انصبّت السهام في الداخل التركي على «العجز» الذي تُظهره السلطات لجهة اتّخاذ أيّ خطوات مؤثّرة وفاعلة للحدّ من الهمجية الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة. وبعد العشرين يوماً الأولى من الوقوف على «الحياد»، «ارتقى» الخطاب التركي إلى التنديد بالممارسات الإسرائيلية، وتنظيم احتفال جماهيري، في الـ28 من تشرين الأول الماضي، دعماً لغزة، لتتلوه القمّة العربية – الإسلامية التي انعقدت في الرياض، السبت الماضي، بمشاركة أنقرة، والتي بدا أنها أدّت قسطها للعلى، انسجاماً مع مقرّرات القمّة، أي إحالة القضيّة إلى مجلس الأمن والمجتمع الدوليَّين، ومواصلة الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ممارسة ما وصفته صحيفة «يني شفق»، بـ«ديبلوماسية الإقناع» لفرض وقفٍ لإطلاق النار في غزة.
وإذا كان من الممكن تبرير الموقف التركي الكلامي بالقول إن أحداً لا يمكن أن يكون ملكيّاً أكثر من العرب، فإن رفع الصوت في أنقرة دفاعاً عن فلسطين لم تكن غاياته الحقيقية غائبة أو خافية على أحد. فالعديد من الكتّاب الأتراك كانوا قد أَظهروا للحكومة الخطوات التي يمكن أن تتّخذها عمليّاً للتعبير عن موقف جدّي ضدّ إسرائيل، وليس مجرّد إدانات نظرية. وحتى الآن، لم يتوقّف كثير منهم عن التنديد بموقف الحكومة المتفّرج على ما يجري. ومثلاً، يقول إبراهيم قهوجي، في صحيفة «قرار»، إن أيّ قرار عقابي ضد إسرائيل لم يخرج من القمّة العربية – الإسلامية، فيما الخطوات التي قالت أنقرة إنها ستّتخذها رداً على الاحتلال كانت «منْع تقديم مشروب الكوكاكولا والنسكافيه والهمبرغر في مطعم البرلمان التركي»، وهو ما أدّى إلى ردود فعل ساخطة وساخرة ممّا إذا كان هذا هو «الإجراء الحادّ» الذي تنوي السلطات التركية اتّخاذه. وبحسب قهوجي، فإن مقاطعة هذه المنتجات أمر مضحك، لأنه لا علاقة للشركات التركية التي تنتج هذه الصناعات بإسرائيل، فيما مقاطعة المنتجات الأساسية الأخرى هي التي تؤثّر على الكيان، ومن بين تلك المنتجات الإستراتيجية، يورد الكاتب: بيع الحديد والفولاذ (مليار ونصف المليار دولار من الصادارت التركية إلى إسرائيل)، فضلاً عن منتجات البلاستيك والإلكترونيات والمحرّكات والإسمنت والمجوهرات وغيرها، أي ما تقارب قيمته ستة مليارات دولار في الميزان التجاري البالغ عشرة مليارات دولار. كذلك، يذكر قهوجي أن التعاون التركي مع إسرائيل في مجال الطاقة عبر تصدير النفط (ولا سيما الآذربيجاني) من خطوط الأنابيب من جيحان إلى إسرائيل، يبلغ مستويات عالية.
وينتقل الكاتب إلى بُعد آخر من الموقف التركي الرسمي والشعبي، بالإشارة إلى أن «التظاهرات الغاضبة شملت معظم العواصم الأوروبية من لندن إلى باريس إلى بروكسل وملبورن، وحتى في بعض الداخل الإسرائيلي. وتتكرّر هذه التظاهرات في نهاية كل أسبوع وهي إلى اتّساع. أمّا في تركيا، فلم يخرج الناس إلّا بناء على دعوتَين فقط: واحدة من السلطة وأخرى من المعارضة»، متسائلاً: «لماذا لا نشهد تظاهرات مؤيّدة للقضية الفلسطينية بصورة متواصلة أسبوعيّاً، كما يحدث في العواصم الغربية؟ وهل ينتظر الناس دعوة إلى تنظيم هذه التظاهرات؟ نعم، لقد نَظّمت السلطة مهرجاناً واحداً وانتهى الأمر. ثمّ قاطعوا في البرلمان النسكافيه والكولا والهمبرغر ظنّاً منهم أنهم بذلك سيركّعون إسرائيل، بينما في الأسبوع الماضي بالذات افتتح إردوغان نفسه مصنعاً لإنتاج الكولا، ولهذه الشركة التركية أربعة فروع في غزة. بل إنّ عدداً من هذه الشركات التركية يعمل في بورصة إسطنبول».
ومن جهته، يكتب عاكف باقي، أن «السلطة تأخّرت في مواجهة زلزال السادس من شباط الماضي، ولكن إردوغان حمّل المعارضة المسؤولية، وطالب بمحاسبتها في الانتخابات التي فاز فيها. وفي الانتخابات البلدية عام 2019، خيّر إردوغان الناخبين بين انتخابات مرشّح حزب العدالة والتنمية بن علي يلديريم، وبين انتخاب عبد الفتاح السيسي». ويقول باقي: «لا تتعجّبوا إذا كان شعار الحملة الانتخابية البلدية في آذار المقبل: بين أكرم إمام أوغلو وبنيامين نتنياهو»، معتبراً أنه «لا هدف لضجيج إردوغان سوى أن ينعكس في صناديق الاقتراع. وإلّا لماذا لا يبادر إلى أيّ إجراء ضدّ إسرائيل؟». ووفقاً للكاتب، فإن «إيران وروسيا وراء حماس، أمّا نحن، فنلهث وراء عدم المسّ بالعلاقات مع الولايات المتحدة (…) إنّنا لم نقطع روابطنا وتجارتنا وعلاقاتنا الديبلوماسية مع إسرائيل بذريعة مصالحنا الوطنية، بينما دعونا إلى مهرجان موجّه ضدّ الولايات المتحدة لحصد الشعبية». ويضيف باقي أنه «أثناء الزلزال لم يكن العمل لإنقاذ الأرواح، بل لإنقاذ الأصوات في صندوق الاقتراع. الآن، الأمر نفسه يتكرّر».
بدوره، يتهكّم الكاتب المعروف، مراد يتكين، من اعتبار تركيا نفسها منتصرة في قمّة الرياض التي أَدرجت معظم مقترحات أنقرة في البيان الختامي، قائلاً: «لنتذكّر أن إشارة القمة إلى إحالة إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية مضحكة، لأنه لا تركيا ولا إسرائيل تعترفان بالمحكمة». وفي صحيفة «غازيتيه دوار»، يكتب فهيم طاشتكين أن «57 دولة بدت وكأنها تقول لإسرائيل: مبارك عليك غزة»، مضيفاً أن «57 دولة لم تجعل إسرائيل ترتجف، ولا كانت قادرة على وقف الحرب. ولم تعرض أيّ إجراء عقابي ضدّ إسرائيل، لا على الصعيد العسكري ولا النفطي ولا الديبلوماسي. حتى اقتراح إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات الإسرائيلية، تمّ رفضه في القمّة». وبحسب طاشتكين، فإن «تركيا الباحثة عن دور لها في حرب غزة وجدت نفسها واحدة من دول مؤتمر الرياض ومع الدول التي كانت قد فتحت معارك ضدّها. ومن ذلك، الصورة الحميمية لإردوغان جالساً مع السيسي». ويعتبر أن «أصوات مئات الآلاف في لندن، أقوى من أصوات 57 دولة، وتلك التي تصدر من إيرلندا أكثر من تلك التي تصدر من تركيا»، متسائلاً أخيراً: «ما هي خطّة عمل إردوغان لإنهاء الاحتلال؟ لا شيء. لقد خرجوا كلّهم سعداء من القمّة. ولكن أين الأفعال؟ كلام بكلام وهراء بهراء».