-1- 

الرقة. الرابع من آب (أغسطس) عام 2002 عصراً.

وسط القيظ الصيفي الرقاوي المعتاد يوقظني هاتف البيت من سُباتٍ مَلول تحت المكيّف في أسابيعي الأخيرة في المدينة قبل الانتقال إلى إسبانيا. المرحوم والدي على الطرف الآخر من السماعة، وكان قد غادر باتجاه دمشق صباحاً برفقة الراحل عبد الرزاق المدفع لحضور محاضرة لصديقهما الدكتور أحمد فائز الفواز في منتدى جمال الأتاسي مساء ذلك اليوم.

يُخبرني والدي أن سيارته قد تعطّلت قرب حسياء في ريف حمص، وأن سائق شاحنة عطفَ على الرجلين فساعدهُما في قطرها كيفما اتفق إلى جانب محطة وقود مجاورة وأوصلهُما بعدها إلى مدخل دمشق، وأن عليَّ أن أتواصل مع «الشيخ» أبي حمدان، أحد أقربائنا المُقرَّبين، كي نتدبر أمر نقل السيارة إلى الرقة لإصلاحها. وبين الاستنكار والسخرية أسمعه يشرح لي أن محرك السيارة بدأ «يدخّن» بعد الطبقة بقليل، وأنه مع ذلك ساقَ بها مئات الكيلومترات إلى أن قالت «كفى». كان عدم اكتراث والدي لميكانيك السيارة، عكسَ عنايته الشديدة بآلات وإلكترونيات أخرى، خصوصاً الطبية منها، منبعَ استهجانٍ متواصلٍ عندي.

سافرنا إلى حمص ليلاً بالبولمان، وهناك استأجرنا رافعة وتوجهنا إلى حسياء، وبعد فحصٍ أولي قرَّرَ أبو حمدان، ذو الباع وصاحبُ الكار، أن تصليحَاً جزئياً للسيارة في حمص وقيادتها إلى الرقة لفحصٍ أدق لدى «الثقات» أقل كلفةً من قطرها كل هذه المسافة. هكذا كان، وبقينا يوماً ونصفاً إضافيَّين في حمص. ونتيجة لذلك بلغتُ الثامنة عشرة من عمري في السادس من آب وأنا في المنطقة الصناعية في حمص، مُنتظراً تصليح سيارة والدي التي «كربج» محركها في الطريق إلى محاضرة للعم فوزي الفواز، في خريف نشاطات ربيع دمشق. أتذكر عيد ميلادي ذلك اليوم بحنّية. وكنتُ لحظتها أشعرُ حقاً أنني أعيشُ ما سيكون ذكرى طويلة الأمد.

بعد نحو أسبوعين، مع دخول آب 2002 ثُلثه الأخير، زار أبو محمد الرقة؛ وحول مائدة سياييل نصبتها عمتي في وداعي استمعَ مُتسلّياً إلى مغامرتي الحمصية، وشاركني مازحاً استهجاني استهتارَ الوالد بالسيارة، كما جاراني في سُخريتي من نفسي حول دوري العظيم في المضي بالحركة الديمقراطية السورية قُدُماً، ولو باستخدام رافعة حمصية كُتب على ذراعها «احترام الكبير واجب». كانت تلك السياييل من أواخر آب 2002 آخر لقاء بالراحل في الرقة.

-2- 

الرقة. شتاء 1997

أول لقاءٍ بالدكتور أحمد فائز الفواز كان في بيته، وهو «حوش عربي» قرب جامع الجراكسة، بعد نحو عامين على خروجه من السجن، أقام أغلبهُما وما بعدهما حتى وفاته في دمشق. رافقتُ والدي للمرور عليه والتجول معه في السوق. كنت قد سمعت عن فوزي الفواز ومكانته ومن ثم سجنه من والدي، الذي كان يصغره بعقد ونصف، ويمتُّ بصِلة قربى لزوجته، السيدة العظيمة خديجة الشيف حميّد. كنت حينها في الثالثة عشرة من عمري.

ورغم خلو محيطي القريب من المناضلين المعتقلين السياسيين، إلا أن اهتماماتي وقراءاتي كانت قد بدأت تتسيّس بخليطٍ موروث من اليسارية والقومية العربية، وكانت شخصية «المثقف المناضل» تفتنني وتُثير فضولي في الروايات والقصص والأفلام، فما بالك بمن قضى 15 عاماً في السجن؟

وجدت رجلاً متوسط القامة بالنسبة لجيله، أصلع وبشعر وشاربين أبيضين. طقم جوخ بنّي من ثلاث قطع أنيق أناقة سبعينيات. لغة جسد أنيقة وغير متكلّفة، مختلفة عمّا ألفته في سلوك من أعرفهم من رجال مدينتي؛ لهجة رقُاوية مُطعَّمة بكلمات وعبارات فصيحة، على طريقة مُتعلِّمي بلدنا و«حبّة زيادة» عنهم. انبهرت به على الفور، واتخذت وضعية السامع الصامت التي أتقنتُها طوال سنوات يفاعتي. مشيتُ إلى جانبه هو ووالدي باتجاه شارع الوادي فدوّار الساحة. للرجل تمايُلٌ مميّزٌ في مشيه حين ينسجم في الكلام، ليس عَرَجاً بل دون ذلك بكثير، ويتوقّف لحظةَ يريد التوكيد على جزء من حديثه ويُدير جذعه باتجاه مُكلِّمه. مُلاحظاته التفصيلية عن المدينة (التي لم يكن قد ألِف تَغيُّرها الكبير عليه) وعن تحوّلات عمرانها وازدحامها وسلوك ناسها وتجّارها رأيتها لمّاحة وممتعة.

وحين مرورنا من أمام بيت الكعكه جي، شرق ساعة الساعة باتجاه حارة العجيلي، انتبه أبو محمد لوجود محلات بالة في العبّارات تحت فندق السياحة، واقترحَ إلقاء نظرة. لم أكن قد دخلتُ ذلك السوق قبلاً، ولا والدي كان قد فعل. واكتشف كلانا في هذا الرجل هواية ومهارة التنقيب في البالة بحثاً عن معاطف وأطقم، وكان بارعاً في تمييز موديلاتها وقراءة مواصفاتها وتركيب قماشها. لم يجد شيئاً يستدعي الاهتمام يومها، لكن مشوار «البالة» بات أشبه بطقسٍ ملازم لتواجده في الرقة منذ ذلك اليوم.

-3- 

الرقة. 1998

فترات تواجد أبي محمد في الرقة تعني حضوراً شبه يومي في مكتبة الخابور.

مكتبة بور سعيد، لصاحبها أحمد الخابور (أبو زهرة)، كانت مَعلَماً أساسياً من معالم المدينة، وما زالت. افتتحها صاحبُها بُعيد العدوان الثلاثي بدعمٍ من الحزب الشيوعي السوري، فأحمد الخابور وأحمد فائز الفواز يتشاركان عَمادة شيوعيي الرقة، وعنهما، برفقة ثالث هو «الآغا» الكعكه جي (نعم، كان لدى الرقة «آغا» أحمر) راجت في المدينة طرفة قديمة تقول إن هناك ثلاثة رجال يحتفظون دائماً بـ«بقجة» جاهزة خلف الباب، فأيّاً يَكُن بطل الانقلاب القادم؛ مصيرهم الاعتقال.

أبو زهرة رجل ضخم البنيان، ظريف المعشر، لطيف الطبع، وسريع النكتة. يحبّه الجميع، وعلاقاته في المدينة وريفها الأقرب كثيفة، لا لاتكاله على ثروة أو جاهٍ عائلي أو عشائري، بل إن الرجل عاش طفولته وشبابه فقيراً واضطر للعمل المضني منذ طفولته. وحين صار شيوعياً في شبابه فمن كونه عاملاً، لا كابن لطبقة وسطى متعلمة جاء إلى الإيديولوجيا من أشعّتها الثقافية.

والمكتبة دكّان صغير على الكتف الغربي لمتحف الرقة، تحت بناية آل الحاج عبو في نهاية شارع المنصور قبل تقاطعه مع شارع القوّتلي. على واجهتها فترينة عريضة تحوي رفوفها قرطاسية وأقلاماً، وتعلوها جرائد اليوم السورية وعلى جنبيها وفوقها تُعلق مجلات جرائد لبنانية وخليجية؛ كما تَشغلُ طاولة معدنية مزدحمة بالمجلات والفصليات مركز الدكان، وبينهما وحول الطاولة بالكاد يبقى متسع للحركة والجلوس. كان في مكتبة الخابور كتب، لكن اختصاصها كان المجلّات والجرائد، إذ كانت مركز الموزّع المعتمد لكل مراكز البيع في المحافظة، وعبرها يمرّ كل ما يأتي من دمشق، أكانَ مطبوعاً فيها أم قادماً ممّا عداها، وبعض المطبوعات (خصوصاً المجلات العربية والصحافة اللبنانية والخليجية، وبعض الفصليات) التي لا تتوفر في المدينة إلا عند أبي زهرة، وغالباً مع توصية وحجز مسبق لازمَين.

وبفضل شخصية أحمد الخابور وتنوّع علاقاته، كانت المكتبة مركزاً اجتماعياً مزدحماً بالزوار على الدوام. وكأنها مضافة. وكـ«قهوة كتكوت» في رواية محمود السعدني، كانت المكتبة تُبدِّلُ جلدها عدّة مرات في اليوم حسب نوع الزوار: شيوخ العفادلة وتجار السوق الغربي صباحاً؛ المرحوم عبد السلام العجيلي وحيداً أو مع بعض أصدقائه المحليين أو ضيوفه من خارج المدينة قبل الظهيرة؛ «الدكاترة» بين الظهر والعصر.. وأخيراً مثقفون وأدباء محليون ومعلمون وافدون أصغر عمراً يتجمعون مساءً برعاية سيف، صهر أحمد الخابور الذي يتولّى أمر المكتبة في ساعات المساء.

أحمد الخابور أمام مكتبته في منتصف عقد الألفينات، وعلى بابها المرحوم عبد الرزاق المدفع

تشكّلت مجموعة «الدكاترة» أساساً حول أحمد فائز الفواز وحضوره اليومي في المكتبة خلال زياراته، متنوعةِ الطول، إلى المدينة. بعض أفرادها من أصدقائه قبل السجن، وبعضهم الآخر عرفهم بعد خروجه منه. أغلبهم أطباء؛ مثل فيصل علّوني ويوسف البوزو وأحمد الحافظ، والمرحومين ندى الجوهر والشهيد قيس فريد السيد أحمد ووالدي، لكن بعضهم الآخر لم يكن له علاقةٌ بالطب، مثل قريبي أبي حمدان الذي رافقته إلى حمص لإنقاذ سيارة والدي، وهو متعهد؛ والمرحوم المهندس عبد الرزاق المدفع، أو المهندس خلف الغازي.. أو «أبي صطيف الباسوطة»، وهو موظف إداري في فرع الأمن السياسي تجاوزَ سن التقاعد حينها وكان يُجدد عقده سنوياً، ومن ميزاته الفنية والتعبوية إتقانه الكردية وقُدرته على ترجمة مناشير أو تسيير/ترجمة تحقيقات مع موقوفين كُرد، يعرفه أبو زهرة منذ عقود. لم يكن «أبو صطيف» جزءاً من المجموعة، لكنه كان يظهر أحياناً في المكتبة خلال مواعيد اجتماعهم المعتادة لزيارة صديقه أو لإبلاغ أحد أفراد المجموعة بخَفرٍ أنه سيتلقى زيارة «مسح سياسي» قريباً نتيجة تقرير أو موقف ما؛ إضافةً إلى كونه مصدر زيت زيتون ممتاز من إنتاج أقاربه في بلدته العفرينية.

كانت لأصدقاء المجموعة اهتماماتٌ فكرية وسياسية وثقافية متنوعة. ولم يكونوا جميعاً«مسيّسين» ولا جميعهم معارضين، ولا كان المعارضون منهم على الدرجة نفسها من الجذرية. لكن كان الجميع «ديمقراطياً» وغير راضٍ عن الوضع. ولم تكن «مجموعة فكرية» أو منتدىً منتظماً بصفته كذلك. بل كانوا مجموعة أصدقاء يلتقون دون ميعاد عدة مرات في الأسبوع في مكتبة الخابور حوالي الثانية ظهراً، أحياناً على «قهوة مرّة» عابرة وأحياناً تمتد جلستهم إلى مأدبة لحم بعجين أو كباب، وربما «جدرية خاثر» مع خبز تنّور على طاولة المجلات، يتزاحمون في المساحة الضيقة ويفيض بعضهم إلى الرصيف أحياناً وهم يتداولون أخبار المدينة والبلد، ويتبادلون الكتب والمجلات، ويقضون بعض الوقت في تخمين سبب عدم دخول هذه الجريدة اليوم أو شقّ الرقابة تلك الصفحة من هاتيك المجلة هذا الأسبوع، وينظّمون سهرات شتوية ورحلات في الربيع والصيف إلى حويجة زهرة على ضفاف النهر، أو إلى بحيرة سد الفرات، ورحلة سنوية إلى كسب صارت طقساً اعتباراً من عام 2000. حضر بعض زوار الدكتور فوزي بعض هذه السهرات والرحلات، مثل الراحلَين رياض الترك (زيارة وحيدة وسريعة)، وعمر قشّاش (مرات عديدة)؛ كما سافر بعض أعضاء المجموعة وكأنهم وفد عفوي ممثل لـ«الطيف الديمقراطي» عدة مرات لحضور مناسبات ثقافية أو سياسية، أو لتقديم واجب العزاء بشخصيات سوريّة، مثل الراحل بوعلي ياسين عام 2000.

بحضور فوزي الفواز كان الازدحام في المكتبة دوماً أكبر، ويُصبح الحديث أقلَّ محلّية وأكثر فكراً وثقافة وسياسة وتاريخاً. وكنتُ حريصاً على مرافقة والدي أكثر من المعتاد إلى المكتبة فترات وجود الدكتور فوزي، مستمعاً صامتاً لنقاشات تلك المجموعة ولكلام أبي محمد وذكرياته وقراءاته وتعريفاته. تعلّمتُ الكثير، وانقلبتُ على الكثير مما تعلّمته لاحقاً، لكني بقيتُ دوماً مديناً قيمياً ومعرفياً، ووفياً ما استطعت، لتلك الساعات من رقة نهاية التسعينيات ومطلع الألفينيات. وكنت أتسلى.

أذكر مرةً كنتُ أسمع فيها باهتمام لحديث أبي محمد عن شيء قرأه مؤخراً عن سيرة بالميرو تولياتي، الزعيم الشيوعي الإيطالي، قبل أن يقاطعه، ويُجفلنا، شاب لاهث رمى نفسه رمياً على فترينة الجرائد حاملاً خمس ليرات وهو يقول «البعث، البعث» – وكان غالباً يبحث عن نتيجة مسابقة تعيين أو خبر دورة استثنائية للمستنفذين في الجامعة، أو ما شابه – اشرأبَ أحمد الخابور بعنقه إلى الخلف، إذ كان جالساً وظهره للشارع، وناوله الجريدة بازدراء، وراقبه صامتاً وهو يبتعد قبل أن يقول «الله ياخذك وياخذه».. فغلبنا الضحك، ونسينا تولياتي.

-4- 

كان استماعي الصامت ينقلب أحياناً إلى انكبابٍ على العون اللوجستي في بعض الشؤون «التقنيّة»، كمعاناة أحدهم مع كمبيوتر جديد. ولكن وقت الكد والنضال بالنسبة لي كان حين يأتي أحمد فائز الفواز من دمشق ومعه عدد جديد من «الموقف الديمقراطي» الصادرة عن التجمع الوطني الديمقراطي حينها، أو – بتواتر أقل حسبما أذكر- «الرأي»، الصادرة عن المكتب السياسي؛ إذ كنت أتولَّى نسخها في محل أحد معارفي وفيه آلة فوتوكوبي أستخدمها بنفسي، وأَعتني بإخفاء نسختنا داخل أحد «بافلات» ستيريو لدينا في المنزل. كنتُ أشعر بالأهمية والخطورة وأنا أقوم بما اعتبرتُهُ أهمَّ وأخطرَ ما يُمكن أن يقوم به أحدٌ مثلي في الرقة حينها. وفي إحدى أيام مطلع الألفية شعرت نفسي وكأنني عامل السينما والكادر الحزبي السرّي «فالديفيا» في رواية مونيوث مولينا «بيلتينيبروس» وأنا أُشغِّلُ لبعض أفراد مجموعة الدكاترة فيلم «ابن العم» لمحمد علي أتاسي عن رياض الترك، على شاشة كمبيوتر بينتيوم 3 في عيادة والدي، وكان الفيلم قد وصل في سي دي من دمشق.

بين نسخ «الموقف الديمقراطي» و«الرأي» المخفية عندي كانت هناك نسخة من نص كتبه أحمد فائز الفواز للمُرافعة عن نفسه أمام محكمة أمن الدولة حين عَرضِه عليها أوائل التسعينيات، بعد مرور عقد ونيّف على اعتقاله. كان نصاً منسوخاً من أصل بخط اليد، مكتوباً على ورقة بحجم A4 مطويّة إلى أربع صفحات أصغر. نص قوي وجذري، ومنصف في قسوته بحق نظامَي الأسد وصدام حسين، اللذين يوضعان في خانة واحدة في مقطعٍ يذكر حماة إلى جانب حلبجة. للأسف، النص غير متاحٍ على الإنترنت، وأتمنى أن تكون نسخة منه على الأقل قد سَلِمت لتجد طريقها يوماً ما إلى أرشيفٍ وطني يحتاجه هذا البلد.

بقيت نُسَخ «الموقف الديمقراطي» و«الرأي» مَخفية داخل البافل في بيتنا سنوات طويلة بعد انتقالي من الرقة، وكان الستيريو من ضمن ما نُهِبَ من المنزل بعد معركة طرد داعش من المدينة نهاية صيف 2017. لا أدري من سرقه؛ أمقاتل من قسد أم داعشي أم لصّ «عادي»؟ أيّاً يكن، يا ليتني رأيت وجهه وهو يكتشف اللقيّة، ويا ليته عرف ماذا كانت تعني.

-5- 

الرقة. أوائل شباط (فبراير) 1999.

«تجديد البيعة» لحافظ الأسد، الأخيرة له، على بُعد أيام قليلة. وبهذه المناسبة عطّلت المدارس والدوائر للخروج في مسيرات صباحية هاتفة «إلى الأبد إلى الأبد يا حافظ الأسد» ستلتقي أمام منصّة للمحافظ وسواه من المسؤولين نُصبت في «ساحة السيد الرئيس»، حيث تمثال حافظ الأسد العملاق.

لم أكن في مسيرة المدرسة، إذ كان والدي يمنعني من الحضور ويُطالبني بأن أقول «والدي منعني» إن سُئلت، فيما كنت أعتبره تهوّراً غير ذي معنى منه، ولكني كنت مُطيعاً، خصوصاً أنني أُفضّل إشغال وقتي بما هو غير تسجيل حضور في بداية المسيرة ثم الهرب لمشاهدة مسيرات (وطالبات) مدارس أخرى قبل التوجه إلى أبي حسن طلباً لصندويشة فلافل، إذ كان هذا برنامج أغلب زملائي لليوم. وهذه المرّة بالذات كان هناك ما هو أجدى من هذا البرنامج بكثير: أبو محمد في الرقة، وهذه المرة أتت معه الفاضلة أم محمد، وسنذهب لزيارتهم.

شربنا القهوة في حوش المنزل، تحت شمس لطيفة رغم برد شباط. بعدها، عبّرَ فوزي الفواز لوالدي عن رغبته بالذهاب لمشاهدة مسيرة «تجديد البيعة»، فهو مشهدٌ لم يرَه قبلاً، واعترضت السيدة خديجة بوجاهة: ماذا لو رآك أحدٌ وعرفك؟ لا يُتوقَّع عنف، ولكن ربما كلام مُسيء، أو «تقرير أمني» كيدي يدّعي أنك استفززتَ أو أسأت أو سخرت. وبعد مفاوضاتٍ ووساطة وضمانات من والدي، اتفقنا على أن نرى المسيرة من بعيد، من أعلى شارعٍ كان يُطل حينها على الساحة قبل بناء «دار الحكومة».

بجانب والدي وأبي محمد مشيت، صامتاً مُنصِتاً كالعادة. كان الدكتور فوزي يُفكر في «إلى الأبد» المهتوفة لرجل يتداعى، وضحكَ حين أخبره والدي عن مصطلح «الحتمية البيولوجية» الذي كان أنصار فرانكو يستخدمونه لنقاش احتمالات ما بعد وفاة الديكتاتور حين استفحل فيه المرض عام 1974. بالكاد قال أبو محمد شيئاً عن المسيرة. لفت انتباهه أكثرَ المركز الثقافي العملاق (والقبيح) على الطرف الآخر من الساحة، ومركزُ الانطلاق وهيكل مركز البريد الجديد وعمرانُ آخر جديد متنوع ومعدومُ الهوية يشغل ما كان سرير النهر وامتداده الأقرب، وتحادثَ مع والدي طويلاً بحسرة حول أن هذا السرير كان من الأجدر أن يصير بساتينَ وحدائق عمومية بالكاد تحتاج للري في أرض أشبه بالطمي، رئةً لمدينة تحتاج أن تتنفس؛ بدل أن يُشيَّدَ فيه عمرانٌ لا يكف عن الخَفَسان.

بعد تلك الجولة، دعوتهم لصندويشة فلافل من عند أبي حسن. وبعدها بأيام، وحسب الإحصاءات الرسمية، شارك 98.5 بالمئة من الشعب في التصويت بـ 100 بالمئة «نعم» لحافظ الأسد. للشفافية، أعلنَ النظام عن 917 صوتاً باطلاً، وأن 219 شخصاً قد صوّتوا بـ «لا» («أبو صطيف الباسوطة» و 218 آخرون).

-6- 

الرقة. حزيران (يونيو) 2000

مات حافظ الأسد. وباع أحمد الخابور في مكتبته صوراً له مكتوبٌ عليها «مبروك» كانت قد «رسبت» من آخر «تجديد بيعة» حين وُزِّعت مع الصحافة الحكومية، قبل أن يلاحظ ابنه محمد، زميلي وصديقي ورفيق النضال السماعي اليافع، ذلك ويحذّره. أكد أبو زهرة، صادقاً ولا شك، أنه لم ينتبه؛ فيما كان المرحوم أبو أيهم، عبد الرزاق المدفع، متسلياً بوصفه منزلقاً فرويدياً. المدينة صامتة ومعتمة حتى في وسط الظهيرة، وكأنها في مساء يوم جمعة مضجر سيدوم أربعين يوماً.

بعد ليلة أو اثنتين «اندحشت» بوالدي لمرافقته لسهرة في بيت الدكتور فوزي، القادم من دمشق في زيارة مقررة سابقاً. تملّكني فضول لرؤية الرجل الآن، وقد ماتَ مَن سَجنَه 15 عاماً. توقعت أن يكون مسروراً، وأن السهرة «احتفال سري» من نوع الاحتفالات التي سمعت من والدي أن رفاقه اليساريين أقاموها في إسبانيا حين مات فرانكو. لم يكن كذلك.

بطبيعة الحال، لم يكن أحمد فائز الفواز حزيناً على حافظ الأسد. لكنه أيضاً لم يرَ في وفاة مجرم عجوز مريض ما يمكن أن يُقرأ بحد ذاته كانتصارٍ يستدعي البهجة، سيما وأنه قد ترك لنا ابنه الذي عُدِّل الدستور خلال دقائق لأجله. أتذكر أنه قال عن تلك اللحظة إنها فرصة، لأن الوريث سيحتاج لإعادة بناء نظامه، مما قد يفتح مجالاً لممارسة الضغط، ومبادلة قبولٍ «على مضض» – لم يكن هناك من خيارٍ سواه – بمطالبات جذرية بتغييرٍ على صعيد الحقوق والحريات العامة؛ وإنها انعتاق، إلى حدٍ ما، لأن الزمن يمضي، وحافظ الأسد أيضاً؛ ولكنها، أيضاً، هزيمة إلى حدٍ ما، لأنه مات في فراشه مورّثاً حكماً وطيداً.

عدت من تلك السهرة (التي حضرتها صامتاً منصتاً، كالعادة) وأنا أعاني ما يشبه الدوار النفسي. كنت قد سمعت درسي الأول عن التركيب التراجيدي في المشاعر والأفكار، ويبدو أنني لم أكن جاهزاً له بما فيه الكفاية. عرفت ذلك الصنف من الدوار لاحقاً في مراحل عديدة من حياتي، وكثير من نوباته أصابني في السنة الأخيرة وأنا في الأربعين من عمري، لكن تلك في ذلك الحزيران البعيد كانت الأولى، وكنت في السادسة عشرة من عمري إلا شهرين.

-7- 

الرقة. أواخر شتاء 2001

يوم جمعة. أرسلني والدي إلى بيت الدكتور فوزي لإعطائه مُصنفاً سيَأخذه معه إلى دمشق. وإذ توقعت أن «المشوار» سيقتصر على مناولة الرجل المصنف والعودة فوراً، أصرّ أبو محمد على أن أدخل وأشرب معه فنجان قهوة. جلسنا، وقال لي إنه يعلم من والدي أنني أقرأ كثيراً، وأنني أحب السياسة.

رغم مرور عدة سنوات على تواجدي، حين أمكن، ملتحقاً بوالدي مع مجموعة «الدكاترة» وفي رحلاتهم وجلساتهم، كنت دوماً صامتاً مستمعاً. كانت تلك أول مرة يحدّثني الرجل مباشرةً بما يتجاوز تبادل السلام أو الاطمئنان عن الأحوال وإرسال التحيات للأهل. سألني عن قراءاتي وأفكاري، ولم يُعجَب كثيراً بطريقتي في القراءة. اعتبرها اعتباطية، وتفتقد لمنهج، ما كان صحيحاً حينها، وما يزال صحيحاً اليوم إلى حدٍ كبير. قال لي إن القراءة والكتابة والدراسة كلها تحتاج نهجاً وخطة، وتقتضي «مؤخرةً حديدية» قادرة على الجلوس بلا نهاية لا يبدو له أنني قد أحرزتها بعد، ونصحني أن أعمل على ذلك قبل كل شيء. من حيث المبدأ، كان يُفترض أن يبدو كلامه هذا قاسياً لي، أنا المتباهي حينها بكمية قراءاتي، لكنني كنت سعيداً جداً باهتمام رجلٍ أحترمه وأجلّه كثيراً، لا سيما وأن المعتاد من أصدقاء والدي، الأطباء منهم خصوصاً، هو السؤال عن «الدراسة»، التفتيشي النبرة غالباً، وليس عن اهتماماتي وقراءاتي.

في ختام الزيارة، قام الدكتور فوزي إلى غرفة أخرى وعاد حاملاً كتاباً: الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة لياسين الحافظ، الجزء الرابع من أعماله الكاملة في طبعة دار الحصاد الثانية (1997). لم أقل له إن لدينا نسخة في البيت من هذه الطبعة بالذات. أعطاني الدكتور فوزي كتباً عديدة بعد هذا؛ لكن هذا الكتاب الأول ظلّ يرافقني في كل تنقلاتي، وأعود بين حين وآخر لجزئه الأول الذي يروي فيه الحافظ «تاريخ وعي»ـه، سيرته الذاتية الإيديولوجية السياسية.

-8-

برلين. 2025

أعتقد أن بإمكاني دخول منافسة عالمية حول مَن يعرف أكبر قدر من المعلومات غير المهمة عن جغرافيا برلين وعمرانها، وسأفوز بسهولة.

تعلمت التسكع مع والدي، وكانت «المَسحَلَة» في شوارع الرقة أحد عناصر صداقته مع فوزي الفواز. أتسكع كثيراً في برلين، بهدف أحياناً وبلا هدىً غالباً. أفحص الشوارع الكبرى والجادات والحارات والفناءات والمحلات والمطاعم والمقاهي والحانات. وعندي أيضاً «سوسة» تسجيل أي عنوانٍ أقرأه في كتاب تاريخ أو سيرة ذاتية، أو أراه في فيلم، عن مكان عيش شخصية تهمني، أو مكان حصول حدث يعنيني، في أي مدينة قد أزورها، وفي برلين بالذات. وفّرت نصوص فالتر بنيامين وإريك هوبزباوم عن طفولتيهما فرصة لطيفة لإعادة زيارة أماكن وشوارع تغيّرت بقسوة بفعل الحرب العالمية الثانية؛ ووفرت مقاطع عديدة من كتاب سيرة حنّة آرنت للوري آدلير فرصة تتبّع الطور البرليني من حياة المفكّرة العظيمة. بدوره، وصف الراحل مؤخراً صنع الله إبراهيم أماكن وشوارع عديدة في رواية برلين 69، ومن اللطيف معاينة التحولات بين ما وصفه عن تلك البرلين الكالحة المقسومة في عين الحرب الباردة والعاصمة الألمانية اليوم.

شمال غرب برلين هناك شارع سكني اسمه «سوريا»، ضمن نسيجٍ من الشوارع بأسماء دول، ووُضع اسمه هذا – حسب بيانات بلدية برلين – في السادس من تموز (يوليو) عام 1927. ولعتاة هواة النوع: عاشت أولريكه ماينهوف في كُفشتاينر شتراسه 12، في منطقة شونبرغ-فيلهلمزدورف.

لكني لا أعلم أين عاش أبو محمد في برلين.

درس أحمد فائز الفواز الطب في برلين (الشرقية، حينها)، في جامعة هومبولت، ثم اختصّ بالأمراض الباطنية في مشفى شاريتيه. انطبع في ذاكرتي كيف روى لنا يوماً أنه قضى ساعاتٍ طويلة هائماً على وجهه، في شوارع برلين، مذهولاً وشبه فاقدٍ للوعي حين جاءته أخبار هزيمة 1967. بعد أن انتقلت للعيش في هذه المدينة تساءلت طويلاً عن أين عاش أبو محمد هنا، وأين تجول في ذلك اليوم الحزيراني. لم أشعر أن لديّ طريقٌ إلى هذه المعلومة.

التقيت الدكتور فوزي للمرة الأخيرة، وبشكل سريع، في دمشق عام 2007. لم نتواصل بشكلٍ مباشر بعدها إلا مرتين، الأولى حين أرسل لي على الإيميل رسالة استقالته من هيئة التنسيق عام 2012، والثانية حين عزّاني والسيدة أم محمد هاتفياً بوالدي في تشرين الثاني 2020. ما بينهما كنا نوصل لبعضنا التحيات بين الحين والآخر بشكل غير مباشر عبر مكالماته مع الوالد.

ابتعد الدكتور فوزي عن الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي ابتداءً من 2001، وكان نقدياً للغاية مع خطه، كما لم يكن على ودٍ مع حزب الشعب الديمقراطي بعدها. وفي بداية الثورة انضم إلى هيئة التنسيق، وكان أحد أعضاء وفدها الذين تعرّضوا للاعتداء القميء بالبيض في القاهرة خلال زيارتهم لمقر جامعة الدول العربية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، واستقال من الهيئة بعدها بثلاثة أشهر، وعدا مقالات قليلة نشرها خلال السنوات الماضية، ابتعد عن الممارسة السياسية.

كان فوزي الفواز «بطل» يفاعتي، لكنني كنت ابن صديقه فحسب. لم يكن من اللائق أن أفترض تواصلاً أكبر من تبادل التحيات عبر الوالد، أحدس أن مواقفي ومقالاتي خلال الثورة لم تكن لتروق له. خلال السنوات الأخيرة خطر لي في كثيرٍ من الأحيان أن أهاتفه فجأة وأسأله، بعد السلام مباشرة: «عمو وين كنت عايش ببرلين؟»، مع يقيني بأن الرجل الرصين الصارم كان سيستهجن خفّةً كهذه من ابن صديقه، ذي القراءات بلا منهج ولا «مؤخرة حديدية».

رحل فوزي الفواز، وانضم إلى كوكبة كِباري الذين مضوا. لا أدري ماذا حصل بنُسخ «الموقف الديمقراطي» و«الرأي» المخفية في ذلك البافل الرقاوي؛ كما لم ولن أعرف أين عاش أبو محمد في برلين. لكن كتاب الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة، طبعة دار الحصاد 1997، بالمقدمة البيوغرافية السياسية لياسين الحافظ، سيبقى يتسكع معي في هذا العالم برفقة ذكرى من أهداني إياه..

* * * * *