واسم سورية جغرافي وتاريخي عريق، تتعدد الآراء حول أصله، حيث يرى البعض أنه كلداني “سوبرتو” أو آشوري “أسورية أو آثوريا” لكن الكثير من الباحثين يُرجعونه إلى السريانية بمعنى الأرض السيدة وأصلها “سريت”، وقد سمي سكانها قديمًا “سريانا” أو “سوريين”.
أما دمشق العاصمة فقد أطلق الآراميون عليها تسمية “درمسق” وهي الأرض المزهرة أو الحديقة الغنّاء، كما سماها السريانيون “درمسوق” أي الدار المروية لكثرة ينابيع حواريها وغوطتها، بينما سماها الرومانيون “دومسكس” أي المسك المضاعف، وتحول الاسم ليصبح فيما بعد “دومشق” ثم “دمشق” وعُرفت بـ “دامسكو” أيضًا المكان الوافر بالمياه. ويقال إنها سميت “الشام” نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام، وتُعرف بأسماء أخرى مختلفة مثل: الفيحاء- جُلّق- شام الدنيا ودرة الشرق، وهي أقدم المدن المأهولة بالسكان بالعالم، وفيها معالم تاريخية وأثرية هامة منها: بيمارستانات- جوامع- كنائس- مدارس- مكتبات تاريخية- أبواب وحمامات وقصور.
تتعدد الروايات التاريخية واللغوية أيضًا حول أصل تسمية مدينة حلب، الذي يعود لحضارات متعاقبة، ومنها أن التسمية مشتّقة من كلمة “حلبا” المُعرّبة ذات الأصل السرياني وتعني المدينة البيضاء نسبة إلى حجارتها الكلسية وتربتها، وأنها تتكون من مقطعين هما “حل” المحل و”لُب” التجمّع ليصبح المعنى مكان تجمع وتمركز الناس، كما ذكر الباحث خير الدين الأسدي، إضافة إلى أن اسمها أطلقه العموريون في الألف الثانية قبل الميلاد، وكان يعني حينها معادن النحاس، لغنى المنطقة بهذه الثروات. ارتبط أيضًا بالأسطورة الشعبية الشهيرة التي تروي أن النبي إبراهيم عليه السلام مرّ بالمدينة وحطّ رحاله على قلعتها، وكان يحلب بقرته الشهباء فيها ويوزع الحليب على الفقراء، ومن هنا عُرفت بـ “حلب الشهباء”. وقيل إن اسمها ينحدر من أصل سامي قديم قُصد به وصف معبد لإله العاصفة “حدد” في الشرق الأدنى. وحلب عاصمة سورية الاقتصادية تشتهر بمعالمها الشاهدة على الحضارات المتعاقبة والتي تتركز في المدينة القديمة المُدرجة على قائمة “اليونسكو” للتراث العالمي مثل: القلعة الشهيرة- الجامع الأموي الكبير- الأسواق القديمة- الأبواب التاريخية والمعابد.
| نواعير حماة (Getty) |
هناك تسميات لمدن أخرى تعود في الأصل إلى الآرامية والكنعانية القديمة ومنها حماة التي كان يُطلق عليها “حمث” وتعني الحصن أو القلعة، نسبة إلى قلعتها التي كانت تحمي المدينة، ويُقال في بعض الروايات التاريخية إن الاسم يعود لأول ملك آرامي حكمها وكان يُدعى “حام”، بينما تذهب أساطير أخرى إلى أن اسمها مأخوذ من اسم “حام” ابن النبي نوح عليه السلام. عُرفت أيضًا باسم “أبيفانيا” في العصر السلوقي نسبة للإمبراطور “أبيفانيوس”. تشتهر بـ “مدينة أبي الفداء” نسبة للملك الأيوبي والعالم “عماد الدين إسماعيل بن علي” المعروف بهذا اللقب، و”مدينة النواعير” نظرًا لانفرادها عن بقية مدن العالم بنواعيرها العملاقة على ضفاف نهر العاصي التي تنشر النماء والخصوبة والحياة. تأسرك أحياؤها القديمة التي تحفظ أطياف المؤرخ والعالم الجغرافي ياقوت الحموي، وابن واصل أحد أبرز أعلام العصر الأيوبي والمملوكي الذي وُلد وتُوفي فيها. تشتهر بقلعتها الأثرية وقصر العظم والجامع الأعلى الكبير ومدينة أفاميا التاريخية في ريفها.
نتجه لجارتها حمص، المدينة التي يعود اسمها إلى أصول ومعانٍ ارتبطت بتاريخها العريق وجغرافيتها وأبرزها: “إيميسا” وهو الاسم اليوناني القديم للمدينة في العصر الروماني، مشتّق من اسم قبيلة عربية قديمة تُدعى “إميسينوي” التي استقرت وحكمت المنطقة، “هوميسوس” ويعني أرض الحجارة السوداء لارتباطه بطبيعة حجارتها البازلتية، وهناك فرضية تقول إن الاسم يعود إلى الملك العموري “حمص” ومعنى هذا الاسم بالآرامية “الأرض اللينة” نظرًا لوقوعها في منطقة سهلية خصبة. لُقبت تاريخيًا بـ “أم الحجار السود” و “حمص العدية” نسبة إلى أهلها المعروفين بالجرأة والشهامة، وسُميت “مدينة ابن الوليد” لاحتضانها رفات الصحابي الجليل خالد بن الوليد. تقع على الضفة الشرقية لنهر العاصي، وتُعتبر مركزًا سياحيًا هامًا لغناها بالمواقع الأثرية مثل “قلعة الحصن” المدرجة على لائحة التراث العالمي، وكنيسة “أم الزنار” أقدم الكنائس التاريخية في العالم، وجامع “خالد بن الوليد”، إضافة إلى مدينة تدمر الأثرية المعروفة باسم “عروس الصحراء” وتضم معابد تاريخية ضخمة مثل: معبد بل والأعمدة الطويلة والمسرح الروماني والمدافن البرجية، وكلمة تدمر مشتّقة من اللغة الآرامية-السريانية “تدمورتا” وتعني المعجزة العجيبة أو “الآية” نظرًا لجمالها المعماري وواحاتها الفريدة وسط الصحراء، وتشير بعض التفسيرات إلى أن الاسم مشتّق من الفعل “دمر” في لغات الجزيرة العربية القديمة، وقد أطلق الإغريق والرومان عليها اسم “بالميرا” وهو مشتّق من كلمة النخيل لوفرة غابات النخيل الكثيفة المحيطة بها.
منها ننتقل إلى مدينة اللاذقية في الساحل السوري، التي أُطلق الاسم عليها كما تقول بعض الروايات نسبة إلى القائد المقدوني “سلوقس نيكاتور” الذي أسسها في القرن الرابع قبل الميلاد تكريمًا لأمه “لاوديسيا”. أطلق عليها الفينيقيون اسم “أوغاريت” وسميت “شمرا” و”يارموتا” و”راميتا” بمعنى المرتفعة، أما سكانها المحليون فقد سموها “مزبدا” أي زبد البحر، وفي العهد الروماني أطلق عليها يوليوس قيصر “جوليا”. وتؤكد بعض المصادر أنها سميت “لاذقية الشام” في أثناء الحكم الأموي. تُلقب بـ “عروس الساحل السوري”، يعود تاريخها لآلاف السنين، تجمع بين عبق الحضارات وسحر الطبيعة، وتحتضن بالقرب منها “مملكة أوغاريت” مهد أقدم أبجدية بالتاريخ، تشتهر بشواطئها الخلابة ومعالمها الأثرية وأسواقها العتيقة وكهوفها ومغاورها وقلعتها “قلعة صلاح الدين الأيوبي”.
ليس ببعيد عنها تقع مدينة طرطوس، التي يعود أصل تسميتها إلى الكلمة الفينيقية “أنترادوس” والتي تعني البر المقابل لجزيرة أرواد، وقد تطورت التسمية عبر مراحل تاريخية متعددة، ففي العصر البيزنطي تم تحريف الاسم من “أنترادوس” إلى “طرطوسا” وفي العهد العربي الإسلامي أصبحت تُعرف بـ “أنطرطوس”، فيها آثار فينيقية ورومانية وبيزنطية وصليبية منها: مدينة عمريت وجزيرة أرواد.
بالانتقال إلى جنوب البلاد تستوقفنا درعا التي سُميت بهذا الاسم نسبة إلى جذورها الكنعانية القديمة. عُرفت باسم “إذرعات” أو “أذرعي” أو “أدريعي” وتعني الحصن والملاذ، أطلق عليها الآراميون “دررها” التي تشير إلى وفرة الخيرات وخصوبة الأرض. تشتهر المحافظة بأنها غنية بالآثار الرومانية والبيزنطية والإسلامية، ومنها: مدينة بصرى الشام المدرجة على قائمة التراث العالمي: المسرح الروماني- القلعة- الحمامات- الجامع العمري وكنيسة مار جرجس ومدافن وقصور حجرية.
| قلعة حلب (Getty) |
إلى جوارها تقع محافظة السويداء التي سُميت بهذا الاسم نسبة إلى لون حجارتها وتربتها البركانية السوداء الداكنة، أصلها “سوادة”، وعُرفت تاريخيًا باسم “سودا” لدى الأنباط، و”جبل الريان” لدى المسلمين، وفيها مواقع أثرية عديدة تعود للعصور الرومانية والنبطية واليونانية.
أما اسم القنيطرة فهو يعني “الجسر الصغير” أو “القنطرة الصغيرة” ويُطلق على عدة مدن ومناطق في الوطن العربي، ويعود سبب التسمية لوجود قنطرة وجسر قديم كانت تعبر فوقه القوافل التجارية في المنطقة، تُعتبر قلب هضبة الجولان المحتل، مدينة استراتيجية وتاريخية هامة، تُعد الجسر الطبيعي بين سورية ولبنان وفلسطين والأردن، وتشتهر بثروتها المائية، وهذا ما جعلها ساحة صراع دائم، ومطمعًا للاحتلال الإسرائيلي الذي قام بتدميرها، فيها العديد من القلاع والخانات الأثرية والحمامات المعدنية والمدينة القديمة.
هناك مدن سُميت باسمها نسبة لطبيعتها الجغرافية وارتباطها بأحداث وشخصيات معروفة منها مدينة الرقة التي يعني اسمها في اللغة “الأرض المنبسطة أو الرطبة” وتشير بعض الدراسات إلى أنه مشتّق من “الرقاق” أي الأراضي الناعمة، ويُنسب إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي اتخذها مصيفًا له، وشهدت ازدهارًا كبيرًا في عهده. سميت قبل الفتح الإسلامي بـ “البيضاء”، وأُطلق عليها لقب “درة الفرات”، اشتُهرت بآثارها التي تُعتبر كنزًا تاريخيًا ومنها: قصر البنات- الجامع الكبير- سور الرقة الدائري والمتحف.
أما تسمية مدينة إدلب فجاءت مشتّقة من كلمتين “أدد” و “لب” لتصبح “مركز أدد” إله العاصفة والرعد، وتقول التفسيرات التاريخية إنها مشتّقة من “إدليبو” الآرامية، وتعني مكان تجميع وتسويق المحاصيل، وأنها تطورت أيضًا من “دير دلبين” السرياني إلى “دير لب”، ونتيجة لتطورها في فترات لاحقة عُرفت بـ “إدليب الصغرى”، تضم العديد من المدن المهجورة والتلال الأثرية: إيبلا والمدن المنسية، وتلقب بـ “إدلب الخضراء” نتيجة لخصوبتها وكثرة أشجار الزيتون فيها.
وإلى الجنوب الشرقي منها تقع محافظة دير الزور التي يعود اسمها إلى وجود الرهبان فيها قبل الفتح الإسلامي وهو ما يفسر كلمة “دير” أما “الزور” فتشير إلى الأراضي الخصبة والمنخفضة الواقعة على ضفاف الفرات، عُرفت باسم “دير الرمان” و “دير البصير” بالعصر الأموي، ومرت بأسماء عديدة عبر العصور. تضم آثارًا تعود لآلاف السنين منها: مملكة ماري- قلعة الرحبة- حلبيا وزلبيا والمتحف المعروف فيها.
هناك مدن أخرى كثيرة غارقة في القدم تحمل أسماؤها معنى المكان المأهول والنابض بالحياة مثل “كفرنبل” أي قرية النُبل و”معرة النعمان” بمعنى الكهف أو المغارة و “بنّش” بمعنى بيت العائلة، و “داريا” بمعنى البيوت الكثيرة أو المساكن و”دوما” الذي يعود إلى اللغة الرومانية ويعني الراحة والهدوء.
تغيرت المدن والبلدات السورية عبر الزمن، وتعرضت في السنوات الأخيرة للتدمير الممنهج، فقدت بعض ملامحها ومواقعها التاريخية العريقة، لكنها بجذورها الضاربة في عمق التاريخ والذاكرة والهوية بقيت حاضرة بأسمائها وأوجاعها وحكاياتها وهمّة أبنائها وإصرارهم على الحياة والنهوض والإعمار من جديد.
المراجع:
- معجم أسماء المدن والقرى في سورية.
- بوابة سورية.
- مواقع إلكترونية.