أحمد نظيف
ما يجري في غزة منذ حوالى مئة وعشرين يوماً، لن يكون قطعاً “الحرب التي ستُنهي كل الحروب”، ومع ذلك سيؤسس شكلاً جديداً من الوجود، أقلّه لمنطقتنا العربية، وسيغيّر الشخوص والنفوس على نحو غير مسبوق.
ربما سيكون 2023، أحد الأعوام الفارقة في تاريخنا المعاصر، ليستقرّ مع عامي النكبة والنكسة وعام 79، بوصفهم المحطات الأساسية للتحولات التي عشنا ونعيش معها منذ النصف الثاني من القرن العشرين إلى اليوم. أو شأنه في ذلك شأن العام 2001، الذي تحوّل فيه مجرى التاريخ بشكل عنيف إلى الخلف، خصوصاً بعد سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي، أو قبل ذلك في عام 1991، حين تحول العالم دفعةً واحدة إلى العصر الأميركي، بسقوط الاتحاد السوفياتي وغزو الكويت.
من هذا المنظور التاريخي المقارن، سيكون العدوان على غزة، وقبله هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، نقطة تحوّل سياسية واجتماعية وثقافية واضحة، بما يحمل من آثار إقليمية واضحة تتجاوز الحدود الوطنية للعالمين العربي والشرق أوسطي عموماً، والتي سيستغرق استكشافها بالكامل بطريقة متعددة التخصّصات وعابرة للحدود وقتاً طويلاً. ومع ذلك توجد مؤشرات عديدة لهذه التحوّلات، على الأقل النفسية، كما تكشفها وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها ترجمةً لعواطف قطاعات واسعة من المواطنين العرب.
أولاً: النظرة إلى الغرب. يبدو واضحاً أننا نشهد خفوتاً كبيراً لنظرة الإعجاب تجاه الغرب، بوصفه حاملاً لقيم ليبرالية وثقافية فردية في نفوس الشباب العربي، من خلال تعبير واضح عن النفور من ازدواجية المعايير التي يمارسها الغربيون. وعلى خلاف النفور من الغرب، كما كان قائماً في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، على أسس إيديولوجية يسارية بالأساس، يبدو النفور اليوم ذات بُعد أخلاقي ونفسي.
ذلك أنّ اليساري العربي في العقود الماضية كان ينتقد الحكومات الغربية ويندّد بالإمبريالية، ولكنه في الوقت نفسه يحمل نزوعاً نفسياً نحو قيم الحرّية والديموقراطية الغربية، أما اليوم، فنشهد حالةً من السخط لدى فئة واسعةٍ من الشباب العربي تطال كل الغرب، من دون تفريق، منزوعة الإعجاب الخفي به. وينسحب ذلك على القطاعات الأكثر وعياً كالحركة النسوية والبيئية والعمالية.
هذا التحوّل الجذري، أعجبنا أم لم يعجبنا، سيكون له أثر كبير في المستقبل على طبيعة الحركات السياسية والاحتجاجية العربية.
ثانياً: النظرة إلى الدين. ذلك أنّ الشكل الديني الذي تتخذه المقاومة الفلسطينية اليوم في غزة، كسر نسبياً نفور قطاع واسع من النخب والشباب العربي صاحب التوجّهات العلمانية، لا سيما اليسارية، تجاه الحركات السياسية الدينية، بعد عقد كامل من الصراع خلال حقبة ما بعد الثورات العربية. وفي الوقت نفسه جعل هذه الحركات تتراجع قليلاً عن حدّتها العقائدية نحو استيعاب هذا الجمهور العريض، وقد بدا ذلك واضحاً في اللغة المستعملة في الورقة التي وزعتها حركة “حماس” حول روايتها بشأن هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وأكثر وضوحاً في خطاب الحركة الإعلامي تجاه باقي مكونات الشعب الفلسطيني ومقاومته.
ثالثاً: عدوى الروح القومية وضمور نموذج الدولة الوطنية. منذ الأيام الأولى للحرب، شكّلت التعبئة الشعبية في الشوارع العربية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك انخراط فئات جديدة، في حركات الاحتجاج والمقاطعة، تعبيراً عن مركزية القضية الفلسطينية المتواصلة في المجتمعات العربية. في المقابل بدا أنّ قطاعاً كبيراً من هذه المجتمعات يعبّر عن سخط واضح من نموذج الدولة القطرية، ذات الفاعلية الضعيفة في الصراعات الإقليمية، بسبب محدوديتها الجيوسياسية.
أما رابعاً، وهو الأهم وغير المسبوق، عرض المأساة الفلسطينية على نطاق دولي واسع، لم يتوفر لها من قبل. وبالتالي تشكيل رأي عام دولي – مكوّن أساساً من فئات شبابية يملك مستقبلاً – داعم لقضية الشعب الفلسطيني، ويرى في الاحتلال جزءاً من ماضٍ استعماري يجب أن يتفكّك. وهنا لعبت الفلسفة التقاطعية التي سلكتها المنظمات الداعمة لفلسطين وقوى الشعب الفلسطيني في الشتات دوراً كبيراً في ذلك، حيث تقاطعت هذه المنظمات وهؤلاء الأفراد مع قضايا ذات دوافع إنسانية، مثل الحركة النسوية والبيئية والعمالية وحركات الدفاع عن السود، لكسب مؤيّدين لقضيتها التحررية، بوصفها آخر قضية استعمارية.
يُقال إنّ هنري كيسنجر سأل ذات يوم رئيس الوزراء الصيني تشو إن لاي، عمّا إذا كان يعتقد أنّ الثورة الفرنسية كان لها تأثير جيد على العالم؟ فأجاب تشو: “من السابق لأوانه معرفة ذلك”. وسواءً كانت هذه القصة صحيحة أم لا، فمن المؤكّد أنّ المعرفة الدقيقة لمدى التغيّرات التي ستُحدثها المعركة في فلسطين ومن أجلها، لن تتحدّد إلاّ بعد مرور وقت طويل نسبياً.
نحن ربما نعي مقدار هذا التحوّل بين السادس والسابع من تشرين الأول (أكتوبر)، محاسن ذلك وعيوبه، إنجازاته السياسية الكبيرة ونقاط ضعفه، لكننا لا نستطيع أن نعرف ماذا سيقول عنه مؤرخو المستقبل. ومع ذلك، أعتقد أنّه من الآمن أن نقول إنّه لن يتمكن أي من المؤرخين الذين يريدون كتابة قصة عالمنا العربي في القرن الحادي والعشرين من تخطّي هذه اللحظة، تماماً كما لن يتمكنوا من تجاهل قدرتها على بعثرة السكون، الذي كان سائداً قبلها.
إنّ اللحظات التي تتمتع بهذه القدرة على تحويل مجرى التاريخ لا تتكرّر كل يوم، ويبدو أنّ هذا يفسّر جزءاً كبيراً من مركزية هذه الحربّ، فضلاً عن الاهتمام الذي تلقاه إقليمياً ودولياً.