ساطع نورالدين.. كاتب وباحث لبناني
واقعة تلال علي الطاهر وأنفاقها، كانت وستبقى واحدة من أغرب وقائع الحرب الإسرائيلية، وأكثرها خداعاً، من جانب العدو الذي صادر رواية تلك المواجهة، المزيفة، وأجبر حزب الله على الالتزام بالتكتم الشديد، وتجنب القول أنه يقاوم، أو أنه ينهزم، في معركة.. يبدو أنها لم تكن مشتعلة من الأساس على تلك الجبهة بالذات، وربما لن تكون نهايتها، التي أعلنها رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، حقيقية أصلا.
إخترع العدو التلال كنقطة إشتباك مهمة مع حزب الله، وظل طوال شهرين يقاتل أشباحاً ما عادوا يظهرون في ذلك الموقع منذ أن سقطت قلعة الشقيف القريبة، قبل شهرين، إما لاستحالة القدرة على القتال، أو حتى على التموين والتخزين، في شبكة إنفاق معقدة..لا تزال تمثل حسب الخبراء سقطة مريعة لاستراتيجية الحزب القتالية، في مواجهة عدو يمكن ان يصل الى مداخل تلك الانفاق خلال دقائق، مثلما كان عليه الامر في قطاع غزة.
الرواية الإسرائيلية لا تزال مبتسرة، منافقة الى حد بعيد: إعلان نهاية التهديد الذي كانت تمثله الأنفاق، لم يدعم من قبل نتنياهو بأي صور او فيديوهات توثق الحدث وتثبته، وتعرض على الأقل أسلحة أو جثثاً من الاشتباكات السابقة، التي يشك كثيرون أنها حصلت في ذلك الموقع، بالذات، وقبله في قلعة الشقيف التي أعلنت إسرائيل إنتزاعها من مقاتلي حزب الله، بينما كانت مختلف المصادر اللبنانية والدولية وحتى الإسرائيلية تنفي حصول معركة في القلعة.. وهي الان تنفي حصول معركة علي الطاهر في الأصل، وتسخر من الإعلان الإسرائيلي بان الحزب أطلق قبل يومين بالذات مسيّرتين من المكان!
لولا “الهبل” الإيراني الذي رافق تلك الرواية الإسرائيلية عن معركة علي الطاهر وساهم في تحويلها الى ملحمة بطولية للمقاومة، حسب رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي تجلى “نبوغه” المفرط، عندما كشف الأسبوع الماضي أنه على إتصال يومي مع مقاتلي الحزب داخل أنفاق علي الطاهر، ما عزز اللغط الإسرائيلي عن وجود مقاتلين من الحرس الثوري الإيراني في الموقع..علما بأنهم سحبوا من الجنوب بعد أول غارة على مدينة صور!
ما هي الخدعة الإسرائيلية؟ متى، وأين؟ أنفاق علي الطاهر منطقة تجريبية لا تدخل في المناطق التجريبية التي وعد بها اتفاق الاطار الثلاثي، المتعثر حالياً، ليس لدواعٍ عسكرية تفترض مثلا عودة خطر المقاومة ولو بالحد الأدنى الى تلك المناطق، ولا لإعتبارات سياسية تتعلق بالأساليب والأدوات المستخدمة في المواجهة مع إيران.. التي لا تزال إسرائيل مستبعدة عنها حتى الآن، في واحدة من أغرب وأسوأ السلوكيات العسكرية الإيرانية، حتى ولو كانت خلفيتها المزعومة هي تفادي التأثير في مجريات المعركة الانتخابية في إسرائيل!
أنهت إسرائيل من جانب واحد معركة أنفاق علي الطاهر، ومعها الحظر على ملف الاسرى اللبنانيين في سجونها. هي بذلك تتحاور وتفاوض واشنطن، ولا تقدم أي هدية او “تنازل” للبنان ووفده المفاوض. وهي لا تبقي نفسها بمنأى عن تجدد سقوط الصواريخ والمسيرات الإيرانية على مدنها ومستوطناتها، حتى ولو صدحت بعض الرؤوس الإيرانية الحامية بالقول عن إسرائيل إستجابت في علي الطاهر وملف الاسرى لتهديدات او ضغوط إيرانية ما لم يسمع بها أحد حتى الآن.
ثمة حاجة الى أكثر من خبير عسكري لفهم ما جرى في تلال علي الطاهر، منذ بدء معركتها المفترضة، التي لم تدم أكثر من معركة قلعة الشقيف، وحتى اليوم الذي أخرجتها إسرائيل من التداول، بعدما نجحت في تحويلها الى هامش للحرب مع إيران، وهامش للسلم مع لبنان.
بيروت في 4 / 9 / 2026