يحمّل محللون سياسيون في السويداء، جنوبي سوريا، مسؤولية تصعيد القصف الأردني بداية هذا العام 2024 للميليشيات الإيرانية التي تدير تجارة المخدرات والقوات الروسية التي لم تقم بدورها كضامن لضبط نفوذ طهران في المنطقة.

وصعّدت الحكومة الأردنية هجماتها الجوية على جنوب سوريا، وتسببت أعنفها منتصف ليل 17-18 في كانون الثاني/ يناير بمقتل عشرة أشخاص غالبيتهم نساء وأطفال في خمسة منازل تم استهدافها.

وأسفر استهداف أحد المنازل عن مقتل عمر سلمان طلب وشقيقته ووالدته، بينما أودت الضربات على منزلين ضمن المبنى نفسه، بحياة الشقيقين تركي ونزيه الحلبي، ووالدتهما وزوجتيهما، والطفلتين ديمة (عامان) وفرح (خمسة أعوام).

وتسبب القصف على القرى الحدودية وسقوط ضحايا أبرياء بحالة احتقان لدى المجتمع الأهلي في السويداء.

لكن الأردن يعلل هجماته هذه، وأخرى سابقة، بمكافحة تهريب المخدرات على حدوده مع سوريا والتي يبلغ طولها 375 كيلومتراً.

وفي الثامن من أيار / مايو الماضي، قتل 8 أشخاص بينهم 6 أطفال من عائلة مرعي الرمثان (45 عاماً)، في غارة جوية شنتها طائرات أردنية على منزله في قرية الشعاب بريف السويداء الشرقي.

وفي التاسع عشر من ديسمبر / كانون الأول 2023، تعرضت مدينة صلخد في الريف الجنوبي لقصف بطيران الأردني أدى إلى تحطيم مستودعات تعود لفيصل السعدي.

أطفال ونساء أبرياء

وعقب المجزرة في عرمان، قال بيان لوزارة الخارجية والمغتربين في دمشق إن الهجمات لا مبرر لها مادامت العلاقات الأمنية مستمرة بين البلدين.

ويقول طالب الحلبي، الذي راح ضحية القصف سبعة أشخاص من عائلته، إنه لا يعلم السبب الذي يستدعي مهاجمة طيران وسلاح جوي لإحدى الدول بيوتاً آمنة، ويصف القصف الذي شاهده بـ “مخيف ومرعب”.

واعتمد الأهالي ذلك الصباح على أصوات الناجين للبحث عنهم وسط الركام، إذ تم إنقاذ أربعة أطفال كانوا تحت سقف منهار جزئياً، ونساء أخريات في المنزل المجاور.

وانتشل الأهالي المتجمعون جثماني نزيه الحلبي وزوجته، قبيل وصول فريق للدفاع المدني ومعهم معدات للبحث.

بدأت عمليات الحفر، وتم انتشال بداية لجثمان زوجة تركي الحلبي ثم جثماني الطفلتين، بينما استمر البحث عن جثمان والدته المسنة حتى انتشالها بعد الظهر، بحسب الشاهد إيهاب الحلبي.

ونزيه الحلبي، هو ضابط متقاعد برتبة عقيد من الجيش السوري، وكان يعمل بمحل تجاري، وكان شقيقه تركي الحلبي مزارعاً يمتلك بئر مياه يعتمد عليها في الزراعة، بحسب ذويهما.

وبعد المجزرة التي خلفتها الضربات الأردنية في عرمان، طالب بيان لحركة رجال الكرامة الأردن بوقف الغارات على جنوبي سوريا.

واتهمت الحركة الأجنحة الأمنية والعسكرية للقوات الحكومية بأنها “تتساهل في نشر الفوضى الأمنية وتسهيل عبور شحنات المخدرات إلى السويداء وتحويلها إلى منطقة تخزين وتهريب إلى الأردن”.

وبعد أيام، أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين في دمشق بياناً عبرت فيه عن أسفها جراء الضربات غير المبررة التي أودت بحياة مدنيين، والتي تحاول احتواءها “حرصاً على عدم التوتر والتأثير على استمرار استعادة العلاقة الأخوية بين البلدين”.

لكن وزارة الخارجية الأردنية ردت في اليوم التالي ببيان قال إن الأردن زود الحكومة السورية، خلال اجتماعات اللجنة المشتركة التي كان شكلها البلدان، بأسماء المهربين والجهات التي تقف وراءهم، بأماكن تصنيع المخدرات وتخزينها وخطوط تهريبها.

وأضاف البيان الأردني أن الحكومة السورية لم تتخذ أي إجراء حقيقي لتحييد هذا الخطر، بل إن محاولات التهريب شهدت ارتفاعاً خطيراً في عددها.

“اتفاق غير معلن”

ويرى الدكتور جمال الشوفي، وهو كاتب ومحلل سياسي سوري، أن جذور الواقع الأمني جنوب البلاد يعود لأن المسألة السورية كانت أكبر من التصور الروسي عام 2015، حين أعلنت موسكو أن تدخلها العسكري في سوريا سيكون لمدة أربعة أشهر فقط.

ولم تتمكن روسيا من تحقيق شيء إلا بعد تجزئة الملف السوري تحت عناوين مختلفة أبرزها خفض التصعيد الذي شمل اجتماعات آستانة واتفاق عمان الثلاثي بين روسيا والولايات المتحدة والأردن.

وتبع الاتفاق سيطرة روسيا مع النظام على درعا ومنطقة حوران، ثم إجراء مصالحات، وتهجير معارضين.

لكن الدلائل أظهرت أن ميليشيات إيران وحزب الله تشرف على تجارة المخدرات وأن روسيا غير ضامنة فعلياً لمكافحتها، ما أدى لمبادرة عربية.

يضيف الشوفي أن المؤشرات تدل على أن أطراف المبادرة رأت أنه يمكن التخلي عن بعض تجار المخدرات إذا تم تقديم معلومات مقابل عودة النظام لجامعة الدول العربية.

والضربات الأخيرة أظهرت وجود معلومات دقيقة تم تقديمها للأردن، “لكن التساؤل هو هل ستحارب الأردن بقتل المتورطين مع ترك المصنع ينتج دائما تجاراً جدد؟”

وكان الأردن قد أعلن بداية العام 2022عن تغييره قواعد الاشتباك لمواجهة تهريب المخدرات والأسلحة على حدوده مع سوريا، وذلك بعد مقتل ضابط وإصابة عسكريين آخرين له.

يشير “الشوفي” إلى أن إمكانية التدخل ضمن الأراضي السورية تمس سيادة الحكومة السورية ونفوذ روسيا، ما يعني وجود اتفاق أمني غير معلن.

ويلفت المحلل السياسي إلى أن لأبناء الجنوب السوري مصلحة في محاربة المخدرات كما الأردنيين، وما فعله أبناء السويداء ضد فصيل قوات الفجر كان مؤشراً هاماً لرفض أهالي المنطقة تجارة المخدرات.

وفي النتيجة، يعتقد الدكتور جمال الشوفي أن على الأردن والعمق العربي أن يدرك أنه لا حل لموضوع المخدرات والميليشيات الإيرانية والإرهاب إلا بحل سياسي جذري للمسألة السورية وفق القرارات الدولية التي تنص على انتقال سياسي يعيد سيادة الشعب السوري لتشكيل دولة استقرار وسلام.

اتفاقات طهران ودمشق

ويرى جمال درويش، وهو عضو الهيئة السياسية للعمل الوطني، أن تغيير قواعد الاشتباك كان يجب أن يتم باتفاق بين طرفي الحدود، لكنه تم من طرف واحد هو الأردن بعد أن أصبحت تجارة المخدرات عابرة لحدوده وباتجاه دول الخليج والدول العربية المجاورة.

ويقول، لنورث برس، إن “الانتفاضة في السويداء” باستطاعتها مشاركة الأردن في مكافحة آفة المخدرات، بعد أن لم تحقق لجان التنسيق الأردنية مع النظام لنتيجة.

وكانت اجتماع الأردن ومصر والسعودية والعراق وسوريا في عمان نيسان/ أبريل الماضي يهدف لبلورة مبادرة سياسية عربية تدعم بسط دمشق سلطتها على أراضيها وانتشالها من الحاضنة الإيرانية، والمطلوب بالمقابل من دمشق خطوات جادة لمكافحة تصنيع المخدرات.

وتم تشكيل فريق عمل سياسي وأمني، آنذاك، مهمته تحديد جهات مصادر تصنيع المخدرات وتهريبها والجهات التي تنظم تدير وتنفذ.

ويشير درويش إلى اصطدام المبادرة بالزيارات المتبادلة بين دمشق وطهران والاتفاقات المشتركة بينهما، ما تسبب بانتهاء المحادثات وتوقف عمل اللجنة.

ويعتقد أن ثقل الأوضاع في الحالة السورية يفوق قدرة السوريين على تحملها ويخلق أزمات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية بالغة الخطورة على البلاد والمنطقة والعالم.

ويعتبر أن أهالي السويداء لا يتحملون مسؤولية ملف المخدرات لأنهم لا يستطيعون مكافحتها وحدهم.

تحرير: حكيم أحمد