من جو مسرحية “الضيوف” السورية (خدمة الفرقة)

اتخذ عرض “الضيوف” لفرقة المسرح  القومي في حماه أسلوب المسرح الواقعي لطرح مقولته عن صراع الريف  والمدينة عبر رؤية حققتها الفنانة كاميليا بطرس عن نص “سيدات في عزلة” لكل من الكاتبين البريطانيين إدوارد بيرسي (1891 – 1968) وريجينالد دينهام (1894 – 1983). وأسقطت المخرجة السورية الصراع  على حال السوريين اليوم واستعارت قصة طوفان نوح وصعوده ومن معه إلى جبل احتماء من الطوفان، ليكون طوفان نار الحرب ما يقابله في العرض، وكدلالة على الجحيم المفتوح في البلاد منذ عقد ونيف من الزمن.

ويتناول “الضيوف” الذي قام بإعداده الكاتب السوري جوان جان لعبة درامية متوازنة في تدفق أحداثها لثنائية الضيف ومضيفه، وبدت هذه اللعبة في ظاهرها قصة عادية للغاية لولا الإشارات التي مررتها المسرحية عن الغرباء ومصير من يؤويهم في بيته.

وتحتمل هذه الإشارات أكثر من قراءة، سواء في ما يتعلق بالريف والمدينة وتناقضات كل منهما بين داخل وخارج في المدن والبلدات السورية، أو حتى عبر الإشارة لتلك الخصومات القديمة الجديدة بين سكان المدن وقاطني الأرياف، لتتجلى ذروة المواجهة بين غلاة المتحزبين لصفاء المدينة في وجه الوافدين إليها من أبناء الريف السوري الفقير منذ ستينيات القرن الفائت.

وتشير مسرحية “الضيوف” بدءاً من عنوانها إلى هذه الصدامية بين طبقات المجتمع ريفاً ومدينة، فاستعارت النسخة الإنجليزية عن حياة ممثلة سابقة تدعى سعاد (نوران العثمان) تعيش مع صديقتها سامية (براءة غزال) في مكان ناء عند ضفاف نهر العاصي، وتزورهما كل من أختيها ليلى (يمان الشواف) وسلوى (جودي العبود)، وهما كما صورهما الكاتبان الأصليان، امرأتان بسيطتان من الريف تدعوهما السيدة النبيلة إلى زيارتها فتأتيان، وبعد فترة تذكر السيدة صديقتها بضرورة مغادرة أختيها لمنزلها، لكن الشقيقتين الضيفتين ترفضان الخروج فتتشاجران، لتضطر السيدة سعاد بدعوتهما إلى البقاء معها لبرهة من الزمن، وتذهب الأختان ثم تذهب سعاد في رحلة لتعود الشقيقتان إلى المنزل بعد مدة من الزمن، وتتصرفان وكأن المنزل صار من أملاكهما الشخصية.

جريمة قتل

وفي هذه الأثناء يظهر عماد (أسامة العثمان) ابن أخت الشقيقات الثلاث بعد أن قام أصلاً بزيارة سرية لسعاد آخذاً منها الأموال ومتلاعباً بمشاعرها الأمومية، ثم ليعود الرجل مجدداً بعد أن سرق بنكاً وقرر الاختباء مع خالاته، فيكشف عماد عن جريمة قتل، وتتوإلى بعدها أحداث مثيرة للعرض فالمسرحية المبنية على قصة جريمة والتي أُنتجت للمرة الأولى في الـ 26 من مارس (آذار) 1940 قدمت وقتها على مسرح هنري ميللر كنوع من ميلودراما نفسية عولت على موضوعية النفس البشرية، وعلى خلاف ما حاولت النسخة السورية تقديمها كحجة على وقاحة الضيف وتصويره كقاتل وسارق ومزور وهمجي.

وجاءت نسخة كل من الكاتبين البريطانيين بيرسي ودينهام غريبة ومثيرة في زمن الحرب العالمية الثانية، وهذا ربما مما دفع المخرج تشارلز فيدور وقتذاك ليقوم بتحقيقها كفيلم سينمائي بالعنوان نفسه عام 1941، إذ قدمت مسرحية “سيدات في عزلة” في تلك الفترة أكثر من 300 عرض، واعتبرت أول مسرحية جدية زمن الحرب بعد أن توقع لها النقاد الفشل الأكيد.

أما في النسخة السورية فاستقى معد النص الكاتب جوان جان ظروفاً مشابهة من النص الأصلي لشخصياته، وبدت في أداء ممثليها تلميحاً مباشراً لخصومات جديدة بين أهالي مدن وأهالي أرياف ودراما اتخذت أسلوبها من المسرح الواقعي، فيما ترك الباب موارباً على إسقاطات عدة منها حوار عماد ولجوؤه في المشهد الأخير إلى النص الديني لتبرير جريمة قتل السيدة سعاد، وادعاء التقية لمواجهة اتهامه بالقتل من لدن خالاته.

واعتمدت مخرجة العرض على حضور مشهدي أقرب إلى الديكور الواقعي لتصوير منزل من عدة حجرات من خلال تعمير فضاء خشبة المسرح بديكورات جمعت ألوانها بين القانية والفاتحة، في محاولة لعكس ثراء البيت على الخشبة، مما ضاعف تنوع هذه الكتل وتوظيفها على المنصة إلا لأغراضها المعيشية التقليدية من طعام وجلوس، ولاسيما في المشهد الأول الذي قدمت فيه كاميليا بطرس افتتاحية غنية في حركية ممثليها وحضورهم الجسدي.

وحاولت بطرس كما في كل أعمالها المسرحية أن تعمل على إدارة الممثل وتقديم تكوينات حركية موازية للحوارات الدرامية، ومن هنا تناغمت إضاءة خالد الموصللي مع أحداث عرض “الضيوف”، ووفرت هذه الإضاءة بيئة لونية محايدة وبعيدة من المسرحة المباشرة، بل اعتمدت كاميليا على تأطير مساحات اللعب بالضوء وتقديم فسحة لأداء الممثل وتوفير فراغ جمالي على الخشبة من دون الانجرار للزركشة الفائضة، أو التزيين على حساب عمل الممثل وانتقالاته النفسية الحادة.

هذا كله جرى عبر محاولة في التنويع على مفارقات كوميدية بين فصول العرض والتعويل على تقديم قراءة مغايرة لبيئة النص الأصلي، والنفاذ إلى المجتمع الحموي وتناقضاته في ظل الحرب السورية وما انعكس من خصومات بين ذات البين السوري ريفاً ومدينة، إذ حاولت بطرس في العرض الذي افتتح الدورة السادسة من مهرجان محمد الماغوط المسرحي أن تعمل على إعداد النص من جديد والتخلص من أدبيته لمصلحة تمرير لعبة درامية منضبطة وبعيدة من الصراخ والافتعال، وذلك عبر اعتمادها على شراكة واضحة مع كل عناصر العرض من إضاءة وديكور وموسيقى.

وجاء توليف الإخراج لهذه العناصر ضمن شرط فني معقول، إذ تميزت رؤية بطرس بالتركيز على المعالجة الفنية لسلوك الشخصيات وردود أفعالها، والانطلاق من دوافع كل منها نحو توتير الصراع ورسمه في مناخ منقبض تتداعى معه الأحداث، وكأن يحتل الضيف مضيفه عاطفياً قبل أن يجهز عليه مادياً في لعبة تبادل أدوار صارخة بين الجلاد والضحية.

وكان واضحاً من قراءة بطرس للنص هذا الاشتغال على مهارات أداء خاصة لدى الممثل وتطوير ملكاته مع الممثل الشريك على الخشبة من دون الانجرار إلى الميلودرامية أو استجداء عواطف الجمهور، بل بالحفاظ على حياد كل شخصية ورغبتها في تأزيم الصراع ودفعه نحو الأمام، وهذا ما جعل موسيقى أسامة الكعيد تتصاعد رويداً رويداً مع تطور الحال الدرامية وتقديم ما يشبه أرضية لحوارات رشيقة ومتواترة وبعيدة من المباشرة.

ومن هنا نعرف أن مخرجة العرض حاولت الحفاظ على التوجه العام لأداء ممثليها ونبشت في كل باطن شخصية على حدة، مستنبطة شراكتها عبر الاختباء في الممثل ومن دون أية إقحامات فائضة عن الحاجة، فتابعت المخرجة الحموية في مسرحية “الضيوف” ما كانت قد بدأته عام 1974 بوقوفها على خشبة مسرح حماه القومي كأول سيدة تخوض غمار التمثيل على المسرح في هذه المدينة.

وتكمل كاميليا عملها اليوم في مسرح حماه كمخرجة وكاتبة ومشرفة على كثير من الورش والدورات التدريبية لشباب وشابات مدينتها، وهذا ما يجعل من تجربتها علامة فارقة في الريبرتوار السوري الحديث، ويعطي دفعاً لكثيرات من ممثلات شابات ليخضن غمار التجربة معها للمرة الأولى، فالحماس الواضح لدى ممثلاتها وممثليها تجلى في قدرة كل منهم على تجسيد شخصيته بعيداً من السمة الغالبة في أداء ممثلي وممثلات مسرح الهواة في سورية، مما يرشح عرض “الضيوف” ليكون مثالاً لمسرح الهامش في البلاد، إذ تكافح فرقة مسرح القومي في حماه لإنتاج عروضها وسط ظروف قاسية وبدعم رمزي لأعضائها.