ماذا بقي وماذا تغيّر من "الألماني"؟

لا ثابت إلا المطلق، إذْ أن المجتمع ومؤسساته في حالة تغيّر وتحوّل مستمر. يومًا بعد يوم، يتكشّف بأنّ العالم كلّه متّصل ببعضه. أزمة المناخ إشارة أوّلية غير سياسيّة حول أنّ لا أحد بخير، حتّى أن يكون الجميع بخير. من جهة أخرى، يزداد البعد الرقمي في حياتنا، وصار الذكاء الاصطناعي وتداعياته تزيل وتغيّر الحدود والمفاهيم التي نعرفها مسبقًا. عالميًا، نحن في زمن تتعثّر فيه المواجهات المباشرة بين القوى الكبرى، ويتمّ تنفيس هذا الاستعصاء في نزاعات محليّة صغرى. على الصعيد السياسي الليبرالي، يواجه مفهوم المواطنة الوطنية ضمن حدود الدولة أزمة كبرى.

حرب غزّة غيّرت شيئًا بشكل جذري. المؤسسات التي تدّعي الحياديّة والدفاع عن العدالة بالمعنى المطلق تعيش تحديات حقيقية في جو سياسي تخويني ومسموم يذكّر بثقافة الحرب الباردة المكارثيّة. بالمقابل، ثمّة تيّار تضامني عابرٌ للحدود، آخذ بالتشكّل اجتماعيًا، بدون الوصول حتّى الآن إلى مرحلة التبلور السياسي. هذه الأسئلة الراهنيّة والملحّة، يحاول تسعة فنانون ألمان الإجابة عليها في معرضٍ يمتّد من 20 أكتوبر/ تشرين الأول حتّى 15 ديسمبر/ كانون الأول. المعرض بعنوان “?D Wie Deutsche” والذي يعني “د مثل ألماني؟”، ويقام في مبنى “جمعية الفنان الألمان” في العاصمة الألمانية برلين.

الفنانون التسعة الذين يعيشون ويقيمون في ألمانيا، يفكرون بشكل مليّ بمعنى وتأثير مفهوم “ألماني” على الحياة اليومية والثقافية والفنون. ماذا يعني بالضبط أن تكون ألمانيًا؟ ما المعاني المنسوبة إلى هذا المصطلح في ظلّ الظروف السياسية والتاريخية المتغيّرة في سيرة ألمانيا؟ ماذا بقي وماذا تغير من مفهوم “الألماني”؟. “مفهوم أنّ تكون ألمانيًا” مرّ بتحوّلات أربعة: جمهورية فايمار بعد الحرب العالمية الأولى، وصعود النازية وخسارة الحرب العالمية الثانية، وتجربة التقسيم بين القطبين العالمين في فترة الحرب الباردة، وتحقق الاتحاد مجددًا وسقوط جدار برلين. باختصار، المعرض يوضّح أنّ الاستخدامات والسياقات المختلفة التي يمكن من خلالها أن يطبق مفهوم “ألماني” هي غير واضحة ومليئة بالتناقضات.

الآن، يتفّق القيمون على الفعاليّة، بأنّ هنالك ثلاث قراءات لمفهوم الألماني. القراءة الأوليّة هي سياسية ووطنية، وهي قراءة أيديولوجية بيضاء لها ثلاثة أبعاد: أبويّة مهيمنة على النساء، ووطنيّة طاردة للمهاجرين، وذكوريّة مهيمنة على الخيارات الجنسية. القراءة السياسية تضع القواعد على الخطاب العام، وترسم حدود المسموح والممنوع، وتضع شروطًا على اللغة السياسية. القراءة الثانية لمفهوم “ألماني”، هي قراءة اقتصادية مادية. ألمانيا، الاقتصاد الرابع في العالم والآلة الدقيقة والإنتاج المتين. ألمانيا المرسيدس والبواخر والسيمنس وثراء نادي بايرن ميونخ لكرة القدم. الانتماء الاقتصادي- المادي في الهوية الألمانية، يترجم نفسه سياسيًا من خلال دولة يتمّ التنازع على تأشيرتها وجواز سفرها، وتحدد نخبها الاقتصاديّة، إلى حد معقول، “الناجح” الذي يستحقّ الحصول عليه.

الآن، القراءة الثالثة لمفهوم “ألماني” لا تزالُ غضّة وفي مرحلة التشكّل، ولكنها واعدة وجذرية، وموجودة في الشوارع منذ 7 أكتوبر. “البدو الرقميون”، المتواصلون العابرون الحدود، الذين يحررون أنفسهم من فكرة القومية بالمعنيين السياسي والمادي، ويركّزون على التآزر الاجتماعي بعيدًا عن سياسات الهوية، خدعة الخطاب السائد في إعادة إنتاج العزلة والعنصريّة باسم التمييز الإيجابي.

الفنانون التسعة هم: ألين تيونيست وإليزا غولدوكس وفرانكا كاسنر وآرمن كيبلينغر وماركوس ميركلي ومارسيل أودنباخ وآنا شومبورغ وثابو تيندي. المجموعة تدرس بشكل مشترك، وبشخصيّة متفرّدة لكل فنان، الأحداث التاريخيّة الأساسيّة في التاريخ الألماني وتأثيرها على الحاضر، ويرسمون صورًا معاصرة لإظهار التوتر بين مفهومي الأصل والانتماء. الأصل ثابت والانتماء متغيّر. الأعمال متنوعة، منها عرض صوتي بعنوان “الوصول العشوائي إلى الذاكرة” لآرمن كيبلينغر، وعرض مسرحي من إخراج ألين تيونيست، ونقاش فلسفي حول معاني “الداخل” و”الخارج” مع فرانكا كاسنر، وأشياء أخرى.

الهدف من الأعمال إعادة تقييم الأمور من جديد، وتطوير رواية جديدة مضادة ينقلها الآن “البدو الرقميون” في الساحات، وهم يدعون إلى وقف إطلاق النار.