حواراتإيمان زيّاد: للشعر لغة مقاتلة تراوح بين الكثافة والخفّة

زيّاد: “الحبّ هو الذي يوظّفنا في عوالمه”

نحاول في هذا الحوار مع الشاعرة الفلسطينيّة إيمان زيّاد أن نستكشف علاقتها بالشعر وقصيدة النثر، وتجربتها مع التجديد بدءًا من إصدارها الأوّل “شامة بيضاء” (دار دجلة للنشر والتوزيع، عمّان 2015)، مرورًا بإصدارها الثاني “ماذا لو أطعمتك قلبي” (دار الريم، القاهرة 2017)، ومحطّتها الأخيرة “كأنّي هُنا” (الصادر هذا العام عن دار دجلة للنشر والتوزيع في عمّان).


(*) كيف ترسم إيمان زيّاد صورتها من منظارها الخاصّ، وكيف تقدّم نفسها؟
هل لي أن أقدّم الشاعرة التي تكتب؟ لا أعرف عنها كثيرًا، فأنا أكتشفها بشكلٍ متقطّع مع كلّ نصّ توحي به، أراها الفراشة التي وقفت على كتفي في أوّل مرّة ذهبت لزيارة أخي في المعتقل، أراها الحمرة التي اعتلت وجنتي عند أوّل كلمة حب سمعتها، أرى أنها كومة الحصى في قاع الوادي، والنسيم الذي لامس جبهتي عندما لمست شاطئ يافا، أراها في ذروة فرحي ترقص تحت القمر، وفي ذروة حزني تبكي بجانبي، لكنّها مجموعة نساء أخريات جعلن منّي جسرًا لقول ما. أمّا إيمان زيّاد فهي فلسطينيّة، حصلت على درجة البكالوريوس في الأدب الإنكليزي، ثمّ الماجستير في النوع الاجتماعيّ والتنمية من جامعة الشهداء (بير زيت)، من قرية يالو المهجّرة في العام 1967 بقضاء القدس، وأعمل في مؤسّسة الدراسات في رام الله، وأعشق الكلمة التي تلمس القلب فتسكنه.

(*) متى وأين وكيف بدأتِ؟
أعتقد أنّ اختبار لحظة من موت كان نقطة الانطلاقة الأولى لي في الكتابة، سبقها التأسيس لعلاقتي باللغة العربية، عند عودتي وأسرتي من الأردن إلى فلسطين للاستقرار، والتي لم يمض صيف من دون أن نزورها؛ واجهنا تغيّرًا كلّيًّا عن فلسطين التي اعتدنا زيارتها، إذ تزامنت عودتنا نهاية صيف 1987 بالمواجهات اليوميّة مع الاحتلال حتى اندلاع انتفاضة الحجارة من العام نفسه، لأصطدم بشكلٍ مباشر كطفلة بعنف جيش الاحتلال لأوّل مرّة في حياتي القصيرة، ولا يمكن أن أنسى كيف أرغموا “خلود” التي قادت مظاهرة ضدّ الاحتلال حينها على التخلّي عن العلم الفلسطينيّ، وكيف فضّوا المتظاهرين/ ات بقنابل الغاز. الفكرة لم تكن مجرّد خوف طفلة من جنود يصوّبون رشاشاتهم فقط، كانت اختبارًا للعناد الذي على الفلسطينيّ ألّا يتخلّى عنه في اللحظات الفارقة، فكتبتُ أولى القصائد وأخفيتها لفترة ليست بقصيرة.

(*) هل من محطّة أساسيّة، أو تحوّل رئيسيّ، في حياتك كان لها الأثر الكبير في مسارك الأدبيّ الإبداعيّ؟ وما هي العوامل التي وجّهت بوصلتك روحيًّا نحو الشعر؟
في عالم الكتابة لا بدّ من نقطة تحوّل تمرّ بها الكاتبة، أو الكاتب، بالنسبة لي أصبح الشعر في لحظة ما بمثابة فراغ عظيم يملأ رأسي، لا تسألني كيف يملأ الفراغ الرأس، لكنّك حين تشعر بأنّ الشعر، الطائر، اللّعنة، مقصوص ريش جناحيه، وأنّه قاصر عن توثيق ما حلّ بنا إبّان اجتياح الضفة عام 2002، وأنت تشاهد رفاق طفولتك، ذكرياتك، ومشهديّة لحياة كاملة تُغيّرها جنازير الدبابات الإسرائيليّة، يصبح الشعر لعنة تقف في رأسك لا هي تسيل على الورق فتؤرّخ حدثًا ولا هي صامتة تمامًا.

كنت قد توقّفت بعناد عن الكتابة بشكلٍ مُطلق قبل ذلك التاريخ لحاجتي للبحث عن هويتي الخاصّة في الشعر، وكأنّ كلّ ما كنت في حاجته لأكتشف مساري أن أريح الشعر في رأسي من حالة الاستعداد لفترة جيدة، ثمّ وجدت أنّني مرّنت نفسي على استيعاب الألم والمشاعر كلّها كما ينبغي لشاعرة، كي يقول النصّ الشعريّ ما يمكن أن يكون أبعد من مجرّد أرشفة الأحداث. والسؤال هل فعلًا نحن من نختار الشعر، أم أنّ الشعر يختارنا؟ هنالك كُثر جرّبوا ألوانًا أدبيّةً أخرى، أو خاضوا غمار تجارب مختلفة كليًّا في الحياة، ثمّ أعادهم الشعر إلى حضنه. أؤمن أنّ الشعر أصل الكلام والقول، وأؤمن أنّ للشعر لغة مقاتلة تراوح بين الكثافة والخفّة، يتلبّسنا ولا فكاك منه في المُطلق. لذا لم يكن طوع أمري الشعر، بل أنا من كنت طوع أمره، ورغم ذلك فالكتابة تحتاج أعلى مراحل العمق والصحو الداخلي معًا.

(*) من هي الأسماء الشعريّة العربيّة والعالميّة التي شكّلت ذائقتكِ الأدبيّة وحرفيّتك في الكتابة؟
لا أرى نفسي قارئة متربصة بكاتب/ة محدّد من دون آخر، ولا أرى نفسي موالية لمدرسة محدّدة، إنّما يعجبني النصّ الذي يلامس الإحساس وكأنّه يحكي عني، ولكنّ هذا لا يمنع من مروري الدائم بأعمال شعراء عديدين، كأنسي الحاج، عباس بيضون، محمد الماغوط، أدونيس، جبرا إبراهيم جبرا، وغيرهم ممن لديهم بصماتهم في عالم قصيدة النثر.

(*) نصوص مجموعتك الشعريّة الأخيرة “كأني هنا” هي “نصوص مفتوحة على التأويل، يبدو الحب فيها عالمًا صوفيًّا رحبًا وعميقًا”، بحسب النقّاد. كيف توظفين نِعمة الحب لخدمة نصوصك؟
الحبّ هو الذي يوظّفنا في عوالمه. نسعى إليه من لحظة ولادتنا وتنشقنا الهواء، وحتى شيخوختنا. نبحث عمن نحبّ لندفن بجانبه. الحب هو الفضاء الذي يجب أن تسعى أرواحنا في مداره، ليصبح النصّ أرحب وأحنّ، فما من كائن على وجه الأرض لا يترك للحب في قلبه مطرحًا. في المجموعة يترنح الحب بكلّ حالاته من لحظة الشوق حتى لحظة اليتم دون الحب.

(*) هل تؤمنين بما يسمّى “الإلهام الإبداعيّ”، أم أنكِ من الذين يعتقدون أنّ الكتابة ممارسة شاقة وتحتاج لنظام يوميّ صارم؟
أؤمن بالإلهام الإبداعيّ حدّ أنّني أستغرب أحيانًا من ماهيّة النصّ الشعريّ الذي أدلقه على الورق في وقت قصير، قد أعيد ترتيبه قليلًا، لكنّني لا أرى فيه عملًا شاقًا، أو صارمًا، فأنا أفعله بكلّ فرح وحب. والنصّ وإن كان حزينًا يجعلني أتحرّر من قيد ما.

(*) صدرت لكِ حتى الآن ثلاث مجموعات. ما الذي يدفعك لكتابة قصيدة النثر؟ وهل توافقين على تسميتها بـ”القصيدة الحديثة”؟
لا تهمني كثيرًا التسميات ومحدّدات الشكل الأدبيّ، لكنّ غاية الأدب أن يخلق هذه الحالة من التفكير والتحليل وملامسة الروح في مواطن كثيرة، خلق حالة من الرقص المستمرّ فرحًا أو حزنًا، لا يهم. ما يدفعني لكتابة قصيدة النثر أنّنا نتشابه في اللاحدود في الانزياح والتشبيه والرغبة في قول الأشياء كما هي.


(*) يرى الناقد المصري عبد الله السمطي في مقدّمة كتابه “حواس الأنوثة ـ 30 شاعرة في فضاء قصيدة النثر”، الذي خصّك فيه بمقالة نقديّة، أنّ مقالات الكتاب تقدّم بالقراءة محاولات للتأسيس الجمالي لقصيدة النثر النسويّة. سؤالي: أَيـُمْكِنُنا فعلًا، الحديث عن “قصيدة نثر نسويّة” في اللحظة الشعريّة العربيّة الراهنة؟ وهل صحيح أنّ المعركة حسمت جماليًّا لصالح قصيدة النثر؟
هنالك لغط حاصل في مفهوم قصيدة النثر النسويّة، فكلمة النسويّة تعني أنّ القصائد تحمل على عاتقها قضايا النسويّة، كالحرّيات، والحقوق الخاصّة بالنساء، ويمكن أن يكون كاتبها شاعرًا أيضًا، لذا دعونا نسميها “قصيدة النثر النسائيّة” طالما المقصود بأنّ كاتبتها هي امرأة، وهناك شعراء كثر كتبوا قصيدة النثر، وتفوقوا فيها، نساءً ورجالًا، فهي ليست حكرًا على النساء. أما كون قصيدة النثر حُسمت جماليًّا؛ فكما تصفها الناقدة الفرنسيّة سوزان برنار، كـ”قطعة من بلّور… خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلّف في البناء خارجًا عن كلّ تحديد، وشيء مضطّرب، إيحاءاته لا نهائيّة”، وبالتالي فإنّ اتّكاء قصيدة النثر على التكثيف والصور يجعلها عميقة في الروح، وستبقى كذلك حتى يخرج علينا ما هو أكثر عمقًا وقربًا للروح.

(*) هل يحتاج كلّ نصّ شعريّ إلى نقدٍ يخرجه من عتماته؟ وهل ترينَ أنّ للنقد حدودًا لا ينبغي تجاوزها؟
الأمر يتطلّب وجود واهتمام النقّاد بالنصّ الشعريّ في الأصل. مع الأسف، لا أشعر أنّ هذا ما يحدث باستمرار هذه الأيّام، فغالبًا هنالك خلط واضح بين دور الناقد ودور الصحافة النقديّة من جهة، وبين معايير النقد البنّاء والنقد من أجل التركيز على مواطن الضعف، وإن كنت أرى أن النصّ  يجب أن يضيء في البدء ليجذب قلم الناقد وفكره، ثمّ ليخرجه من عتماته بشكلٍ آخر. لا حدود للنقد في وجهة نظري، النصّ الشعريّ بعد خروجه للعلن يصبح ملكًا لتاويل القارئ والناقد، ويحتمل أشكال النقد كافّة طالما تقدّم للنصّ بعدًا آخر في القراءة والتأويل.

(*) هل لقيت تجربتك الشعريّة الاهتمام والتقدير الكافي من قِبل النقّاد الفلسطينيّين والعرب؟
هذا السؤال يحيرني في الطريقة المُثلى لإجابته، لكنّي أعلم جيّدًا أنّ معايير الاهتمام والتقدير من قِبل النقّاد الفلسطينيّين والعرب متفاوتة، وأرى أنّ نصّي محظوظ باهتمام عدد من النقّاد الذين تناولوا المجموعات الثلاث، وأثروا النصّ بما كتبوا عنها. لكنّ حالة نقد الشعر ليست في أفضل حالاتها، وهنالك تراجع في الاهتمام النقديّ بالشعر عمومًا، ويعود ذلك ربّما لهيمنة الرواية على اهتمام النقّاد استجابة لكثرة الجوائز السخية التي تمنح لكتّابها سنويًّا. هنالك سبب آخر يتحمّل المسؤوليّة عنه الشعراء/ات أنفسهم/ن بسبب الفوضى التي تعيشها القصيدة، واستسهال كتابة الشعر، ولكنّ النقّاد أيضًا يتحمّلون جزءًا من الحفاظ على مكانة الشعر في المشهد الثقافيّ العربيّ.

(*) ماذا قدمت أنتِ وجيلك من إضافة للشعر الفلسطينيّ، وما هي ملامح تجربتكم؟ هل ثمّة تجارب جديدة مميّزة تستحقُّ العناية؟
في اعتقادي أنّ المرحلة التي بدأتُ أنا وأبناء جيلي بالكتابة فيها اتّسمت بتنوّع الأحداث، والتغيّر المتسارع على الصعد الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة، وهذا ما جعل من الاستمرار في كتابة الشعر أمرًا يحتاج إلى إرادة حديديّة. ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، لم أعد أشعر بأنّ ثمّة فارقًا في طبيعة الحياة وتفاصيلها وقضاياها التي نحياها في الأرض المحتلّة، وبين حياة الشعراء والشاعرات في الشتات مثلًا، أو أيّ جزء من هذا العالم، غير أنّ ملامح تجربتنا صارت أكثر ذاتيّة وإنسانيّة، وصار ضروريًّا العمل على تقديم القضيّة الفلسطينيّة بشكلٍ غير تقليديّ، وطرح الأفكار بإنسانيّتها العميقة من جهة.

وبالتوازي مع الحرب الصهيونيّة على هويتنا الثقافيّة والأدبيّة، ومع عدم نسيان التطبيع الثقافيّ الذي طاول الكثيرين/ات، سواء بموافقتهم أو لا، كلّ هذا وغيره من الظروف جعلت من التجربة مختلفة عن الجيل السابق واللاحق من كلّ بد، ومن المؤكّد أنّ هنالك عددًا من التجارب المميّزة، مثال تجربة رزان بنورة، صابرين فرعون، علي أبو عجمية، عمر زيادة، وغيرهم..

(*) خلال العقدين الأخيرين، سادت الرواية في المشهد الأدبيّ الفلسطينيّ والعربيّ، إلى درجة الاعتقاد أنّها أزاحت الشعر من عرشه؟ ما رأيك؟
لكلّ شكل أدبيّ مذاقه وخصوصيّته ومتابعوه/ ومتابعاته، بالرغم من تداخلهما؛ يقول الناقد الفرنسي جان إيف تادييه في كتابه “القصّة الشعريّة”: “إنّ كلّ رواية هي بقدر ما قصيدة، وكلّ قصيدة هي في بعض الدرجات قصّة، يبقى الشعر صاحب المنصّات المباشرة مع الناس، وتبقى الرواية صاحبة التفاصيل القريبة”.