قاد عدم تحقيق العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة أهدافه المعلنة في “سحق” حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتحرير الرهائن لديها، وتصاعد ضغط الرأي العام العالمي تحت تأثير صور القتل والدمار والنزوح لوقف الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في القطاع، وتصاعد المخاوف من الانزلاق نحو حربٍ إقليميةٍ واسعة في ضوء تنامي عمليات “محور المقاومة” وتنوعها، واستهدافه القواعد الأميركية وطرق الشحن الدولية في البحر الأحمر وبحر العرب، كما باستهدافه الكيان الإسرائيلي بالصواريخ البالستية والمسيّرات، ونفاد الوقت، حيث شهر رمضان والانتخابات الرئاسية الأميركية على الأبواب، قاد هذا كله إلى نشوء ميل سياسي دولي إلى وقف العدوان والدخول في مسارٍ لإحلال “السلام” بين الفلسطينيين والإسرائيليين على قاعدة حلّ الدولتين جسّدته مشاريع تحت عنوان “اليوم التالي” طرحتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

بدأ حديث الإدارة الأميركية عن “اليوم التالي” في ذروة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة كما لو كان مناورة لاحتواء ردّات الفعل العربية والإسلامية وتنفيس الاحتقان الشعبي المتصاعد، الذي أجّجته صور القتلى، خصوصا بين الأطفال والنساء، وصور الغزّيين الهائمين على وجوههم هربا من القصف الوحشي وصور الدمار الذي لم يترُك مجمّعات سكنية أو مستشفيات أو مدارس وجامعات ومساجد ومواقع أثرية ومقابر وبنى تحتية إلا واستهدفها، خصوصا وأن حديثها عن “اليوم التالي” اقترن بدعمها العسكري والسياسي غير المحدود للعدوان الإسرائيلي ورفضها دعوات وقف إطلاق النار. وجاء إطلاق مليشيات تابعة لإيران هجمات بالصواريخ والمسيّرات على القواعد الأميركية في سورية والعراق واستهداف حركة أنصار الله اليمنية السفن الإسرائيلية والمتوجّهة إلى إسرائيل، ما أدّى إلى عرقلة الملاحة في البحر الأحمر ودفع الإدارة إلى الرد بقصف مواقع “الحركة” في اليمن وقصف مواقع المليشيات التابعة لإيران في سورية والعراق، ليصبّ الزيت على النار ويجعل احتمال اتّساع دائرة الحرب راجحا.

كما أدّى انطلاق التظاهرات الضخمة في المدن الأميركية ومقاطعة العرب والمسلمين الأميركيين حملة الرئيس جو بايدن، الانتخابية، ومقاطعته في لقاءاته الانتخابية بالهتافات المطالبة بوقف العدوان على غزّة، وإصدار 48 مدينة أميركية على الأقل قرارات رمزية تدعو إلى وقف القصف الإسرائيلي على غزّة، وست مدن أخرى قرارات تدعو إلى السلام، إلى تصعيد الضغط على الإدارة، وإلى ضغط الإدارة على إسرائيل كي تأخذ الدعوة إلى “اليوم التالي” على محمل الجدّ وتطرح تصوّرها حول ذلك.

انطوى مشروع الإدارة الأميركية لليوم التالي على خطواتٍ تبدأ بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والرهائن وإصلاح مؤسّسات السلطة الوطنية الفلسطينية وأجهزتها، وتفعيل منظمّة التحرير

انطوى مشروع الإدارة الأميركية لليوم التالي على خطواتٍ تبدأ بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والرهائن وإصلاح مؤسّسات السلطة الوطنية الفلسطينية وأجهزتها، وتفعيل منظمة التحرير كي تلعب الأولى دورا في إدارة قطاع غزّة وتلعب الثانية دورا في شرعنة هذا الدور من دون اعتراض على انضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي إليها بعد قبولهما بما تبنّته من مواقف وعقدته من اتفاقات مع الكيان الإسرائيلي، والخاتمة دولة فلسطينية منزوعة السلاح لضمان أمن إسرائيل. ولتحفيز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ونيل موافقته على المشروع، ربطت بين التطبيع السعودي وإنشاء دولة فلسطينية.

اشتمل المشروع البريطاني على وقف القتال والبدء بإدخال مزيدٍ من المساعدات الإنسانية للاستجابة للأوضاع المأساوية في القطاع، والعمل على إخراج الرهائن وتبادل الأسرى، إلى جانب الشروع بسلسلة من الترتيبات السياسية التي تفضي إلى “تغييرات جذرية” لدى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بهدف التمهيد للبدء بإعادة إعمار غزّة، والمضي إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، واعتراف الأطراف الدولية فيها بما في ذلك الأمم المتحدة. وهذا كله مرتبطٌ بجملة مسلّمات أولاها سلطة وطنية فلسطينية جديدة يقودها تقنيون، وثانيها رفض أي دور لحركة حماس في إدارة قطاع غزّة أو المشاركة في أي حكومة لإدارة شؤون الفلسطينيين في المرحلة المقبلة، وثالثها مرحلة انتقالية هدفها التحضير لإجراء انتخابات عامة تفضي إلى تشكيل قيادة فلسطينية جديدة وفق نتائج صندوق الاقتراع.

وجاء المشروع الأوروبي على شكل خريطة طريق بعشرة بنود إجرائية هدفها الوصول إلى حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تبدأ بعقد مؤتمر دولي للسلام على مستوى وزراء خارجية ومديري المنظّمات الدولية لا يحضرُه طرفا الصراع مع عقد اجتماعات منفصلة معهما لوضعهما في صورة ما يُطرح في المؤتمر، الذي سيحدّد صيغة للسلام الشامل بناءً على قرارات الأمم المتحدة السابقة وجهود الوساطة الدولية، لينتهي بوضع “إطار مبدئي” خلال عام يقدّم إلى طرفي الصراع، ويدعوهما إلى التفاوض على الصيغة النهائية.

استند المشروع إلى جملة مسلّمات، أولها هدف مؤتمر السلام إقامة دولة فلسطينية، وثانيها التطبيع الكامل بين الدول العربية وإسرائيل، وثالثها أن توفر الخطّة ضمانات أمنية قوية لإسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية، ورابعها الاعتراف الدبلوماسي الكامل المتبادل، وخامسها التكامل بين إسرائيل وفلسطين.

يزيد الموقف تعقيداً ضعف أوراق الطرف الفلسطيني في ضوء الانقسام الفلسطيني وانعدام فرص الاتفاق بين “السلطة” وحركة حماس

عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على احتواء ضغط الإدارة وقطع الطريق على مشاريع “اليوم التالي” الأخرى، فلجأ إلى تبنّي تصوّر لليوم التالي، اعتبره الكاتب الإسرائيلي في صحيفة معاريف، بن كسبيت، “بالون اختبار”، وأرسله مع رجل يثق به كثيرا، وزير الشؤون الاستراتيجية، رون ديرمر، لمناقشته مع مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، أساسُه إقامة حكم عسكري إسرائيلي كامل في غزّة، يدير نقل المساعدات الإنسانية ويتحمّل المسؤولية عن العناية بالسكّان المدنيين، تشكيل ائتلاف دولي من دول عربية تشارك فيه السعودية، مصر، المغرب، الإمارات، البحرين ودول أخرى، سيكون هذا الائتلاف جزءاً من اتفاق التطبيع الإقليمي، إقامة جسم جديد يسمّى “السلطة الفلسطينية الجديدة” لإدارة قطاع غزّة، مع حقّ إسرائيل في العمل الأمني في القطاع بالصيغة التي تعمل فيها داخل الضفة. إجراء إصلاح لأداء السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، وفي مواد التعليم الفلسطيني، وفي معالجة الإرهاب. وهذا من دون إخلاء المستوطنات القائمة. وإذا نُفذت هذه المراحل كما تريد إسرائيل تعترف بدولة فلسطينية منزوعة السلاح.

تتطابق مشاريع “اليوم التالي” المذكورة حول البدء بوقف إطلاق النار في قطاع غزّة وتبادل الرهائن والأسرى لدى الطرفين، وحول خاتمة العملية السياسية: دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزّة وعاصمتها القدس الشرقية، حدود عام 1967 مع تعديلاتٍ على قاعدة تبادل أراضٍ، وتتباين في المسار لبلوغ النهاية “السعيدة”، وفي الموقف من مصير حركة حماس والسلطة الوطنية الفلسطينية، فمشروع الإدارة الأميركية يتبنّى موقفاً داعماً لـ “السلطة” ومعتدلاً من انضمام حركة حماس لمنظمة التحرير، بينما موقف مشروعي المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي إيجابي من “السلطة” ومتطابقٌ مع المشروع الإسرائيلي في رفضه القاطع أي دور لحركة حماس.

أثار التطابق والتباين بين مشاريع “اليوم التالي” أسئلة بشأن فرص تعاون أصحاب هذه المشاريع وتوافقها على صيغة مشتركة لإنجاح التوجّه ودفعه نحو النهاية المعلنة: سلام على قاعدة حل الدولتين، ومخاطر ذهابهم إلى المفاضلة وتمسك صاحب كل مشروع بمشروعه وضياع الوقت والجهد.

ستبقى مشاريع “اليوم التالي” معلقة، ما لم تدفع التطورات الميدانية إلى خضوع الموقف الإسرائيلي للضغط الدولي عموما، والأميركي خصوصا، وتسليمه بحلّ الدولتين

واقع الحال أن ثمّة إمكانية لتوافق وتنسيق بين الإدارة الأميركية والمملكة المتحدة، وفي حين لن يحصل المشروع الأوروبي على فرصة للوجود على الطاولة لاستحالة قيام توافق دولي بسبب انفجار التنافس بين القوى العظمى وتحفظ الولايات المتحدة على قيام الاتحاد الأوروبي بدور مستقل وقيادي في عملية السلام في الشرق الأوسط واستياء الجنوب العالمي من سياسات الغرب، فإن الراجح ذهاب الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية نحو المفاضلة والانخراط في سجال بيزنطي، لأن نتنياهو ورغم وضعه تصوّرا “لليوم التالي”، إلا أنه أغلق الطريق بلاءاته الكثيرة: لا للسلطة الوطنية ولا لحركة حماس ولا لسيادة فلسطينية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط… إلخ. كما أنه مقيّد بائتلاف حاكم فيه وزراء من أقصى اليمين لا يرفضون الحديث عن وقف الحرب والتنازل في ملف الرهائن فقط، بل ويدعون إلى ترحيل الفلسطينيين وضمّ قطاع غزّة وإعادة الاستيطان فيه، وأي تقدّم في المفاوضات أو القبول بحلّ الدولتين سيقود إلى انهيار الائتلاف والذهاب إلى انتخابات مبكّرة لن تكون في مصلحته وهو حريص ويقاتل من أجل مستقبله السياسي ونجاته من الإدانة بتهم بالفساد. لذا سيناور لكسب الوقت حتى إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية، على أمل عودة الرئيس السابق، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض من دون استبعاد استخدامه ورقة تفجير مواجهة شاملة مع حزب الله اللبناني لخلط الأوراق وتوريط الإدارة الأميركية في الحرب. كما هناك تباينات بين الإدارة والسلطة الوطنية الفلسطينية بشأن حدود دولة فلسطين والسيادة على الأرض، حيث ما زالت الإدارة تربط الاتفاق على الحدود باتفاق طرفي الصراع، ما سيعيد الموقف إلى المربّع الأول، حيث لم تنجح المفاوضات السابقة بين الطرفين في الاتفاق على حلٍّ لقضايا الحدود والسيادة والأمن.

وما يزيد الموقف تعقيدا ضعف أوراق الطرف الفلسطيني في ضوء الانقسام الفلسطيني وانعدام فرص الاتفاق بين “السلطة” وحركة حماس، فالخلاف بين الرؤى والتصوّرات وعلى الأوزان والأدوار والحصص أفشل كل مفاوضات المصالحة التي تمت في السنوات الماضية، فما بالك ووزن حركة حماس قد تضاعف لدى الشارع الفلسطيني بعد عملية طوفان الأقصى، وتخلّي الأنظمة العربية عن مساندة “السلطة” وتركها تواجه مصيرها منفردة، فالبرغم مما قيل عن تزايد التنسيق بينها والسعودية فإن موقف الأخيرة لا يشكّل غطاء وحماية لها. قال مستشار الأمن الوطني السعودي في اجتماع مديري أجهزة المخابرات العربية في الرياض “إن المملكة لا تزال مهتمة بالمضي في التطبيع مع إسرائيل مقابل خطوات عملية وغير قابلة للنقض من إسرائيل من شأنها أن تمهد الطريق نحو إقامة دولة فلسطينية، حتى لو لم تتم إقامة هذه الدولة على الفور”. وكانت ثلاثة مصادر قد قالت لوكالة رويترز إن السعودية، وفي مسعى إلى إبرام اتفاق دفاعي مع واشنطن قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، ستكون مستعدّة لقبول التزام سياسي من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية بدلا من أي تعهدات أكثر إلزاما، فلدى الأنظمة العربية مشكلاتها وحلولها الخاصة، ولا تنوي التصعيد لتحسين أوراق “السلطة” وحماية الحقّ الفلسطيني.

ستبقى مشاريع “اليوم التالي” معلقة، ما لم تدفع التطورات الميدانية إلى خضوع الموقف الإسرائيلي للضغط الدولي عموما، والأميركي خصوصا، وتسليمه بحلّ الدولتين.