هل كان طبق السلمون المدخّن آخر ما تناوله اللواء علي مملوك؟ وهل شرب نبيذاً فرنسياً من ماركة بيتروس أو شاتو بصحبة بشّار الأسد؟ قبل أن تتضارب الأنباء وتختلف بشأن مصيره، وكأن المخيلة هنا لا تتلكأ في الإنفاق على شراء مثل هذا السيناريو، أو الاقتباس عنه، وكأنها تستعيد بهذا السرد الانتقائي أيضاً، مشهداً من مسلسل “ابتسم أيها الجنرال”، وفيه استرسل “فرات” بتصفية زوج أخته، بعشاءٍ، ونبيذ مسموم، حيث لا يتفادى غياب مدير مكتب الأمن الوطني (القومي سابقاً) عبور احتمالاتٍ عديدةٍ إلى جواره، ينقشعُ بعضها، ويبقى بعضها الآخر معتماً، لكن تلك الاحتمالات ضرورية لكي تُفسح لها الافتراضاتُ المتضاربة دربَ العبور إلى حتمية حدوث إبطالِ مفاعيل الرجل الأقوى والأذكى في منظومة بشّار الأسد الأمنية.

ربما كان فعل التصفية قد وقع فعلاً، وجرت مداراته، فالاحتمالات هنا تتصارع بعناية وعنادٍ ملحوظيْن، فاحتمال تصفية مملوك قائمٌ، وكذلك احتمال بقائه حيّاً قائمٌ هو الآخر، وإن بنسبٍ متفاوتة، من دون أن تُفسح التصريحات الرسمية طريقاً للاهتداء إلى مصير الرجل، فطبيعة تكوين النظام السوري وعمله تُملي عليه هذا النوع من التعاطي مع هذا النوع من القضايا الحساسة، أو التي يظنّها كذلك، مثلما تكتَّم في السابق على موت حافظ الأسد عام 2000 إلى حين تمكّنَ من ترتيب انتقال آمن للسلطة إلى الوريث بشّار، الذي بدا حينها أقرب إلى “البيعة” بصفتها طقساً سياسياً يجري من خلاله تداول السلطة ضمن جزءٍ محدّدٍ من هرمها. وذاك التكتّم على موت الأسد الأب استغرق وقتاً، وخلاله تسرّبت أنباء الوفاة، وتعامل معها النظام السوري كجهازٍ وظيفيّ متناغمٍ ومحدّد المهام على أنها شائعاتٌ سامةٌ دسّتها الإمبريالية والصهيونية والرجعية للنيْل من صمود “الأب القائد”. كانت فكرة تصديق الموت قاتلةً لبديهيّة “القائد الخالد” التي كانت تحرس العائلة الحاكمة لسورية، في محاكاةٍ أمينةٍ للنموذج “الستاليني” وطريقته بإنكار فكرة موت “القائد الرمز” والميل الأيديولوجي لنفيها، أو حتى الخوف من تقبّلها وتفشّيها داخل المجتمع. لكن هذه الاعتيادية على نفي صحة وقوع الأحداث في سياقها الزمني الفعلي مسألة براغماتيّة برمّتها، تستند كثيراً إلى إدراك النظام العميق حقيقة كونه حالةً من السلطة غير الشرعيّة، تستولي منذ أكثر من نصف قرن على الفضاء العام للسوريين، وإنه بذلك يحقّ للنظام القائم الإفراج عن وقوع الأحداث من الناحية السرديّة متى يشاء، ومن دون مثل هذا التصريح بمرور الحدث فعلاً مُنجزاً، وواقعة تامة الأركان، يظلّ التثبّت من صحة ما يحدُث في سورية شأناً مختلفاً عليه، ومُصادَراً إلى تبعات الاحتمالات بمسالكها الرياضيّة، فيحدّد النظام السياسي في سورية هنا وقوع الحدث، أو عدم وقوعه كفعلٍ وصائيّ يمارسه على المجتمع أيضاً.

غياب علي مملوك عن تصدّر الواجهة الأمنية لنظام بشار الأسد لم يُفسد الاستهدافات الإسرائيلية قيادات إيرانية لا تملُّ من الظهور داخل الجغرافيا السورية

كذلك إن غياب علي مملوك عن تصدّر الواجهة الأمنية لنظام بشار الأسد لم يُفسد الاستهدافات الإسرائيلية قيادات إيرانية لا تملُّ من الظهور داخل الجغرافيا السورية. فإحدى فرضيات تصفية مدير مكتب الأمن الوطني لدى النظام السوري، أو إقصائه، كانت تميلُ إلى التشكيك في دوره اللصيق بتسريب إحداثياتِ وجود قيادات من الحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي السورية، وإرسالها، مباشرةً أو عبر وسطاء، كهدايا ثمينة إلى الجانب الإسرائيلي، لكن حين قصفت إسرائيل في يوم 20 يناير/ كانون الثاني مبنىً سكنياً في منطقة المزّة فيلات بدمشق، وذهب جرّاءه خمسة قادة من الحرس الثوري الإيراني، كان علي مملوك يرقُد في أحد مستشفيات العاصمة بحسب خبر تناقلته بعض وسائل الإعلام الروسيّة، ثم استهدفت إسرائيل يوم 29 يناير/ كانون الثاني مقرّاً إيرانياً في منطقة السيدة زينب بريف دمشق، وأدّى الاستهداف إلى مقتل سبعة مستشارين إيرانيين دفعة واحدة، وفي الاستهدافين الأخيرين كان اللواء كفاح الملحم المقرّب من إيران هو الذي يرأس مكتب الأمن الوطني، وهو المنصب الذي كان يشغله علي مملوك قبل اختفائه، الأمر الذي يرجّح فرضيةً أخرى أبصرت حيّزاً من الضوء، أن بشّار الأسد صار قلقاً من اتساع نفوذ علي مملوك، وإمساكه بملفات وخيوط كثيرة، بعضها أمني، وبعضها سياسي، وأن من الممكن أن يكون بديلاً لبشّار الأسد في المرحلة المقبلة. ما يعني أنّ مزيداً من التوجس والشكوك قد أمطرت فوق رأس زعيم النظام، وجعلت مخاوفه تلهث وراءه مجدّداً، وتقوده إلى إجراء مراجعة عامة لمنظومته الأمنية، بحيث تكون حركة التغيرات أخيراً في المناصب الأمنية الرفيعة ذات صلة بهذا الشأن، وإن أضفنا إليها بعض التوابل، مثل دمج بعض الأجهزة الأمنية وإلغائها، وإصلاحات عقائدية وتنظيمية داخل حزب البعث، ستكون وصفة الإصلاحات المزيّفة جاهزة لكي يتناولها المهتمون بالشأن السوري، وقد يكون تعيين الإمارات سفيراً لها بدمشق أواخر الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، وهذا يحدث للمرّة الأولى منذ الثورة السورية ضد بشّار الأسد عام 2011، بدايةَ استحسانٍ عربيّ للوجبات الإصلاحية التي يعكف مطبخ النظام السوري في الآونة الأخيرة على طهوها.

قد يكون تعيين الإمارات سفيراً لها بدمشق أواخر يناير بدايةَ استحسانٍ عربيّ للوجبات الإصلاحية التي يعكف مطبخ النظام السوري في الآونة الأخيرة على طهوها

يعلم الجميع أن الارتزاق هو التجلّي المرئي الراهن للنظام السوري، الذي يظهرُ كطفحٍ جلدي لا لبسَ فيه، والنظام السوري هو الخادم بنمطه التكيّفيّ الوظيفيّ لمصالح عصابة آل الأسد التي تحكم البلاد منذ نصف قرنٍ، وهي التي لا تكترث أصلاً، ولا تديرُ بالاً لاستفحال أمراض استباحة مفهومي السيادة الوطنية والقرار السياسي، حين يتردّدان بلا انقطاع على كامل الجغرافيا الوطنية. فإسرائيل تمزّق بطائراتها وصواريخها الذكية سماء دمشق وريفها، تبحث بمنطق الجزار عن لحمِ ضباط الحرس الثوري الإيراني، والأردن الذي يقصد بطائراته تلك الأهداف المحصّنة لتجار المخدّرات ومصنّعيها في جنوب البلاد يريد إنهاء تلك الورطة الحدودية التي تهدّد أمنه القومي، والتي تنبع من اندثار سيادةِ دولة تحدّها. كذلك يقصف الطيران التركي، على هبّات متباعدة يقودها الضوء الأخضر الأميركي كل ما يتصلُ بحزب العمّال الكردستاني داخل الشمال السوري، يستبيحُ ولا يناقشه حاكم دمشق أو يعترض، ثم تردُّ الولايات المتحدة أخيراً بليلةٍ ساخنة عاشتها منطقة دير الزور والبوكمال في شمال شرق سورية على إثر مقتل جنودٍ لها، فتستهدف مقارّ فصائل تابعة للحرس الثوري الإيراني، بعد تحذيراتٍ جعلت من تلك الضربة أشبه بعرضٍ مسرحي ساذج ومثيرٍ للسخرية في آن واحد، لكنه يستبيح وسواه أيضاً “السيادة الوطنية” للجغرافيا التي يغتصبها آل الأسد. فأي استثمارٍ عربيّ أو إقليمي سواء بمعناه السياسي أو الاقتصادي هذا الذي يُراد له أن يُطلَّ برأسه من سورية، وهي التي عدا عن كونها منزوعةَ السيادة، وتحكمها عصابةٌ مريضة، نجدها أيضاً وقد حققت العام الماضي ترتيباً لائقاً بها على مؤشّر الفساد العالمي، إذ تربّعت سعيدةً في قاعه، لتكون مع الصومال أكثر الدول فساداً على وجه الأرض بحسب تقرير منظمة الشفافية الدولية، وماذا يمكن لعصابة حاكمة فاقدة للأخلاق أن تقدّم لشعبٍ تُهينهُ وتحتجزه كرهائن، ولدولٍ تحيط بها وتهينها غير تصدير كلّ هذا السمّ والنفاق؟!