ما بعد سقوط نظام الأسد، جنح الشعبُ السوري بعميائيةٍ صادمة يدمر في طريقه كلّ شيء صارخاً “الله أكبر”، وهذا الحدث الشاذّ، ظاهرياً، وثيق الصلة بدوافع تفسر مساراته المنطقية على أرض الواقع، خصوصاً أنّ الصراع الطائفي الإشكاليّ في مضامينه الاجتماعية كان مضمراً قبل عام 2011، وبات فجاً وعلنيّاً ينتمي إلى ما بعد هذا التاريخ الفارق.
في السياق، ولكثرة المطارق المتهاوية على رؤوس السوريين لم يعيروا بالاً كثيراً للأخذ بالدروس المريرة خلال العهد البائد، بل نكشوا الرواسب التاريخية للانقسام من أجل إنتاج جاهليةٍ بذوات ضيقة، تُديرها ماكينة إعلامية تتلاعب بمنسوب القلق اللاواعي الذي يغلي تحت المظاهر السطحية، وتتبنّى نظرية “إدارة الذعر” لعالم الأنثروبولوجيا الثقافية إرنست بيكر الذي يؤكد أنّ الأحداث التي تستحضر أفكار الموت تزيد من انحياز الأفراد إلى الذين يشاركونهم الهوية نفسها، عرقياً وطائفياً وسياسياً، ويعارضون بشدّة من يخالفهم فيها.
بناء عليه، ونتيجة الوَقْع النفسي العظيم لخروج السوريين المذعورين من “مزرعة الأسد”، الذي أطلق الغول الطائفي من الحقب المظلمة لمظلومياتٍ عابرة للذاكرة نفسها، توسّعت دائرة الاستنجاد بالعصبية القبلية التي ضاعفت حساسية كلّ مكون إزاء مَن هم خارج مرجعياته المقدّسة، بوصفه إحدى تجليات تعطّل العقل المواطني وتصدّع النخب أخلاقياً، فالحرب في سورية لم تكن عسكرية فقط، بل حرباً نفسية تعمل على غسل الدماغ واستثارة الأعصاب وتعميق الشروخ المجتمعية، وهي حربٌ منخفضة الحدّة، قوامها تحييد الحقيقة وتكميم الأفواه وحجز المعلومات، لها أساليبها وتكتيكها. وبالطبع، لها مناطقها الحيوية لعمليات الاختراق.
الحرب في سورية لم تكن عسكرية فقط، بل حرباً نفسية تعمل على غسل الدماغ واستثارة الأعصاب وتعميق الشروخ المجتمعية
المؤكد، أننا اليوم أمام وضعٍ سوري شديد التّعقيد تداخلت فيه الممارسات الطائفية بالمفاهيم الجامعة، وحمّلتها شتّى أشكال التعصب، الرمزي والمادي، لتعمّ مشاعر الاغتراب واليأس، مستغلة “الثقوب السورية السوداء” التي استحثّها الظرف الموضوعيّ ودلالاته المتبدّلة، ومنها: حماية “الأقليات”، اختلال الميزان الطائفي، حروب الذاكرة والهوية والانتماء، الانقسامات بين الإسلاميين وبين المعتدلين والعلمانيين، بين الجيل “الثوري” ونظيره “الأموي”..، محوّلة هذه الثقوب موضوعاً جدلياً، لتسويق الأباطيل وشرعنة محاربة كلّ مختلف بغية تحصين إمارة الطائفة على حساب قدسية الوطن. ومن ثم، توسعت رقعتها تلقائياً لتتسلل منها سموم القوى الخارجية، مشرعنة تدخّلها المباشر في تقرير مصير السوريين وتفتيتهم داخل بازارات عروض الفتنة المُقنَّعة: حسابات تضخ مقاطع فيديو مفبركة تسخّن الأحداث الحيوية، تغريدات تحمل مشاعر كراهية مكثفة، منصات طائفية بلبوسٍ إنساني، “هاشتاغات” التنمر والشماتة والقتل اللفظي… إلخ، لضمان استئساد نظام التفرقة بين السوريين والتعامل معهم كتلاً من القطعان الهمجية المتشرذمة.
في ضوء ما تقدّم، ثمّة حقيقة دامغة هنا، أنّ الماكينة الإعلامية المنظّمة أثبتت سطوتها الثقيلة على السوريين، كذلك سرعة إيقاعها في قنص الهدف، تحدّد المفاهيم المحلية فارضة التنميط العام للقضايا، وتحرّض الجماهير المحتقنة بالهزائم، المنتصرة “فيسبوكياً”، بنقرةٍ أو تعليق، مستغلة هشاشة التوازن الطائفي، مستفيدة من سماته وشخوصه بالاستناد إلى التجاذبات المحلية اليومية، فالانفعالات، كما يؤكد “غوستاف لوبون”، لا يمكن أن تترسّخ إلا من خلال “الدعاية” التي تعمّم المواقف الاعتباطية فلا يكون الشعب قادراً على النفاذ إلى كبد الحقيقة.
ولعلّ التصريحات السياسية أهم من يمارس لغة التشويش على الجو العام، ترتكز بمجملها على قوة “إدارة الذعر” وهيمنتها السالبة. على سبيل الذكر: تترنّح تصريحات مسؤولين بين الدعوة إلى احترام الاتفاقيات مع روسيا خلال عهد الأسد وعدم الالتزام بها. بين ضرورة “الفدرلة” وتأكيد المركزية. بين تجنيس المقاتلين الأجانب ولزومِ قتالهم. بين دراسة اتفاقيات أمنية مع إسرائيل وتأكيد الأخيرة أنها لن تتخلّى عن الجنوب السوري. بين قُرب اندماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش الجديد وتعثّر الاتفاق الذي يُنذر بصدامٍ دموي. بين بناء دولة على الطراز السنغافوري وتحويلها إلى تجمّع كهوف بدائية، أسوة بـ”تورا بورا” الأفغانية… إلخ.
كما لا يمكن في هذا المقام إغفال واقع أنّ سورية التي تتزاحم فيها الوصايات وتتناغم التحالفات، ليست كياناً سيادياً بالمعنى الحرفي للكلمة، بل ميدان صراع تُختَبر فيه جدوى التصورات الكبرى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد، ما يفسر تناقض الرؤى السياسية التي تنمّي الخلافات والانقسامات في الشارع السوري عبر رفع منسوب القلق من المستقبل، وكلّ جماعةٍ تتلمّس في الأخرى خشية عميقة من الاضمحلال والتلاشي، وهنا تُتاح الفرصة لتلك الماكينة الإعلامية بالتدخل لإدارة الكوارث المجتمعية في الخواصر الرخوة، بالتركيز على تضخيم الفوارق، وتحويلها دراما إعلامية عبر استعراضٍ ساحر، لاستدرار العواطف “القاتلة” تحت أوصاف طارئة تصبح الأكثر تداولاً على الألسن، لا ينقطع عنها الأكسجين السياسي عبر عديد الآليات والذّخائر الخشنة، وأيضاً الناعمة وأهمها ما يُعرف بـ”الذباب الإلكتروني”، وهي حسابات وهمية تسبّ وتكفّر المختلف، تتاجِر بالشعارات وتناقش الجزئيات على حساب الجوهر، مستندة إلى مقولة القائد الألماني النازي، جوزف غوبلز: “أعطني إعلاماً بلا ضمير، أُعطِك شعباً بلا وعي”.
فعلياً، تُغذَّى الثقوب السوداء بطوفانٍ هادر من التصريحات المتناقضة، والبيانات المشبوهة، خصوصاً الإشاعات المستفزة التي تفضح كلّ ما بَطن، منها: سبّ النبي محمد (ص)، انقلاب “الفلول” على السلطة الجديدة لتبرير مجازر الساحل، إشاعة تسليم بشار الأسد وعودة أخيه ماهر… إلخ، ما يؤكد أنّ سورية مسرح كوميديا سوداء، أحد أبرز أبطالها العدمية السياسية، تغذّيها معادلة وطنية صفرية تحوّل شاشات الترفيه إلى ميادين اقتتال، والأحقاد إلى رصاصات صائبة، والمظلوميات إلى سكاكين، والأخبار المفبركة إلى ضباع نهمة ومتوحشة.
والدليل أن الروايات، إبّان الأحداث الدامية في الساحل والجنوب السوري، كانت تتغيّر بالكامل بحسب هوية من ينقل الخبر، وكلها تصبّ البنزين على نار الغضب وشهوة الانتقام. وفي ظلّ هذا الواقع المعقّد، تعرّى مشهدٌ أكثر خطراً تتسيده جهات دولية وإقليمية، توظف جحافل جيوشٍ إلكترونية بما يخدم مصالحها، وتُرسّخ سردياتٍ مضادّةً تحرّك مشاعر الضحايا بطريقةٍ تخدم مشاريع الاستقطاب، لاختزال الكوارث السورية في صراعٍ طائفي بحت، يفكك أيّ مشروع وطني جامع قبل تشكّله، ويُبقي الشعب “المذعور” مجرّد شاهد عيان على حروبٍ ليست إلّا فخاً هائلاً لفكرة المواطنة في مقاصدها النهائية، تُعيد إنتاج الهزائم والخيبات بشكل أبشع بكثير مما مضى، فالتدقيق في المآلات الراهنة يعطي الفشل السوري الفاقع أبعاده الدقيقة، ويمنح “سورية الثورة”، كما “سورية الأسد” سابقاً، ترفَ الغرق في عسل الأوهام.
صفوة القول، يتم تخصيب الثقوب السوداء، المذكورة آنفاً، بالألغام الطائفية، عبر تسخين أيّ حدثٍ عرضيٍّ ليغرق في كمٍّ هائل من المعلومات المشبوهة، فينفجر ضمن مخطط استراتيجي مبرمج، بغية السيطرة على الوعي، على المظلومية، وحتّى على اللغة. لنعترف، أخيراً، أنه وبعد قرون مديدة من التبعية السياسية اتضح أنّ السوريين أمةٌ غير متجانسة، إلى درجة يمكن المجازفة والقول إنه كان يُنظر إلى أبناء المنطقة الشرقية، مثلاً، على أنهم عشائر وبقايا بدو متخلّفين، وإلى ابن الساحل على أنه شبيحٌ، وإلى ابن دمشق أنه براغماتي لا يخرُج على حكم الوالي…، واليوم يُنظر إلى الأول بصفته انفصالياً، وإلى الثاني فلولاً، وإلى الثالث أموياً…، وهكذا دواليك، يُعاد تدوير المفاهيم والأوصاف ليصبح الانقسام الوطني أداةً سيادية، مُتّفقاً عليها في مفارقةٍ عجيبة، ويبدو أنّ الثقب الأسود المدعو “الهوية المفترسة” اتسع بما يكفي لابتلاع وطن.