ملخص
يكشف تفشي “إيبولا” في الكونغو هشاشة منظومة الصحة العالمية، وعجزها عن احتواء أخطار معروفة، في وقت تتصاعد تهديدات أشد تعقيداً بفعل الذكاء الاصطناعي وإمكان هندسة فيروسات قاتلة، وتحذر الكاتبة من أن العالم قد يدفع ثمناً باهظاً، ما لم يستثمر باكراً في أنظمة الرصد واللقاحات والبنية الصحية، بدلاً من انتظار الأزمات للتحرك.
يشكل تفشي “إيبولا” في جمهورية الكونغو الديمقراطية إدانة صارخة لحال الأمن الصحي العالمي، فقد كان من الممكن احتواء هذا الوباء، إذ لا تكاد توجد تهديدات مألوفة لدى مسؤولي الصحة والمؤسسات الصحية بقدر “إيبولا”.
ولا تبشر صعوبة احتواء تفشي “إيبولا” هذا العام بالخير، بالنسبة إلى قدرة العالم على التصدي بفاعلية للتهديدات البيولوجية المستقبلية، فالتهديدات الفيروسية الناشئة طبيعياً تتزايد بوتيرة متسارعة، وسُجلت 12 موجة تفش لـ “إيبولا” و”ماربورغ”، وهو مرض فتاك آخر ينتمي إلى العائلة الفيروسية نفسها، خلال الأعوام الأربعة لإدارة بايدن، مقارنة بخمس موجات خلال الأعوام الأربعة السابقة، وقد تواجه إدارة ترمب الحالية عدداً أكبر، بعدما تعاملت بالفعل مع خمس موجات خلال أقل من عامين.
كذلك تتزايد أخطار التسرب العرضي لفيروس قاتل أو إطلاقه عمداً، ويتعامل عدد متزايد من المختبرات مع مسببات الأمراض عالية الخطورة، ويرجع ذلك جزئياً لازدهار الأبحاث في أعقاب جائحة “كوفيد-19″، في وقت أصبح من الأسهل بصورة متزايدة هندسة فيروسات جديدة باستخدام الذكاء الاصطناعي. وفي وقت سابق من هذا الشهر، كشفت شركة الذكاء الاصطناعي الأميركية “أنثروبيك” عن خمس حالات، استخدم فيها علماء برنامجها للذكاء الاصطناعي “كلود” في أبحاث يمكن أن تدعم تطوير أسلحة بيولوجية، بما في ذلك أبحاث على سلالات من إنفلونزا الطيور، يمكن أن تتفادى مناعة الإنسان. وأكد التقرير المخاوف من أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تساعد أطرافاً خبيثة في الوصول إلى أسلحة بيولوجية.في غضون ذلك، أضعفت إدارة ترمب منظومة الصحة العالمية من خلال خفض برامج ترصد الأمراض، والتأهب لمواجهة تفشيها، داخل الولايات المتحدة وخارجها، لكن هذه المنظومة كانت هشة قبل وقت طويل من وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى السلطة، فعمليات رصد التهديدات العالمية تعاني فجوات كبيرة، وتؤدي آليت التمويل غير المستقرة إلى تأخير تطوير اللقاحات، فيما تستثمر معظم الدول أقل مما ينبغي في الخدمات الصحية الاعتيادية والشاملة، وغالباً ما تتحرك واشنطن والجهات المانحة الأخرى عندما تندلع أزمة، لكن الإسراع في تشكيل استجابة طارئة ليس بأي حال أفضل طريقة للتعامل مع تهديد بيولوجي، وهذه المقاربة تواجه اليوم صعوبة في احتواء “إيبولا”، وعندما يبدأ مسبب مرضي جديد وأقل شهرة في الانتشار، سيحتاج العالم إلى أن يكون أكثر استعداداً بكثير.
الأزمة في الكونغو
من المرجح أن التفشي الحالي في الكونغو بدأ قبل ثمانية أشهر في الأقل، ففي وقت باكر من يناير (كانون الثاني) الماضي، تحدث سكان مونغبوالو، وهي بلدة صغيرة شمال شرقي البلاد، عن وفاة عائلات بأكملها جراء مرض غامض، وانتشر الفيروس لشهور قبل أن تتمكن الحكومة الكونغولية، بمساعدة “منظمة الصحة العالمية”، من تحديد مصدر التفشي في منتصف مايو (أيار) الماضي، وبحلول ذلك الوقت، كانت مئات الإصابات قد رُصدت بالفعل داخل مجتمعات عدة في الكونغو، وكذلك تأكدت إصابتان في أوغندا، وكان من المتوقع حدوث بعض التأخر في اكتشاف التفشي، نظراً إلى الموقع النائي للوفيات الأولى، واستمرار النزاع في المنطقة، وندرة الفيروس المسبب لهذا التفشي، وهو فيروس “بونديبوغيو” (Bundibugyo)، لكن حقيقة أن أياً من موجات “إيبولا” السابقة لم ينتشر إلى هذا الحد قبل اكتشافه، تشير إلى أن منظومة الصحة العالمية أصبحت أقل، لا أكثر، استعداداً للتعامل مع التهديدات البيولوجية.
بعد أربعة أشهر من تأكيد التفشي، لا يزال المستجيبون من الحكومة الكونغولية و”منظمة الصحة العالمية” و”مراكز أفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها” (أفريقيا “سي دي سي”) يكافحون لاحتوائه، ويبلغ معدل الوفيات نحو 50 في المئة، وهو أعلى بكثير من المعدل المسجل في موجات تفشي “بونديبوغيو” السابقة، وكذلك حدثت 60 في المئة من الوفيات بين منتصف يوليو (تموز) ونهاية أغسطس (آب) الماضيين، خارج المنشآت الصحية.
ويشير هذان المؤشران إلى أن الأعداد الحقيقية للإصابات والوفيات أعلى من الأرقام الرسمية، وأن المرض يواصل الانتشار خارج نطاق سيطرة مسؤولي الصحة، وعلى رغم ظهور بعض مؤشرات التقدم أخيراً، حذّر المدير العام لـ “منظمة الصحة العالمية”، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، من أنه إذا استمر المسار الحالي للتفشي، فقد يتجاوز عدد الوفيات حصيلة أكبر تفش لـ “إيبولا” في العالم على الإطلاق، وهو الوباء الذي أودى بحياة أكثر من 11 ألف شخص، وأصاب نحو 30 ألفاً في أنحاء غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016.
من شبه المؤكد أن انسحاب الولايات المتحدة من “منظمة الصحة العالمية” وحلّ “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية”، أضعفا قدرة كل من المنظمة والحكومة الكونغولية على التصدي لتفشي “إيبولا”، ووصف نيكولاس إنريتش، وهو موظف حكومي محترف تولى لفترة وجيزة قيادة أعمال “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” في مجال الصحة العالمية خلال الأشهر الأولى من إدارة ترمب، في كتابه “نحو منشرة الخشب” (Into the Wood Chipper) كيف حاول إقناع مسؤولي الوكالة المعينين سياسياً بإعادة تفعيل عقود لجهود التصدي لـ “إيبولا”، أُلغيت وسط تفش للمرض في أوغندا بدأ في يناير 2025.
وعلى رغم قول إدارة ترمب إن تلك البرامج استؤنفت، فقد أكد شركاء سابقون للوكالة، من بينهم “لجنة الإنقاذ الدولية” و”أوكسفام”، علناً أن واشنطن أوقفت تمويل برامجهم الصحية شرق الكونغو عام 2025، وكذلك فصلت إدارة ترمب معظم موظفي الوكالة العاملين في مجال الأمن الصحي، وألغت فريقاً في مجلس الأمن القومي أُنشئ بعد تفشي “إيبولا” عام 2014، للتركيز على الأمن الصحي والدفاع البيولوجي، وتركت منصب قيادة “مكتب سياسة التأهب والتصدي للجوائح” في البيت الأبيض، الذي أُنشئ بتكليف من الكونغرس، شاغراً لمدة عام، وأنهت آلاف الوظائف في المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، بما في ذلك فروعاً كاملة من مركز الصحة العالمية التابع للمراكز، ومنعت الوكالة من التواصل مع “منظمة الصحة العالمية”، وبعد كل هذه الخفض والقيود، تمكن “إيبولا” من الانتشار لأربعة أشهر، من دون أن يطلق خبراء أميركيون أو منظمات شريكة أي إنذار.
أصرت إدارة ترمب على أن إجراءاتها لم تؤثر في اكتشاف “إيبولا” أو احتوائه، وقال متحدث باسم البيت الأبيض في مايو الماضي بدلاً من ذلك إن خفض “الوكالة الأميركية للتنمية الدولية” جعلت “منظومة الصحة العالمية بأكملها أكثر كفاءة واستجابة”، لكن من الصعب تصديق أن إغلاق المكاتب، وفصل موظفي الحكومة، وإنهاء شراكات رصد الأمراض والتصدي لها، لا علاقة له بكون تفشي “إيبولا” الحالي واحداً من أسوأ موجات التفشي في التاريخ. وفي الأشهر الأخيرة، سارعت واشنطن إلى سد الثغرات التي خلفها الخفض السابق، بما في ذلك شغل المناصب الشاغرة، وتخصيص أكثر من 500 مليون دولار للمساعدة في التصدي لـ “إيبولا”، وهو مبلغ يفوق ما خصصته أي دولة أخرى، لكن هذه الإجراءات الطارئة تصبح أكثر كلفة وأقل فاعلية، عندما تكون النظم الصحية التي تنفذ الاستجابة قد أُضعفت بالفعل، بسبب خفض المساعدات.
منظومة منهكة
لعل ما يثير القلق أكثر من فقدان الدعم الأميركي في جهود الوقاية، من تفشي الأمراض، هو مجموعة أوسع من أوجه القصور في منظومة الصحة العالمية، فالكشف عن تفش في أيامه أو أسابيعه الأولى أمر أساس لاحتوائه سريعاً، لكن هذا التفشي أظهر أن الآليات القائمة للكشف الباكر عن الفيروسات غير كافية. وعلى مدى عقود، اعتمد العاملون الصحيون على اختبارات لمسببات أمراض محددة في أماكن معروفة بارتفاع أخطارها، مثل اختبارات “إيبولا” في الكونغو، أو اختبارات فيروس “هانتا” في الأرجنتين، وكان مصير مثل هذا النظام الفشل منذ البداية، فقد كانت لدى مسؤولي الصحة في شمال شرقي الكونغو اختبارات لـ “إيبولا” في وقت سابق من هذا العام، لكنها لم تكن مصممة للكشف عن نوع “بونديبوغيو”، ولن تكون هذه المرة الأخيرة التي تبدأ فيها سلالة غير مألوفة من أحد الأمراض بالانتشار، فالفيروسات تتغير، والمصابون يصعدون إلى الطائرات ويسافرون إلى مناطق تخضع لمراقبة أقل، وكذلك فإن زيادة إمدادات الاختبارات الموجودة ليست حلاً عملياً لهذه المشكلات، فالاختبارات غالباً ما تكون مكلفة، ويحتاج العاملون الصحيون عادة إلى تدريب متخصص لاستخدامها.
عندما بدأ “إيبولا” في الانتشار داخل الكونغو، كان ينبغي لمسؤولي الحكومة وفرق الاستجابة التابعة للمنظمات غير الحكومية، أن يتمكنوا من العمل عن كثب مع المجتمعات المتضررة من المرض، لكن انعدام الثقة والخوف أديا إلى مئات الهجمات على العاملين الصحيين والمنشآت الصحية، وجعلا من الصعب عموماً على فرق الاستجابة تحديد المصابين، واتخاذ خطوات لمنع مزيد من الانتشار، وهذه العقبات ليست مفاجئة، فقد كان ملايين الأشخاص في أنحاء الكونغو يعانون أصلاً الملاريا والحصبة وسوء التغذية، وتوفي أكثر من 20 ألف شخص بسبب الملاريا عام 2024 وحده، لكن الموارد لا تبدأ في التدفق من البلدان الغنية والمؤسسات متعددة الأطراف إلا عندما يصل “إيبولا”، وهو مرض لديه القدرة على الانتشار في أنحاء العالم، إلى مجتمعاتهم.
من الطبيعي أن يشك الناس في الجهود الدولية الرامية إلى احتواء حال طارئة واحدة، في حين أن منظومة الصحة العالمية نفسها لا تعالج الأزمات الأخرى التي يعانونها، ويؤدي هذا الاهتمام النسبي المحدود بالأمراض الأخرى إلى مشكلات عملية أيضاً، إذ إن الأعراض الباكرة لـ “إيبولا”، مثل الحمى، تشبه أعراض أمراض شائعة أخرى، ولذلك يتجنب كُثر طلب الرعاية الصحية إلى أن يصبحوا مرضى للغاية، مما يزيد احتمال وفاتهم، واحتمال نقلهم الفيروس إلى آخرين.
تتزايد أخطار التسرب العرضي لفيروس قاتل أو إطلاقه عمداً
كذلك أعاق انعدام الأمن الإقليمي جهود اكتشاف التفشي واحتوائه، فقد دخل شرق الكونغو في نزاع لعقود، وكذلك تفاقم القتال على طول الحدود مع أوغندا ورواندا خلال الأعوام القليلة الماضية، ويُقدر أن 9 ملايين كونغولي نزحوا من ديارهم، وفرّ كثير منهم إلى دول مجاورة أو إلى مخيمات مكتظة، تفتقر إلى المياه والصرف الصحي والخدمات الصحية الأساسية. وتكافح هذه المخيمات بالفعل مع مستويات مرتفعة من الملاريا والحصبة والكوليرا، فيما يتزايد خطر بدء “إيبولا” في الانتشار داخلها أيضاً.
وفي الوقت نفسه، يعرّض العنف في المنطقة العاملين في مجال الصحة العامة للخطر، ويجعل نقل الإمدادات إلى شمال شرقي الكونغو أمراً صعباً، ويدرك القادة السياسيون أن النزاع يبطئ التقدم في التصدي لـ “إيبولا”، لكن إلى أن يتمكنوا من التوصل إلى تسوية تنهي النزاع، تحتاج النظم الصحية إلى أدوات أكثر فاعلية للعمل في مناطق النزاع، بما في ذلك إيجاد وسائل أسهل لنقل الإمدادات، وإنشاء مخزونات من معدات الوقاية الشخصية للعاملين الصحيين، وبناء شراكات أقوى مع قادة محليين موثوق بهم، يمكنهم المساعدة في نشر المعلومات الدقيقة، والحفاظ على البنية التحتية العاملة للمياه والصحة والصرف الصحي، في المجتمعات النازحة.
ولعل العنصر الأكثر مدعاة للتفاؤل في التصدي لـ “إيبولا” كان التطوير السريع نسبياً للقاحات ضد فيروس “بونديبوغيو”، فقد أُعطيت أول جرعة من اللقاح في تجربة من المرحلة الأولى خلال 12 أسبوعاً من تأكيد التفشي، أي نصف المدة التي استغرقها الباحثون للوصول إلى المرحلة نفسها خلال أزمة “إيبولا” عام 2014، وساعدت الاستثمارات الأميركية والأوروبية طويلة الأمد، جزئياً، في مؤسسات مثل “الائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة” (CEPI)، وهو شراكة بين القطاعين العام والخاص، و”معهد أبحاث الفيروسات” في أوغندا، الذي تديره الحكومة، في تحقيق هذه السرعة، وكانت هذه المؤسسات وغيرها قد جمعت المواد الأساسية، وأنشأت المختبرات، وطوّرت شراكات علمية مسبقاً، وأصبحت جاهزة للاستخدام عند وقوع حال طوارئ.
ومع سرعة عملية التطوير هذه، سيستغرق الأمر شهوراً قبل أن يصبح من الممكن استخدام أي من اللقاحات المرشحة الجديدة لتطعيم عامة السكان، وفي الوقت الراهن، تظل جهود الاحتواء تعتمد بالكامل على تدابير الصحة العامة، مثل تتبع المخالطين والعزل، وهي إجراءات تتطلب فريق استجابة كبيراً ومنسقاً جيداً، ويجب تسريع تطوير اللقاحات، لكن النظام الحالي غير مصمم لتحقيق ذلك، ففي كثير من الأحيان لا يتوافر التمويل إلا بعد بدء الأزمة، وكان العلماء يمتلكون القدرة، قبل التفشي الحالي، على تطوير لقاحات وعلاجات لفيروس “بونديبوغيو” وبدء اختبارها، لكن ما افتقدوه كان المال والدعم السياسي.
سد الثغرات
كشف أحدث تفش لـ “إيبولا” عن ثغرات خطرة في قدرة العالم على التصدي لأكثر حالات الطوارئ الصحية قابلية للتنبؤ، وقد يكون التهديد المقبل أكثر تعقيداً بكثير، ففي الشهر الماضي أكدت دراسة نشرت في مجلة “ساينس” (Science) أول نجاح في تركيب جينوم فيروسي كامل وفاعل، باستخدام الذكاء الاصطناعي، وفي هذا الشهر، أكدت “أنثروبيك” أن علماء في دول عدة يستخدمون نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها، بطرق يمكن أن تسبب أضراراً واسعة النطاق، وفي المستقبل القريب جداً، قد تتمكن جهات خبيثة من استخدام الذكاء الاصطناعي لهندسة فيروسات في منازلها، مصممة عمداً لتفادي مناعة الإنسان والتدابير المضادة القائمة.
ينبغي أن تكون الأزمة الحالية بمثابة ناقوس خطر، تماماً، وكذلك كان تفشي “إيبولا” في غرب أفريقيا قبل عقد من الزمن، فقد دفع ذلك الوباء الولايات المتحدة ودولاً كثيرة أخرى إلى الاستثمار في جهود جديدة للبحث والتطوير، مما أسفر عن لقاح لـ “إيبولا”، استُخدم منذ ذلك الحين لإنقاذ الأرواح واحتواء موجات تفش عدة، وكذلك دفع الحكومة الأميركية إلى إنشاء آليات جديدة للتصدي للتهديدات البيولوجية، وبناء 13 وحدة داخل الأراضي الأميركية، يمكن فيها للكوادر الطبية رعاية الأشخاص المصابين بـ “إيبولا” وغيره من الأمراض شديدة الفتك، بأمان. ودفع أيضاً “الاتحاد الأفريقي” إلى إطلاق “مراكز أفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها” عام 2017، مما عزز قدرة القارة على التعامل مع تفشي الأمراض على المستوى الإقليمي.
واليوم، تتاح للحكومات، إضافة إلى القطاع الخاص والمؤسسات متعددة الأطراف، فرصة مماثلة لتعزيز الأمن الصحي العالمي، ويكمن جزء من الحل في الابتكار، فبعض التطورات التكنولوجية نفسها التي تزيد خطر الأسلحة البيولوجية، تسمح للولايات المتحدة ودول أخرى بإنشاء أنظمة وطنية للكشف السريع عن التهديدات البيولوجية المعروفة والمجهولة، وتطوير الاختبارات والعلاجات واللقاحات بسرعة، عند ظهور تلك التهديدات. وتمتلك الحكومة الأميركية القدرة المالية والحوافز اللازمة لتطوير نظام من هذا النوع، خلال الأعوام القليلة المقبلة، ونشره محلياً.
ومن الناحية المثالية، يمكن بعد ذلك توسيعه ليشمل العالم، لكن سيتعين التوصل إلى اتفاق دولي حول كيفية تمويل هذا النظام، حتى تتمكن دول أساسية، مثل الكونغو، من المشاركة فيه، فيما قد تتردد بعض الدول، ومنها الصين التي رفضت مشاركة معلومات كاملة عن أصول جائحة “كوفيد-19″، في الانضمام إليه، ومع ذلك فإن إنشاء نظام للإنذار الباكر يغطي معظم العالم، وليس كله، سيكون تحسناً مقارنة بآليات الرصد القائمة حالياً.
في كثير من الأحيان، لا يتوافر التمويل إلا بعد بدء الأزمة
يتطلب تطوير اللقاحات أيضاً مزيداً من الاستثمار والالتزام السياسي، وتعمل مؤسسات مثل “الائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة”، بالفعل على تغيير النموذج الحالي، الذي يجبر العلماء على الإسراع في التحرك بعد بدء الأزمة الصحية، من خلال إجراء أبحاث على تدابير طبية مضادة لعائلات فيروسية بأكملها، يمكن تكييفها بسهولة عندما يتسبب فيروس بعينه في تفش، لكن هذه الجهود تحتاج إلى وقت وتمويل إضافي، وقدّر البنك الدولي و”منظمة الصحة العالمية” أن منظومة كاملة للتأهب والتصدي للجوائح، على المستوى العالمي، ستحتاج إلى نحو 10.5 مليار دولار من التمويل الدولي سنوياً، يخصص نحو ملياري دولار منها للبحث وإتاحة اللقاحات والعلاجات والإمدادات، وهو مبلغ كبير، لكنه أقل كلفة من السماح لمرض قاتل بالانتشار، فقد كلفت جائحة “كوفيد-19” الاقتصاد الأميركي وحده نحو 14 تريليون دولار، وفق تقديرات، وسيتعين على الحكومات قيادة التعاون دولي في مجالات التبادل السريع للمعلومات، ووضع خطط لتصنيع اللقاحات والمنتجات الطبية الأخرى وتوزيعها، وتبسيط الأطر التنظيمية والقانونية، وكذلك ينبغي لها أن تسعى إلى إقامة شراكات مع شركات الذكاء الاصطناعي، التي يمكن لخبرتها التكنولوجية أن تساعد في تسريع تطوير لقاحات، توفر حماية أوسع.
أخيراً، ينبغي تحديد الأدوار بصورة أوضح بين المؤسسات الصحية المحلية والإقليمية والمتعددة الأطراف، ويجب على الحكومات الوطنية، بالشراكة مع جهات خارجية عند الحاجة، ضمان حماية المجتمعات من التهديدات المعروفة مثل الملاريا والحصبة، وينبغي تكليف “مراكز أفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها” والمؤسسات الإقليمية الأخرى، التي تخضع للمساءلة أمام الحكومات الوطنية، بدرجة أكبر من المؤسسات العالمية، ببناء أنظمة للرصد والتواصل عبر الحدود. وعلى المستوى متعدد الأطراف، يجب أن تركز “منظمة الصحة العالمية” على مهمتها الأساسية المتمثلة في تقديم التوجيه التقني في شأن التهديدات الصحية العابرة للحدود، والمساعدة في تنسيق الاستجابات لتفشي الأمراض، بدلاً من الخضوع لضغوط الدول الأعضاء لتوزيع موظفيها وموازنتها المحدودة، على عدد كبير جداً من القضايا الصحية.
يعتمد النظام الحالي، القائم على ترتيبات موقتة لمعالجة كل أزمة على حدة، اعتماداً مفرطاً على الولايات المتحدة في حشد الأفراد والموارد للتصدي لكل حال طوارئ جديدة، وقد واجه صعوبة في احتواء “إيبولا”، وسيكون التحدي أشد بكثير عندما يتسبب عامل ممرض، لا نعرف عنه إلا القليل، في تفش جديد، لذلك يتعين على الحكومات بناء بنية تحتية صحية عالمية أكثر كفاءة، قبل حلول ذلك اليوم.
ستيفاني بساكي زميلة بارزة في مجلس العلاقات الخارجية، وشغلت منصب المنسقة الأميركية للأمن الصحي العالمي في مجلس الأمن القومي بين عامي 2023 و2025.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 18 سبتمبر (أيلول) 2026
