غسان زقطان
الأمور ليست واضحة في غرفة القرار الإسرائيلي، لو استثنينا هيستيريا الانتقام التي تغطي كل شيء في إسرائيل؛ الإعلام والجيش والحكومة ووسائل التواصل الاجتماعي، الواضح الوحيد هو قرار تدمير غزة والبحث عن ممرات لتهجير الغزيين نحو الجنوب ومن ثم دفعهم نحو سيناء، وقتل أكبر عدد ممكن خلال تلك الرحلة القافلة اللانهائية التي تهبط مثل غيمة هائلة من البشر تحت بصر الطائرات وقذائف الهاوزر 155 من شمال القطاع إلى الجنوب قبل أن تعود إلى الشمال في دائرة موت مغلقة.
وبينما يقوم سلاح الجو بالمهمة وتغطية الوقت بالموت، سيواصل الجنرالات دراسة “الهجوم البري” وجاهزية الجيش ومدى الاجتياح، الذي يبدو حتمياً أمام هذه الهيستيريا والخوف وعدم اليقين، وصراخ المحللين والضباط ووزراء الحكومة: “حرب وجودية، حرب وجودية”.
“الحرب الوجودية” التي يمكن تحت ستارها عمل كل شيء؛ تهجير غزة وتحطيم لبنان وضم الضفة الغربية، والحصول على التعاطف الغربي في الوقت نفسه.
تعيش إسرائيل بين البحث عن طرائق لـ”تقويض حماس” عبر تقويض مصائر أكثر من مليوني فلسطيني، في المرحلة الأولى، وبين طريق مطار اللد في رحلة نتنياهو ووزرائه المتواصلة لاستقبال الجسر الجوي النشيط من قادة الاستعمار الغربي الذين يقطعون مسافات طويلة للحصول على فقرة بكاء، في بث حي، على كتف نتنياهو؛ الرئيس الأميركي بايدن الذي فقد “حصافته” تماماً وهو يردد بإخلاص ودقة بيانات الناطق العسكري الإسرائيلي دانيال هاغاري، والظهور في مشاهد ميلودرامية متهورة وملامح “عمياء” مرتدياً على عجل دروعاً ولغة قتالية، مشاهد ستلاحقه في حملته الانتخابية المتعثرة، والمستشار الألماني الذي ظهر باهتاً مثل طفل تائه يركض خلف التظاهرة وهو يصرخ: “وأنا أيضاً”، والرئيس الفرنسي الذي ينزف منذ فترة طويلة الساحل الأفريقي في طريقه إلى مطار اللد من دون توقف.
ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك النموذج المثالي لـ”عبد المنزل”، في زمن سابق أثناء غزو العراق الذي انبنى على كذبة “أسلحة الدمار الشامل”، استخدمت بعض الصحافة البريطانية وصف “كانيش” لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والكانيش كلب “زينة” مدلل لا يصلح للحراسة أو الرعي أو أي مهمة جدية من تلك التي تقوم بها الكلاب الحقيقية عادة، كائن من الفرو، بمقاسات صغيرة غالباً، يتبع صاحبه من دون غاية سوى فكرة التبعية والطاعة التي تستحوذ عليه وعلى أنشطته وحركته.
قد يبدو التوصيف هنا مبالغة للوهلة الأولى أو نوعاً متطرفاً من الغضب، ولكنها مصطلحات مأخوذة من الصحافة والواقع ومتداولة في الإعلام وعلى منصات التواصل.
لقد تم تشغيل الآلة بكامل طاقتها واستخراج زمن كامل من الأرشيف الغربي واستخدام كل شيء من “المحرقة” في الذاكرة الأوروبية إلى “11 سبتمبر” من ذاكرة الولايات المتحدة و”داعش” من ذاكرة المنطقة، وتحصين التضليل وترويجه وحمايته عبر إجراءات وقوانين أمنية، من منع الرموز؛ علم، كوفية… حتى الاعتقال والتهديد بالسجن لأحكام طويلة لمعارضي الآلة. هذا مقلق فعلاً ومحاط بالريبة والغموض ويشي بزمن طويل من الحرب المدروسة. حرب مضمرة باغتها سقوط الجدار الأمني وانهيار فرقة غزة خلال ساعات في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، خسرت حسب إحصاءات الجيش الإسرائيلي أكثر من 300 جندي وضابط وأسر بحسب الإحصاءات نفسها أكثر من 100، إضافة إلى عشرات رجال الأمن والشرطة والمستوطنين المسلحين، وسقوط “الردع” الإسرائيلي، إضافة إلى الفشل في تجييش دول المنطقة. لم يحصل الوزير بلينكن خلال إقامته في المنطقة على إدانة واحدة لـ”حماس” ولم يتمكن بايدن رغم تكبده عناء الرحلة الطويلة من التقاط صورة محاطاً بالزعماء العرب.
هذا إعلام حرب كبيرة.
“الآلة” هي التي تندفع الآن وهي التي تحاول التقدم يسبقها غطاء كثيف من الدخان والغبار، على حدود غزة وقرى الجنوب في لبنان وشواطئ شرق المتوسط.