جانبلات شكاي
دمشق / القدس العربي:
استبعدت مصادر مسؤولة في “مجلس سوريا الديمقراطية – مسد”، أن يتم الإعلان صراحة عن حلّ “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” خلال الفترة القريبة المقبلة، مؤكدة في تصريح لـ”القدس العربي” أن الأمر سينحو باتجاه الإعلان عن إنجاز اندماج كامل لهذه القوات ضمن صفوف الجيش السوري، بعد الاتفاق على مصير كل من قائد “قسد”، مظلوم عبدي، ورئيس دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، إلهام أحمد، ضمن مؤسسات الدولة السورية، وبعد إنجاز دمج ما تبقى من عناصر لـ”قسد” ضمن هيكلية وزارة الدفاع السورية.
وخرجت مواقف، خلال اليومين الماضيين، من أكثر من مسؤول ضمن صفوف “قسد”، على قرب إعلان إنجاز الدمج، وربما قبل نهاية الشهر الجاري، لكن مصادر حقوقية في الحسكة أوضحت لـ”القدس العربي” أن الوضع على الأرض يختلف جذرياً عما يتم التصريح به، بحيث إن السيطرة ما زالت شبه مطلقة لـ”قسد”، واندماج بعد الإدارات لا يتعدى كونه شكلياً.
الحل خلال شهر
ولاستكمال تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير الموقع بين الحكومة السورية و”قسد”، استقبل الرئيس السوري، أحمد الشرع، بحضور وزير الخارجية والمغتربين، أسعد الشيباني، في الرابع من آب/ أغسطس الجاري، مظلوم عبدي وإلهام أحمد، وبدأت لاحقاً تظهر أنباء متفائلة تجاه اقتراب إنجاز دمج “قسد” في وزارة الدفاع السورية، و”الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة السورية، وكان من أول من أشار للأمر معاون وزير الدفاع للمنطقة الشرقية والقيادي البارز في “قسد”، سيبان حمو، حيث أعلن في تصريحات صحافية له أن “الحكومة السورية الجديدة هي من ستدير كل شؤون الدولة السياسية والإدارية والعسكرية في المناطق الشرقية في سوريا، ولا يصح أن تبقى إدارتان متوازيتان مما قد يسبب الكثير من المشاكل”، موضحاً أنه “وخلال أيام قليلة سيتم الإعلان بشكل رسمي عن حل الإدارة الذاتية واندماج قوات “قسد” في الجيش السوري بشكل تام، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة يتم من خلالها بناء دولة يشعر فيها جميع السوريين أن لهم دوراً فيها”.
بدوره، أعلن قائد لواء عين العرب (كوباني) في الجيش السوري والمسؤول في “قوات سوريا الديمقراطية” في المدينة، محمود برخودان، أن الإعلان عن حل “وحدات حماية الشعب” و”قسد”، وإنهاء بنية “الإدارة الذاتية”، سيتم خلال الأيام القليلة المقبلة، مشيراً إلى أن عملية دمج “قسد” مع الجيش السوري اكتملت “من الناحية النظرية”، بينما لا تزال بعض الملفات العالقة قيد البحث.
وقال برخودان، في لقاء نشرته “صحيفة تركيا” الأحد، إن عملية الاندماج بين “قسد” والجيش السوري تجاوزت، بحسب تقديره، 99% من العقبات، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على “جيش واحد ودولة واحدة وعلم واحد ووطن مشترك”، مؤكداً أنه ليس للكرد “مطالبة بدولة منفصلة”.
كما توقع عضو مجلس الشعب السوري وعضو الفريق الرئاسي المكلف بدمج “قسد”، مصطفى عبدي، في تصريح له الأحد، أن يتم حل “قسد” و”وحدات حماية الشعب”، قريباً، وقبل آخر هذا الشهر.
اندماج وليس حلاً
وربط نائب الرئاسة المشتركة في “مجلس سوريا الديمقراطية- مسد”، علي رحمون، بين إنجاز بعض الملفات العالقة وموعد الإعلان عن إنجاز الدمج، مستبعداً أن يتم الإعلان عن حل “قسد” وإنما الإعلان عن اندماجها مع الجيش السوري، وقال في تصريح لـ”القدس العربي” إنه عندما يتم استكمال اندماج “قسد” ضمن الجيش السوري فلن يبقى حينها شيء اسمه “قسد”، والمقترح الذي قدمه عبدي في اللقاء الأخير هو أن يتم الأمر من دون الإعلان عن ذلك في مؤتمر صحافي أو ما شابه، باعتبار أنه عندما يتم إنجاز الاندماج الكامل فلن يكون لموضوع حلّ “قسد” أي معنى، باعتبارها لم تحلّ وإنما تم دمجها.
وأوضح رحمون أن المفاوضات بداية كانت على أن يتم استيعاب خمسة ألوية من “قسد” ضمن صفوف الجيش السوري، وبما يقدر بنحو 10 آلاف عنصر، لكن المنضمين لـ”قسد” أعدادهم أكثر من ذلك، فجرى النقاش في آخر لقاء، عن مصير المتبقين، وضرورة دمجهم ضمن صفوف الجيش كضمانة لهم وعدم تحولهم إلى فصائل غير شرعية خارجة عن القانون بعد إنجاز الضم، وعلى ذلك تم رفع أسمائهم لوزارة الدفاع، تمهيداً لضمهم.
وشرح رحمون أن آليات دمج “قسد” ستكون مشابهة لآليات دمج الفصائل الثورية التي شكلت نواة الجيش السوري الجديد بعد “مؤتمر النصر”، حيث جرى حينها الإعلان عن حلّ هذه الفصائل ودمجها في الجيش لكنها حافظت على هيكليتها الإدارية وسلم مناصبها القيادية وتبعية عناصرها، بحيث تحول، حينها على سبيل المثال، محمد الجاسم الملقب بأبو عمشة، من قائد لـ”فرقة السلطان سليمان شاه” إلى قائد للفرقة 62 ضم الجيش السوري.
وذكر رحمون بأن “قسد” كانت تتشكل سابقاً من خليط من القوميات، لكن معظم عناصرها من العرب تركوها اليوم ولم يتبق سوى الكرد والسريان، معبراً عن قناعته بأن الإدارة الأمريكية ستبقى تقدم الدعم المالي لـ”قسد” حتى الإعلان النهائي عن انتهاء الدمج، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الميزانية مقرة حتى نهاية العام الجاري، ومن الصعب الانتهاء من كل إجراءات الدمج قبل هذا الموعد.
ورأى رحمون أن الإدارة الأمريكية عدلت إلى درجة معينة من سياساتها، فيما يتعلق وإتمام الدمج، بحيث تراجع كثيراً الدور الذي كان يمارسه المبعوث الرئاسي، توم براك، لصالح إخلاء الساحة أكثر لتركيا، وهو ما بدأ عملياً بعد قمة حلف شمال الأطلسي التي استضافتها أنقرة في 7 تموز/ يوليو الماضي، وليس على مستوى الملف السوري وكبح الدعوات المطالبة بدخول سوري إلى لبنان فقط، وإنما حتى على مستوى الملفات الساخنة في المنطقة إن مع إيران أو روسيا وأوكرانيا.
مستقبل عبدي وأحمد
وأكد رحمون أنه وإضافة إلى ملف دمج من بقي من عناصر “قسد”، كان هناك ملف يتعلق بمصير قائد هذه القوات أي مظلوم عبدي، ومصير رئيس دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، إلهام أحمد، والموقع الذي سيشغله كل منهما ضمن الدولة السورية بعد إنهاء دمج القوات العسكرية والإدارات المدنية التابعة للإدارة الذاتية.
وبين أن الحكومة كانت قد عرضت سابقاً على الاثنين مناصب في الدولة، لكن عبدي وأحمد لم يكونا جاهزين حينها، وسمع الاثنان خلال لقائهما الأخير أنه يمكن اليوم عرض مناصب عليهما بعد مشاورات لدمشق مع الحلفاء في الداخل والخارج، وعلى الأثر توجه الشيباني في اليوم الثاني إلى تركيا، بعد أن كان قد أبلغ إلهام أحمد أن تنتظر منه هاتفاً خلال الأسبوع القادم، لكن هذا الاتصال لم يحصل إلى اليوم.
وبين رحمون أن عبدي وأحمد ينتظران جواب دمشق لإكمال الاندماج وليس حل “قسد” و”الإدارة الذاتية” كما يروج، وعند مباشرتهم لمهامهم الجديدة ضمن هيكلية الدولة، فإن الصفة الأخرى لكل واحد منهما ستزول آلياً، تماماً كما حصل مع سيبان حمو الذي كان قائداً لـ”وحدات حماية الشعب” وأحد القيادات البارزة في “قسد”، ثم بات معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية.
وتابع: “إن إلهام أحمد تطالب بأن تشغل منصب نائب وزير الخارجية والمغتربين، وليس منصب معاون للوزير، والمحادثات ما زالت مستمرة للتوصل إلى صيغة مرضية للطرفين، والحال ذاته فيما يتعلق والمنصب الذي سيشغله مظلوم عبدي في القصر الجمهوري إن كان نائباً للرئيس أو مستشاراً رفيع المستوى، والموضوع لم يبت به بعد”.
وأكد رحمون أنه وقبل أن يأخذ الاثنان مواقعهما في الدولة، وإكمال عملية الاندماج، التي اعتقد أنها ما زالت تحتاج إلى عمل كثير، فإنه لن يتم الإقرار بانتهاء “قسد” أو انتهاء “الإدارة الذاتية”.
وعبر عن قناعته أن الأمر سيأخذ المزيد من الوقت لأنه وإلى اليوم لم يتم تفعيل أي إدارة من الإدارات التي تم الإعلان عن إنجاز دمجها بشكل حقيقي، مثل مديريات الصحة والتعليم والمصالح العقارية والمحكمة وغيرها.
لا إجراءات على الأرض
مصدر حقوقي من الحسكة، فضل عدم ذكر اسمه، قال لـ”القدس العربي” إن الأوضاع لا تشي حتى الآن بحصول أي تطور على مستوى الدمج، باعتبار أن “قسد” وقوات الأمن الداخلي “الأسايش” هي المسيطرة على كل مدن المحافظة تقريباً من الحسكة إلى القامشلي والمالكية والقحطانية والجوادية وعامودا.
وتابعت المصادر: “إن كنت تشاهد العلم الوطني مرفوعاً في بعض الدوائر، لكنهم هم المسيطرون على كل المفاصل على الأرض، والأمن العام التابع لوزارة الداخلية، لا يستطيع التحرك إلا ضمن دوائر ضيقة جداً، وإن تم الإعلان عن دمج بعض الألوية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، لكن العملية شكلية أكثر منها فعلية، فالولاء ما زال لـ”قسد” وليس للدولة السورية”.
وأوضح المصدر أن وزارة العدل في دمشق استقبلت دفعتين من قضاة الإدارة الذاتية بهدف اختبارهم، استعداداً لدمجهم ضمن هيكلية الوزارة، لكن شيئاً لم يصدر بعد بحقهم، والوضع على الأرض لم يطرأ عليه أي جديد، وما زال قضاة الإدارة الذاتية هم الذين يسيطرون على القصر العدلي في الحسكة، ولم يتم افتتاحه تحت إشراف الوزارة رغم مرور أشهر على بدء عمليات الدمج.
وبين المصدر أن ما يسري على القصر العدلي، يسري على نقابة المحامين، فما زالت أبنية النقابة تحت سيطرة الإدارة الذاتية، ولا يستطيع كوادر فرع النقابة من العمل من داخلها، والأمر ذاته بالنسبة لباقي مؤسسات الدولة، وإن ارتفع العلم الوطني على بعضها، لكن السيطرة لم تتبدل، وما زالت لكوادر الإدارة الذاتية، والدولة غير حاضرة، مشيراً إلى أن من بين الدوائر العاملة وترفع العلم الوطني، هناك فرع المصرف المركزي، ومديرية التربية والتعليم، ومديرية الصحة، وهذه تعمل باسم الدولة ويشرف عليها مدير معين من الحكومة، لكن السيطرة الفعلية ما زالت لـ”الإدارة الذاتية”.
واعتبر المصدر أن الحياة المعيشية متردية، وقال: “بدأت مدينة الحسكة تشرب من المياه التي يتم ضخها من رأس العين، وجرى تعبيد بعض الشوارع، لكن البنية التحتية لمعظم الخدمات سيئة، سواء على مستوى النظافة أو بالكهرباء الغائبة تماماً بسبب سرقة المحولات وخطوط نقل الطاقة”.
ورغم الأنباء التي تتحدث عن استعدادات تقوم بها مديرية التربية تمهيداً لبداية العام الدراسي المقرر في السادس من شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، ذكر المصدر أن وضع المدارس يمكن وصفه بالكارثي داخل المدينة، وإن أخليت بعضها، لكن غالبيتها ما زالت مشغولة من النازحين المقيمين فيها.
وبين أن الأهالي في ريف المحافظة، بجهودهم الذاتية، يعملون على إصلاح مدارسهم وتنظيفها استعداداً للسنة الجديدة، لكن تلك المدارس غير مؤهلة وتحتاج إلى كثير من العمل من صيانة أبوابها ونوافذها وتأمين المقاعد والكهرباء ومياه الشرب.
وأكد المصدر أن الشارع العربي محتقن ومنزعج ومستاء لعدم إنجاز تقدم في عملية الدمج مع استمرار سيطرة “قسد” و”الأسايش” وموظفي “الإدارة الذاتية” على كل مفاصل المحافظة، معتبراً أن البعض قد يتفهم حساسية الموقف ويطالب بدعم تحرك الدولة ومنحها المزيد من الوقت لإتمام عملية الدمج، لكن الغالبية باتت مستاءة من المماطلة، وسط قناعة بأن الكرد غير جادين، وأنهم يلعبون على عامل الوقت، ويمكن لهم أن ينقلبوا في أي لحظة، وما يظهرونه من مواقف تجاه قبول الدمج ليس صادراً من قرارة نفسهم، وإنما هم مجبرون عليه.
وختم المصدر تصريحه بالقول إن الأنباء الأخيرة التي بدأت تظهر حول إمكانية حلّ كل من “قسد” و”الإدارة الذاتية” قريباً وإتمام الدمج وعودة مؤسسات الدولة لتمارس نشاطها الطبيعية، تركت ارتياحاً بين الناس على أمل أن تشهد المحافظة تطورات إيجابية في هذا الخصوص.