5 يونيو، 2026

أحمد طمليه

نجيب محفوظ (Getty) . أحمد طمليه .. ضفة ثالثة في الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر عام 1911 وُلد نجيب محفوظ في حيّ الجمالية بالقاهرة، ليغدو يوم مولده مناسبة تُستعاد ذكراها كل عام في أكثر من بلد عربي. منتدى شومان في عمّان أحيا قبل أيام ذكرى مولده بندوة متخصصة، توزعت محاورها على أكثر من جانب: علاقته بالتاريخ، بالتراث، بالمجتمع، باللغة، وباهتماماته الفكرية. وفي الحوار تشعّبت النقاشات في أكثر من اتجاه. نجيب محفوظ ظاهرة نادرة يصعب تكرارها في تاريخ الأدب العربي. أين يكمن سرّه الذي شغل العالم في حياته، واستمر بعد مماته؟ في هذا المقال محاولة للوقوف عند طقوسه في الكتابة، وبعض طباعه الشخصية، ففي هذا الجانب تحديدًا يتخفّى سر نجيب محفوظ؛ ذاك الذي جعل حياته اليومية نفسها مصدر إلهام، بعد أن شكّلت أعماله الإبداعية ذروة الإلهام. لعل أهم ما يُستخلص من طقوس صاحب نوبل في الكتابة، تجسيده لحقيقة أن الإبداع لا يكون إلا وفق نظام محدد وصارم، يلتزم به الكاتب إن أراد أن يكون لما يكتب شأن، أو إن أراد أن يُفرغ ما في مخيلته من حكايات تبهر القارئ بسحرها، رغم أنها – في كثير من الأحيان- تفاصيل يومية نعيشها ولا ننتبه إلى عمقها إلا حين نقرؤها بقلمه. وفق النظام الذي كان يعتمده، كان محفوظ يكتب مرتين في اليوم. بعد قيلولته يكتب ثم يقرأ. يقول في إحدى مقابلاته الصحافية: “أكتب أولًا، ثم أقرأ. إذا عكست الأمر، لن تتمكن من النوم، وستبقى مشغولًا بالفكرة التي شرعت في كتابتها”. وفي المرة الثانية، يكتب فجرًا، وجه الصبح، حيث تكون الفكرة طازجة، كأنها خرجت للتو من فرن الذهن. في الفجر يتشكل الندى على أوراق الشجر، تمامًا كما تولد الأفكار البكر. درس الدكتور زياد أبو لبن أعمال نجيب محفوظ، فكانت رسالته للماجستير حول المونولوج الداخلي، في ما تناولت أطروحته للدكتوراه الشخصية الشعبية في أعمال محفوظ. يقول أبو لبن: يتعامل نجيب محفوظ مع الكتابة بوصفها طقسًا يوميًا صارمًا لا يقبل المزاج ولا التسويف، أشبه بالعبادة الهادئة. كان يبدأ يومه في ساعات الصباح الأولى بعد إفطار خفيف، حيث تكون الروح صافية والعقل متيقظًا. يجلس إلى مكتبه البسيط، بلا بهرجة ولا أدوات معقّدة، مؤمنًا بأن الفكرة هي جوهر الإبداع لا ما يحيط بها. يكتب بانتظام، محددًا عددًا من الصفحات يلتزم به مهما كانت الظروف. لم يكن ينتظر الإلهام، بل كان يرى فيه ثمرة الانضباط. يكتب بالقلم على الورق، في علاقة حميمة بين اليد والفكرة، وكان الصمت شرطه الأول. بعد الكتابة، يخرج إلى المقهى أو يتمشّى، كأنما يترك نصه يتنفس بعيدًا عنه. هذه الطقوس الصارمة صنعت مشروعه الروائي المتماسك، وجعلت من الكتابة لديه فعل حياة لا هواية عابرة. إذا كان ما ورد يشكل جانبًا من طقوس نجيب محفوظ في الكتابة، فماذا عنه كشخص؟ كيف كان يدير حياته؟ لعل بعض الإشارات بعد فوزه بنوبل تكشف عن هويته الإنسانية بوضوح. حدّثني الناقد الدكتور فيصل درّاج أنه بعد فوزه بالجائزة العالمية الكبرى، كان يأتيه من يستدين منه لسدّ حاجته. “النص سجن، حالة من العزلة يعيشها...