تصالحية أن الكثيرين يحاولون تمزيق النسيج الاجتماعي، بينما يحتاج الجميع إلى إيجاد طرق جديدة للاجتماع معًا. ختم بأنهم جميعًا أميركيون وجميعهم وطنيون، ولا وجود لـ”نحن وهم”، مؤكدًا أن هذا ليس ما هم عليه ولا ما يجب أن يكونوا عليه.
هذه الحالة لم تكن سوى حلقة في سلسلة ممتدة منذ عام 2015، حيث اعترض أكثر من ثلاثين موسيقيًا على استخدام ترامب لأعمالهم. فقبل لوجينز، كان نيل يونغ قد رفع دعوى قضائية بسبب استخدام أغنيته “روكين إن ذا فري وورلد”، وانتهت القضية بتسوية سرية. كما أن عائلة توم بيتي أصدرت بيانًا مؤثرًا بعد استخدام أغنية “أي وونت باك داون” مؤكدة أن بيتي لم يكن ليرغب أبدًا في استخدام أغانيه لحملة كراهية. وكذلك فعلت فرقة رولينج ستونز التي هددت باتخاذ إجراء قانوني أجبر ترامب على التوقف عن استخدام موسيقاها. أما عائلة آيزاك هايز فقد رفعت دعوى قضائية تطالب بثلاثة ملايين دولار كرسوم ترخيص، بينما حقق إيدي غرانت نصرًا قانونيًا عندما حكمت المحكمة بمسؤولية ترامب عن انتهاك حقوق النشر.
ورغم هذه الاعتراضات المتكررة، تبقى الإشكالية القانونية قائمة. فالحملات السياسية تحصل عادة على تراخيص شاملة من منظمات حقوق الأداء تغطي ملايين الأغاني، مما يجعل الاعتراض القانوني صعبًا في كثير من الأحيان. هذا ما يفسر لجوء العديد من الفنانين إلى الاعتراض العلني كوسيلة للتعبير عن موقفهم، حتى عندما يكون السبيل القانوني مغلقًا. كما أن استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي في إنتاج الفيديو يضيف طبقة جديدة من التعقيد، حيث إن ترامب لم ينتج الفيديو بنفسه بل أعاد نشره من مستخدم عادي، مما يثير تساؤلات حول مدى مسؤولية الرئيس عن محتوى أنشأه آخرون.
الانقسام في ردود الفعل على الحادثة لم يكن مفاجئًا. فبينما دافع رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن الفيديو واصفًا إياه بأنه استخدام للسخرية لتوضيح نقطة، وصف مذيع “سي إن إن” جيك تابر الفيديو بأنه ترامب “يتصيد الأميركيين كاستراتيجية”. هذا الانقسام يعكس ظاهرة أوسع في السياسة الأميركية المعاصرة، حيث أصبحت الموسيقى ساحة لمعركة ثقافية أعمق بين رؤى مختلفة لهوية أميركا وقيمها.
في الخلفية، تبقى قصة أغنية “داينجر زون” نفسها لافتة. فالأغنية التي كُتبت في الأصل لتمجيد الطيارين المقاتلين وتحولت إلى رمز ثقافي للحماس الوطني، أصبحت الآن أداة في صراع سياسي مرير. من مفارقات القدر أن الأغنية التي ساهمت في زيادة أعداد الراغبين في الانضمام إلى البحرية الأميركية بنسبة 500%، يرفض مؤديها الآن استخدامها في سياق يرى أنه يهدف إلى تقسيم الأميركيين.
قصة كيني لوجينز مع “داينجر زون” ليست مجرد نزاع حول حقوق النشر، بل هي تجسيد لمعضلة أكبر تواجه الفنانين في عصر الاستقطاب السياسي الحاد. إنها صراع بين رغبة الفنان في أن تظل موسيقاه جسرًا للتواصل بين الناس، واستغلال السياسيين لتلك الموسيقى في تعزيز الانقسامات. بيان لوجينز الذي رفض استخدام موسيقاه كسلاح سياسي، وأكد أن لا وجود لـ”نحن وهم”، يذكر الجميع بأن الموسيقى، في جوهرها، يجب أن تبقى قوة توحد لا تفرق.