حتى التاسع من آب/أغسطس لم يكن بعد دور المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي كلي الوضوح.
مصادر المخابرات الأجنبية كانت تقول بأنه على قيد الحياة. وهو ما أكده كل من ترامب ونتنياهو.
لكن إذا كان حيًّا، فما حجم نفوذه؟ وهل يمكن مقارنته بنفوذ والده في رسم السياسة الداخلية والخارجية؟ فقد دأبت العديد من وسائل الإعلام الأميركية المؤيدة لإسرائيل، منذ آذار/مارس، عندما انتُخب مجتبى خامنئي مرشدًا، على التأكيد بشدة على أن السلطة في إيران باتت بيد الحرس الثوري، وأن المرشد الجديد ليس سوى شخصية اسمية يحتاج إليها الحرس الثوري لإضفاء الشرعية على سلطته.
لكن التعيينات الجديدة التي بدأت في 10 آب/أغسطس واستمرت حتى 12 منه، تشير إلى أن مجتبى خامنئي على قيد الحياة، وأنه تعافى وشرع في إعادة بناء وتعزيز الجهاز العسكري والأمني. فجميع الذين شملتهم هذه التعيينات كانوا من بين مجموعة من الأشخاص الذين يحظون بثقته الشخصية، وسبق أن اختبر ولاءهم.
أولى هذه التغييرات، في 10آب/أغسطس، تمثلت في استبدال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي. وقد تولّى المنصب الجنرال محسن رضائي، الذي يُعدّ أطول من شغل منصب القائد العام للحرس الثوري في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ تولّى قيادة الحرس من عام 1981 إلى عام 1997.
قاد رضائي الحرس الثوري طوال الحرب مع العراق، واستمر في قيادته لما يقرب من عقد بعد انتهاء الحرب. وهو ليس قائدًا عسكريًا من وراء المكاتب، بل عسكري ميداني فعلي.
منذ سبعينيات القرن الماضي، كان رضائي عضوًا في حركة “منصورون” السرية ذات الطابع العسكري-السياسي، التي ناضلت ضد الشاه. وبعد انتصار الإسلاميين عام 1979، ومع اندلاع الحرب مع العراق، أصبح عضوًا في “مجاهدي الثورة الإسلامية”، التي كانت بمثابة النواة الأولى للحرس الثوري. وفي المكان نفسه، وفي الفترة ذاتها، ظهر أيضًا نجل رئيس إيران آنذاك، مجتبى خامنئي. كان مجتبى حينها مراهقًا هادئًا وخجولًا، بينما كان رضائي قائدًا أسطوريًا.
ولعلّ التعيين التالي، والأكثر إثارة للاهتمام، هو إعادة حسين طائب إلى الواجهة. فقد تولّى طائب رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري منذ تأسيسه عام 2009 وحتى إقالته عام 2022. وكان علي خامنئي، خلال فترة رئاسة إبراهيم رئيسي، قد رضخ للضغوط -وربما لضغوط من الدائرة المحيطة برئيسي- وأقاله بعد سلسلة من عمليات الاغتيال الغامضة التي استهدفت ضباطًا في الحرس الثوري داخل إيران، وكذلك بعد فشل عملية خاصة لاغتيال إسرائيليين في إسطنبول.
في النظام الإيراني، يُصنَّف طائب باعتباره من رجال مجتبى، ومتخصصًا في تنفيذ مهامه الحساسة في المجال الأمني. ولذلك، بعد أن استعاد مجتبى قوته، أعاده إلى الواجهة وعيّنه قائدًا لقوات الباسيج.
والباسيج، الذي يُعدّ رسميًا جزءًا من هيكل الحرس الثوري، يشكّل اليوم عنصرًا بالغ الأهمية في منظومة الأمن القومي. ولنتذكر أن المرحلة الأولى والتمهيدية للحرب الحالية، أي الهجوم الإسرائيلي والأميركي، تمثلت تحديدًا في احتجاجات شعبية واسعة النطاق في الشوارع. ويعرف الخبراء في الشؤون الأمنية أن تلك الاحتجاجات لم تكن مجرد تعبير عن الاستياء الشعبي، بل كانت تنشط بينها أيضًا مجموعات قتالية من الشبان الإيرانيين المحتجين، أعدّها وسلّحها جهاز الموساد مسبقًا.
لقد أُوكل إلى طائب مهمة إعادة تنظيم وإعادة بناء شبكة الاستخبارات ومكافحة التجسس الشعبية، التي كانت في وقت من الأوقات شديدة الفعالية، بحيث يكون كل شخص تقريبًا في الشارع عينًا وأذنًا لجهاز الدولة.
التعيين الثالث، وهو بالغ الأهمية، يقضي بتولي القائد العام لمقر “خاتم الأنبياء”، الجنرال في الحرس الثوري علي عبداللهي، قيادة القوات المسلحة (الجيش) الإيرانية. وكان محللو أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية يستندون إلى تقدير مفاده أنه في حال اندلاع احتجاجات واسعة النطاق واستمرارها لفترة طويلة، فالجيش، باعتباره المؤسسة العسكرية والأمنية الأكثر علمانية، والتي تخضع مباشرة للرئيس وليس للمرشد الأعلى، قد ينحاز إلى جانب المحتجين.
الجيش الذي أُعيد تنظيمه، والذي يخضع لقائد عام من الحرس الثوري قاد الحرب طوال هذه الأشهر وأظهر احترافية مطلقة وولاءً تامًا، من المستبعد الآن أن يكون قادرًا على التحول إلى أداة لتنفيذ انقلاب على السلطة.
وهكذا إذن، فإن جميع التعيينات العسكرية والأمنية التي جرت في آب/أغسطس تشير إلى أن مجتبى خامنئي على قيد الحياة، وأنه يتولى زمام الأمور ويمارس دوره فعليًا.
مجتبى والحرس الثوري الموالي له، والذي بفضله وصل إلى السلطة، يضعان عقيدة جديدة للأمن القومي.
إنهما يبنيان “إيران الحصن”، القادر على الصمود في الحرب.
بل أكثر من ذلك، وكما يقول العديد من المتحدثين باسم الحرس الثوري خلال السنوات الأخيرة، فقد أصدر المرشد الجديد توجيهات إلى جميع قادة المؤسسات العسكرية لإعداد البلاد ليس للدفاع فحسب، وإنما أيضًا للقيام بعمليات هجومية.
ويبدو أن ما يُسمّى “محور المقاومة” (وهو نفسه “الهلال الشيعي”)، الذي تكبّد خسائر فادحة، بدأ هو الآخر يستعيد عافيته.
حزب الله في لبنان، الذي استبعدته إيران من حزمة الشروط الإلزامية للصفقة وإنهاء الحرب، لا يزال يتعرض حتى الآن لضربات جوية إسرائيلية عنيفة للغاية. ومن المستبعد اليوم أن يؤدي دور “الرصيد رقم 1”.
لكن مسرح العمليات، باستثناء مضيق هرمز الذي لا يزال مغلقًا، سينتقل على الأرجح إلى العراق واليمن.
رئيس الوزراء العراقي الحالي، الذي يحظى بدعم ترامب، وربما نتنياهو أيضًا، يخوض مواجهة نشطة مع التشكيلات الموالية لإيران، والتي أصبحت منذ العام 2003 عملياً، جزءًا من منظومة الأمن القومي للدولة. وحدد 30 أيلول/سبتمبر موعداً نهائياً لنزع سلاح الحشد الشعبي وكتائب حزب الله وغيرها من المجموعات الموالية لإيران.
وقد أعطى قائد “فيلق القدس” الذي لا “يكل ولا يمل”، والذي زار بغداد قبل أيام، توجيهًا بعدم تسليم السلاح.
يبدو التصعيد شبه حتمي، فيما يخيّم شبح رفيق الحريري بشكل مقلق فوق رئيس الوزراء العراقي.
محاربة حزب الله أشبه بقطع رؤوس الأفاعي عن رأس الغورغونة ميدوسا (الغورغونات هي وحوش على هيئة البشر في الأساطير اليونانية القديمة. وميدوسا كانت واحدة منهم وشعرها يتكون من الأفاعي- “المدن”). فهي سرعان ما تنمو من جديد، بينما يتحول الشخص الذي يرفع سيفه عليها إلى حجر.
وأحياناً إلى الحجر النصب على الضريح.
يكتب أحمد ناجي، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) ، التي كان يديرها لسنوات المبعوث الأميركي الخاص السابق إلى الشرق الأوسط في عهد أوباما، روب مالي، أن الحرب في اليمن أصبحت حتمية، وأن الحوثيين سيجرّون السعودية إلى تصعيد طويل الأمد ومحسوب، من خلال عرقلة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وإبقاء منشآت أرامكو النفطية بأكملها تحت مرمى نيرانهم.
أي أن إيران تعيد بناء عقيدتها الدفاعية التقليدية، من خلال تحويل مركز الثقل عنها إلى وكلائها، ونقل التوتر إلى جيرانها الإقليميين الذين يشكّلون حول إيران “حزامًا أمنيًاط، بحيث تتركّز عليهم (الجيران) هجمات الخصم وجهود زعزعة الاستقرار.
وبذلك تجرّ طهران جميع دول الخليج وجيرانها المباشرين إلى الانخراط في مساعي وقف الحرب ومعالجة مشكلاتها الخاصة، في ارتباط وثيق بالمشكلات التي تخلقها هي للمنطقة بأسرها.
Down with Middle East ــ لسان حال طهران. و”لن نسقط بمفردنا”.
إيران مستعدة لمواجهة طويلة الأمد؛ فكل منطق تعييناتها، وإعادة بناء ترسانتها الصاروخية، ورفضها إغراءات ومليارات صندوق كوشنر مقابل التخلي عن مضيق هرمز، يدل على ذلك.
تكتب العضوة السابقة في الكونغرس وحليفة ترامب السابقة ايضاً، تايلور غرين، على حسابها في تويتر أن البيت الأبيض يناقش اليوم إمكانية استخدام أسلحة نووية ضد إيران.
والآن، تخيّلوا ماذا سيحدث للمنطقة إذا نجح الإسرائيليون في إقناع ترامب بذلك. فقد حذّرت باكستان بالفعل من أنها، في حال استخدام إسرائيل أسلحة نووية ضد إيران، ستوجّه على الفور ضربة نووية إليها.
وماذا ستفعل إيران إذا حدث ذلك؟ هل ستستسلم، كما فعلت اليابان؟ أبدًا.
ستقع مأساة هائلة لا يمكن تداركها في المنطقة بأسرها، وستعيدها إلى العصر الحجري، حيث ستصبح القنبلة النووية القذرة وسيلةً لا غنى عنها للبقاء والدفاع عن النفس.
إيران تبني حصنًا من أجل البقاء. ويتوقف على جيرانها شكل مستقبل المنطقة بأسرها.
السقوط أو النهوض، لكن معاً.