بسبب النزعة نحو “المناطقية”، وتحت وطأة “العطالة”، ونتيجة الرغبة في “توسيع النفوذ”، تتوالى في الشمال السوري فصول الانشقاقات والخلافات بين الفصائل المسلحة التي تدور عن قربٍ أو بعدٍ في الفلك التركي.
وفيما كانت “الجبهة الشامية” لا تزال تعاني الهزات الارتدادية التي خلّفها قرار تعيين قائد جديد لها في الصيف الماضي، والذي انعكس راهناً اندلاعاً لموجة اقتتال جديدة أعقبتها موجة انشقاق لكبار قادتها في مدينة تل أبيض شمال الرقة، كانت “الجبهة الوطنية للتحرير”، وهي تجمع ضخم من الفصائل الموالية لتركيا، على موعد مع هزة مماثلة تمثلت في قرار قائد فصيل “صقور الشام” الانشقاق عن الجبهة، الأمر الذي أحدث شرخاً عميقاً بين مكونات الفصيل أدى إلى انقسامه إلى ثلاث كتلٍ مختلفة الولاء والتبعية.
“الجبهة الشامية”… صراع متجدد على الزعامة والمال
شهد يوم الأحد إعلان عددٍ من كبار قادة “الجبهة الشامية” تعليق عملهم في الجبهة احتجاجاً على ما قالوا إنه “حدثٌ أمني مدبر في مدينة تل أبيض دبرته مجموعة من شذّاذ الآفاق جمعهم حبّ المال والاكتساب بالثورة”. وفي بيان مكتوب تلاه آخر مرئيّ، أعلن كل من أبو الليث الحمصي قائد الجبهة في منطقة نبع السلام، أبو عامر مدير المكتب الأمني في الجبهة، أبو أحمد الشامي القائد العسكري في تل أبيض، أبو هاني الحمصي قائد كتيبة شهداء الرستن في تل أبيض، أبو بلال العموري قائد السلاح الثقيل في الجبهة، وآخرون، تعليق عملهم في صفوف الجبهة.
وجاء قرار تعليق العمل بعد أيام من اندلاع اقتتال في مدينة تل أبيض بين مكونات “الفيلق الثالث” الذي تنضوي تحته “الجبهة الشامية”. ونشبت الاشتباكات التي بدأت يوم الأحد إثر خلاف بين تيارين داخل الفيلق، أحدهما مقرّب من قائد الفيلق حسام ياسين، والآخر من قائد “الجبهة الشامية” عزام غريب.
واستُخدمت الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في المواجهات التي استمرت لساعات، ما دفع الجيش التركي إلى التدخل ونشر وحدات داخل المدينة لإيقاف الاشتباكات بين الأطراف.
ويعتبر أبو الليث الحمصي الذي يقود المجموعة التي علّقت عملها في الجبهة مقرّباً من حسام ياسين قائد “الفيلق الثالث” الذي تحدثت تقارير إعلامية عن وجود توافق ضمني بين عدد من التشكيلات المسلحة داخل الفيلق لإطاحته وتعيين قائد جديد محله.
وتعود جذور الخلاف إلى شهر أيار (مايو) الماضي عندما اتخذت قيادة الجبهة قراراً بعزل حسام ياسين وتعيين عزام غريب أبو العزّ قائداً جديداً لها، مع بقاء ياسين قائداً للفيلق الثالث، الأمر الذي اعتبره كثيرون ترجمة لرغبة الجبهة في العودة إلى العمل باسمها المستقل بعد عامين من الاندماج ضمن صفوف “الفيلق الثالث”، وهو ما رأى فيه ياسين محاولة لتطويق نفوذه تمهيداً لإطاحته كما فعل هو مع سلفه أبو النور مهند خليف.
وتشكل “الفيلق الثالث” عام 2021 وفق تحالفات عسكرية في “الجيش الوطني” بقيادة مهند خليف أبو أحمد نور، قبل أن يعيّن بدلاً منه حسام ياسين، ويتألف الفيلق بشكل رئيسي من “الجبهة الشامية”، و”جيش الإسلام”، و”فيلق المجد”، و”لواء السلام”. واتخذت الأطراف من منطقة تل أبيض شمال الرقة ساحة لإثبات الذات، من خلال الاستحواذ على ملفي الاقتصاد والأمن، وتعيين الأشخاص من كل طرف في مناصب حساسة بناءً على الولاءات.
وسادت في السابق معلومات عن وجود أيدٍ خفيّة لـ”هيئة تحرير الشام” بقيادة أبي محمد الجولاني في العمل على اختراق صفوف “الجبهة الشامية” وتأليب مكوناتها ضد بعضها بعضاً، في سياق سعيها الدائم والحثيث لتوسيع رقعة نفوذها في مناطق درع الفرات ونبع السلام وغصن الزيتون.
“صقور الشام” ينقسم إلى ثلاث كتل
بالتزامن مع التطورات التي كان يشهدها “الفيلق الثالث” و”الجبهة الشامية”، أعلن فصيل “صقور الشام” بقيادة أحمد بن عيسى الشيخ الانشقاق عن “الجبهة الوطنية للتحرير” بسبب “كثرة التجاوزات في الجبهة وتفاقمها”.
وذكر البيان الذي نشره الشيخ على حسابه في موقع “إكس” أن “الاستبداد بالقرارات واحتكارها وتجاهل المكونات ونبذ الآراء، في الجبهة الوطنية، وعدم المشاورة وقبول النصائح، تجعل ضرر بقاء صقور الشام في الجبهة أكبر من نفعه، ما يضطرنا نحن فصيل صقور الشام أن نعلن انفكاكنا عن الجبهة الوطنية والعمل كفصيل مستقل بعد الآن، مع التزامنا كامل واجباتنا الثورية والجهادية”.
غير أن الأمور لم تسر كما يشتهي أبو عيسى الشيخ، إذ إن قراره الانفكاك عن الجبهة لم يكن ملزماً سوى لأقل من 40 في المئة من الفصيل، وذلك بعدما أعربت النسبة المتبقية عن رغبتها في البقاء ضمن صفوف الجبهة معلنة تشكيل “صقور الشام – الفرقة 40” “إيماناً منا بضرورة تحقيق أهداف ثورتنا المباركة، وحرصاً منا على استكمال درب شهدائنا ونهجهم حتى النصر، وذلك ضمن مرتبات الجبهة الوطنية للتحرير” وفق بيان صادر عن هذه المجموعات.
وكانت مجموعة سابقة تضم نحو 800 مسلح أعلنت قبل أشهر الانشقاق عن فصيل “صقور الشام” وأعلنت انضمامها إلى “تجمع الشام” بقيادة أبو عماد زيتون.
وتحدثت مصادر سورية معارضة عن مخاوف من أن يكون قرار أبو عيسى الشيخ الانفكاك عن “الجبهة الوطنية” جاء تمهيداً لانضمامه أو تحالفه مع “هيئة تحرير الشام”، محتذياً بذلك أثر فصيل “أحرار الشام” الذي كان الجولاني قد نجح في تقسيمه وإقناع جزء كبير منه بقيادة أبي عامر الشيخ بالتحالف معه، وسط معلومات غير مؤكدة عن أن التحالف تحول إلى اندماج حقيقي ولكن غير معلن.