قبل أيام قليلة مرَّت الذكرى السنوية الأولى لرحيل صنع الله إبراهيم، عام شديد السرعة على واحد من أهم الأحداث الثقافية العربية. صنع الله الذي لا يخفى على أي مهتم حجم تأثيره، ليس فقط كأحد أبرز الأصوات الأدبية في جيل الستينيات ومرحلة ما بعد نجيب محفوظ، ولكن أيضًا كأحد أكثر الأدباء تأثيرًا على المسافة بين الثقافي والسياسي لسنوات ممتدة، إن لم يكن أكثر المؤثرين على الإطلاق في هذه المسافة بين الروائيين المصريين.
وبينما ثمة مفارقة أن شهر رحيل صنع الله هو نفسه شهر ميلاده، اختارت الأسرة مع عدد من أصدقاء ومحبي الكاتب الكبير إحياء ذكرى الميلاد وليس الرحيل، واختيار اليوم للإعلان عن الدعوة لتدشين “جائزة صنع الله إبراهيم للرواية العربية”، وذلك “تكريمًا لاسمه وإيمانًا بأن إرثه الفكري والأخلاقي والإبداعي يستحق أن يظل حاضرًا وفاعلًا في المشهد الثقافي العربي، وتخليدًا لذكراه ووفاءً للقيم التي آمن بها وجسَّدها”.
وفي دعوة إلى جلسة محدودة كنت محظوظًا بحضورها، التقى عدد من أبرز مثقفي مصر بين أجيال مختلفة ومجالات ثقافية متنوعة، بينهم: الدكتور محمد أبو الغار والدكتور محمد بدوي والدكتورة سامية محرز، بما للثلاثة من علاقة كبيرة بصنع الله أدبيًا وشخصيًا، وبما لديهم من خبرة كبيرة في مجال الجوائز الأدبية. حضر اللقاء أيضًا المخرج الكبير مجدي أحمد علي والكتَّاب والشعراء سعد القرش وإبراهيم عبد الفتاح ويحيى وجدي ومحمد خير وعمر قناوي، فضلًا عن المنتج السينمائي معتز عبد الفتاح والدكتورة نادية الجندي والدكتور عادل عوض عن أسرة صنع الله إبراهيم.
احتشد اللقاء بمناقشات حول الخطوط العريضة للشكل المأمول لجائزة عربية تحمل اسم صنع الله إبراهيم، وانتهت هذه المناقشات إلى رسم سمات عامة، من بينها أن الجائزة، التي تمنح سنويًا لرواية عربية في ذكرى ميلاد صنع الله “احتفاءً بإسهامه الاستثنائي في الرواية العربية وتقديرًا للقيم الفكرية والإنسانية التي مثَّلها وجعلها جزءًا أصيلًا من مشروعه الأدبي”.
ولكي تحمل من سمات وروح صاحبها، سيعتمد تمويلها على إنشاء صندوق مالي يقوم على مساهمات محبي صنع الله إبراهيم من خلال تبرعات فردية “ترسيخًا لفكرة التمويل التشاركي التي تحول دون ارتباط الجائزة بتمويل شخص أو مؤسسة بعينها، وتكفل لها الاستقلال والاستمرارية”. يضيف بيان خرج عن اللقاء أنه “عقب استكمال المبلغ المستهدف لتغطية نفقات الجائزة، سيُعلن عن تشكيل مجلس الأمناء، يتولى وضع الإطار العام للجائزة، واختيار لجنة التحكيم والإشراف على جميع الإجراءات المتعلقة بها، بدءًا من فتح باب الترشح واستقبال الأعمال، وصولًا إلى إعلان الفائزين”.
بطبيعة الحال لم يخرج اللقاء بتحديد تفاصيل تنظيم الجائزة تاركًا إياها لما بعد تشكيل مجلس الأمناء، وهي فرصة لأن يأمل المرء في بعض الملامح التي يطمح أن تتوفر في جائزة أدبية عربية، ذلك أنه بعيدًا عن الملامح العامة التي يحرص محبو صنع الله إبراهيم على تواجدها في جائزة ترتبط باسمه والتي تتعلق بنصاعة السمعة في المقام الأول، هناك ملامح فنية لا تتعلق بالنزاهة تفتقدها أغلب الجوائز العربية، وربما أن موضوع هذه السطور يعد مناسبة لبعض الملاحظات الفنية من ناحية وأملًا في ألا تقع جائزة صنع الله إبراهيم في الفخ نفسه من ناحية أخرى، مثل وضع القائمين على الجوائز عددًا من الاعتبارات غير الفنية في شروط التقدم. على سبيل المثال أن غالبية إن لم يكن كل الجوائز العربية المعروفة تشترط على العمل المتقدم إليها ألا يكون قد تقدم أو حصل على جائزة أخرى، وهو شرط فيما أتصور لا يحمل أي معيار أدبي أو فني، حتى لو كان نبيل النية ويهدف إلى إعطاء فرصة لمن لم يفز بجائزة أن يفوز بالأخرى، فضلًا عن كونه يضعنا أمام سؤال حول: هل يُعاقب الكاتب على أن عمله من الوارد أن يحوز إعجاب أكثر من لجنة تحكيم في أكثر من جائزة، أم أنه أمر يُحسب للكاتب؟ هل يجوز إعطاء فرصة لعمل على حساب عمل لمجرد أن الثاني سبق له الفوز بجائزة؟ هي حسبة حسنة النية، إلا أنها لا تحمل أي شكل للموضوعية أو الحسابات الفنية. أفكار مثل هذه وغيرها تراود الواحد بينما يفكر في الأمر، وذلك عطفًا على الاطمئنان إلى أن باقي النواحي المتعلقة بنصاعة السمعة محفوظة تمامًا لدى القائمين على جائزة باسم صنع الله إبراهيم.
| اختارت الأسرة مع عدد من أصدقاء ومحبي الكاتب الكبير إحياء ذكرى الميلاد وليس الرحيل، واختيار اليوم للإعلان عن الدعوة لتدشين جائزة صنع الله إبراهيم للرواية العربية |
وبالعودة لمرور عام على رحيل الكاتب المتفرد، تتداعى إلى الذهن أيامه الأخيرة كأنها كانت بالأمس، وكيف قدَّم في مرضه درسًا أخيرًا في الكرامة والرفض، فبينما كان يرقد، في الثامنة والثمانين من العمر، يتطلب علاجه تكاليف باهظة، رفض ورفضت أسرته أية مساعدات من المحبين الذين عرضوا المساعدة، فيما استجاب فقط لتدخل مجلس الوزراء المصري الذي كان قد استجاب بدوره لمناشدات الأصدقاء. ظل رقمًا كبيرًا في الثقافة العربية، يحاط بالاهتمام والجدل بشرف وقيمة في كل ما يخصه، حين خاض في النشاط السياسي، وحين كتب رواياته المهمة فنيًا وثقافيًا وسياسيًا، وحين أعلن رفضه مرات قولًا وكتابةً، وحين كان موضوعيًا في تقييم أنظمة الحكم، وحين ناصر الثورة، وحين مرض.
وربما ليس مبالغة القول إن صنع الله إبراهيم كان آخر الأسماء شديدة الثقل بين أبناء جيله، الجيل الأكثر تأثيرًا في الثقافة العربية لأسباب يحتاج الخوض فيها إلى مساحة مختلفة، لكن تحضرني فقرة مكثفة كان قد ذكرها الكاتب الراحل سعيد الكفراوي في حوار قديم مع “ضفة ثالثة”، وهي من أبلغ ما يعبِّر عن ملامح نشأة جيل الستينيات، وبطبيعة الحال لا يستقيم الكلام في هذا المنحى بدون الإشارة لصنع الله بين أبرز المشكِّلين لوجوه الجيل، يقول سعيد الكفراوي:
“كنا نحمل في وعينا حلم تغيير العالم. كانت هزيمة حزيران/ يونيو 67 قد حدثت. وكان بعض أفراد هذا الجيل قد تنبأوا بواقعها قبل أن تقع. كتب صنع الله إبراهيم ‘تلك الرائحة’، ونشر أمل دنقل قصائد من ديوانه ‘البكاء بين يدي زرقاء اليمامة’، وأنجز محمد عفيفي مطر قصائد ديوانه ‘النهر يلبس الأقنعة’، ولقد أوفى هذا الجيل بالعهد، بإبداعه الذي شارك في خلق ذائقة جديدة واكبت رؤى الإبداع المصري الذي عاش حقب الزعماء، وزمن المعتقلات، والصلح مع العدو، وصعود تيارات الإسلام السياسي، ومشاريع الانفتاح الاقتصادي، ثم هجرة المصريين إلى الخارج، مثلما حدث في الزمن العثماني. وعبر ما حققته نصوص هذا الجيل، وما أبدعه من تخييل، سيظل علامة فارقة في تاريخ الثقافة المصرية”.
وبينما صار صنع الله إبراهيم أحد ألمع الأسماء الأدبية بين كتاب الستينيات، صار على وجه آخر أحد أبرز النماذج لنوعية الكتاب الذين ارتبطوا كتابةً وفعلًا بالنشاط السياسي بشكل مباشر، أو فيما يعرف بالمثقف العضوي، إن لم يكن أبرز هذه النماذج في مرحلته الزمنية، غير أن أهم ما في هذا الشأن أن كتابة صنع الله إبراهيم، المشغولة بالسياسة، جاءت أهميتها من كونها لم تفقد أبعادها الفنية لصالح الخطابة السياسية أو الإصلاحية المباشرة، بل إنها تعبِّر عن حالة نادرة، حيث التكوين الثقافي لبدايات صنع الله الذي شكَّل مشواره الأدبي، جاء من قلب المعايشة سنوات لحياة أدبية وفكرية سياسية مغلقة داخل سجن الواحات الذي دخله شابًا، وعاش بداخله مع كبار مثقفي مصر وقتها، منهم: فؤاد حداد، محمد خليل قاسم، محمود أمين العالم، عبد العظيم أنيس، مجدي نجيب، كمال القلش، محمد عمارة، عبد الحكيم قاسم، سمير عبد الباقي، محمد حمام، وغيرهم من أصحاب الشأن الفكري والثقافي والسياسي، وهي الفترة التي أصدر عنها كتابه الفاتن والقاسي “يوميات الواحات”، الذي يمكننا من خلاله فهم كيف أصبحت السياسة هي العالم الفني لأسئلة صنع الله إبراهيم الإنسانية. يقول: “السجن هو جامعتي، ففيه عايشت القهر والموت، ورأيت بعض الوجوه النادرة للإنسان، وتعلمت الكثير عن عالمه الداخلي وحياته المتنوعة، ومارست الاستبطان والتأمل، وقرأت في مجالات متباينة، وفيه أيضًا قررت أن أكون كاتبًا”.
خرج صنع الله إبراهيم من المعتقل وشرع في كتابة روايته الأولى وعرض مخطوطها على يوسف إدريس الذي وجد فيها أنها ستكون علامة جديدة في تاريخ الأدب المصري. ويحكي الناقد محمد بدوي أن عنوانها الأول كان “تلك الرائحة النتنة”، بينما نصحه يوسف إدريس بأن يكتفي بـ”تلك الرائحة”، ونُشرت الرواية في 1966 أي قبل عام من هزيمة حزيران/ يونيو 1967، لتصوِّر وتسجِّل روائح ما هو سيء في المحيط العام بعين البطل الخارج لتوه من المعتقل السياسي. وبينما احتفى يوسف إدريس بالرواية، وكتب مقدمة طبعتها الأولى، تأفف منها يحيى حقي بشدة، وكتب مقالًا شهيرًا صبَّ فيه سخطًا حادًا على العمل وكاتبه، متحفظًا شديد التحفظ على التصوير الحاد واللغة الجارحة التي اعتبرها فجة، خصوصًا في تعامل البطل مع حياته الجنسية.
بعد رحيل صنع الله إبراهيم، أصدرت “دار الثقافة الجديدة”، بالتزامن مع حفل تأبينه، كتاب “صنع الله إبراهيم في مرايا محبيه”، الذي ضم شهادات عنه من أدباء مصريين وعرب، فضلًا عن بعض المستعربين. يومها، وضمن فعاليات حفل التأبين، عرضت الأسرة مقطعًا للحظة التاريخية التي رفض فيها صنع الله جائزة ملتقى القاهرة للرواية العربية، وكما ارتجت القاعة يومها بالتصفيق مرتين، مرة حين أُعلن فوزه، ومرة حين أعلن رفضه الجائزة، ارتجت قاعة نقابة الصحافيين للمرة الثالثة بعدما ألقاها في الفيديو، أتذكر تلك الليلة وأتخيل أن تصفيقًا مماثلًا قد يرجُّ قاعة جديدة يوم إعلان اسم الفائز بالدورة الأولى لجائزة صنع الله إبراهيم للرواية العربية، فيما صورة كبيرة لصاحب “شرف” في خلفية مسرح الحفل.