
كاتب وسياسي… جريدة الثورة السورية .دمشق
منذ شباط 1979 وحتى 2026 تاريخ أول حرب أمريكية – إيرانية، شاركت فيها إسرائيل أيضا، والملف الإيراني لا يزال في دائرة الحقل الاستثماري الأمريكي. حاول الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إنهاء هذا الملف، عبر توقيع اتفاقه الشهير”الاتفاق النووي“، كي ينقل الملف إلى حيز استثماري جديد، بحيث يعيد إيران إلى دولة صديقة لأمريكا.
ليس هذا طبعاً الغاية من الاتفاق، بل جعل إيران كشرطي أمريكي في المنطقة، النفوذ الإيراني في المنطقة شهد عدة مراحل، لكن كانت مرحلة أوباما هي الأخطر، وهي الأكثر كلفة لشعوب المنطقة، حيث سمح لها في التمدد دموياً في اليمن وسوريا بشكل خاص منذ بدء الثورة السورية، وارتكبت ميليشياتها مجازر بحق الشعبين اليمني والسوري، ليأتي الاتفاق النووي تتويجاً لملف اعتمد على تبادل المنافع من جهة بين الطرفين، وعلى إبقاء إيران عدواً دون أفق محدد.
هذه المعادلة حاول أوباما الخلاص منها لجعل كلّ النفوذ الإيراني في المنطقة مشروعاً دولياً، إذا أخذنا بعين الاعتبار التوافقات التي صنعها أوباما مع دول أوروبية الغربية وخاصة فرنسا، الأم الحنون لحزب الله في لبنان.
في كلّ هذه العقود التي مرّت، كانت دول أوروبا تعمل بالتناقض مع التوجهات الأمريكية في هذا الملف، خاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا. لكن كان هنالك تحفظ أمريكي لا يستطيع الأوروبيون تجاوزه، نتيجة لقائمة العقوبات الطويلة، والتهديد الدائم باستخدام العصا الغليظة ضد إيران. هذا ما جعل أوروبا تدعم، بكلّ قواها اتفاق أوباما الشهير. لكن بعد نجاح ترامب في الانتخابات عام 2016 قام بإسقاط الاتفاق عبر إلغائه.
ثم عاد الملف من جديد إلى نفس الخزائن الامريكية، لكن مع بروز اتجاه ترامب الذي يريد حسم الملف عسكرياً، بذلك ابتعد عن الأوروبيين، واكتفى بإسرائيل كصاحبة مصلحة حقيقية في هذه الحرب، خاصة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، حتى وصلنا الآن إلى الحرب التي كانت متوقعة منذ ترشح ترامب لولايته الثانية.
حيث أتت الحرب الإبادية على غزة التي بدأت نهاية عام 2023، والصلف الإسرائيلي في التعاطي مع شعبها. علماً أن إيران تقف خلف ما حصل حينها، فشل أوباما ومن معه داخل أروقة السياسة الأمريكية في تثبيت الاتفاق، فقد صرح في مقابلة مع برنامج “اليوم” على شبكة إن بي سي، أن الولايات المتحدة “خاضت حرباً وأنفقت مليارات ومليارات الدولارات، وفرضت ضغوطاً هائلة على جيشها، وسقط الكثير من القتلى”، قبل أن يتابع: “ويبدو أننا عدنا إلى الوضع الذي كنا عليه قبل بدء الحرب، وربما أصبحنا أسوأ حالاً قليلاً”.
بالمقابل، يصر ترامب على أن اتفاقه أفضل من اتفاق أوباما، الإشارة إلى تصريح أوباما ورد ترامب، كي نوضح أن سبباً من أسباب فشل ترامب في هذه الحرب، هو قوة اللوبي المعارض للحرب في أمريكا، إضافة إلى أن ترامب فشل أيضاً في ضم أوروبا الغربية إليه. أيضاً يمكننا الحديث عن قوة الحضور الصيني في هذا الملف.
كلّ هذه الأسباب وغيرها، كانت عوامل غير مباشرة في توقيع اتفاق لم تتضح معالمه بعد، اتفاق خارج ما أعلنه ترامب وحليفته إسرائيل من غاية هذه الحرب. السبب المباشر بالنسبة لي يتلخص في التالي: القوة العسكرية للنظام الإيراني، وجعله منطقة الخليج العربي برمتها منطقة حرب، عبر قصف دولها.
الأمر الأهم أيضاً هو القوة الصاروخية، التي جعلت من إسرائيل ساحة دمار، لم تتعرض له إسرائيل منذ تأسيسها، وتكلفة إنهاء هذه القوة الصاروخية لن تكون إلا بحرب برية، وهذا احتمال غير قائم وغير مطروح، أو بإسقاط نظام الملالي، وهذا ما فشل فيه ترامب أيضاً نتيجة لوقوف القسم الأكبر من الشعب الإيراني ضد تحالف ترامب- نتنياهو.
لا يمكن لإسرائيل أن تتحمل المزيد من الصواريخ الإيرانية، هنا يبرز بالطبع الحضور الصيني والروسي أيضاً، في تعزيز القوة الصاروخية الإيرانية، حيث لم تنقطع عن إيران كلّ المستلزمات التي تحتاجها للاستمرار في بناء قوتها الصاروخية،هذا السبب المباشر والحقيقي الذي جعل ترامب يوقف الحرب، هذا ما لا تريده حكومة نتنياهو بالطبع. لهذا نجد الآن مواجهة إعلامية بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس مع نتنياهو.
هذه مواجهة غير مسبوقة في تاريخ العلاقة بين البلدين، حتى أن ترامب نفسه دخل على خط هذه المواجهة وكأن هنالك اتفاقاً على عنوان عريض، بينه وبين نائبه، أنه لولا أمريكا وسلاحها لكانت إسرائيل في وضع سيئ جداً. هذا الأمر عندما يخرج للإعلام يوضح عمق الأزمة التي خلقتها القوة الصاروخية الإيرانية لإسرائيل من جهة، ولقصة مضيق هرمز والاعتداء على الدول الخليجية من جهة أخرى، مما يعني أزمة في تسويق النفط أيضاً.
إذا تمّ تطبيق الاتفاق كما تمّ إعلان تفاصيله، فهو نصر لنظام الملالي وهزيمة لخيار نتنياهو ببساطة، لكن أمريكا لم تخسر، فيما لو أخذنا قدرة أمريكا في السيطرة والهيمنة غير العسكريتين أيضاً على الملف.
ويبقى السؤال الأهم هو: هل ما تم يصب في مصلحة الشعب الإيراني؟ كيف سينعكس الاتفاق على حياة هذا الشعب، الذي أكثر من نصفه تحت خط الفقر من جهة، ويعاني من تسلط نظام ديكتاتوري من جهة أخرى؟
رغم كلّ ما تملكه إيران من ثروات تصرف جلها على الملف العسكري، هل سيتم رفع العقوبات، وكم هي المدّة الزمنية لكي يدخل هذا الرفع حيز التنفيذ؟ لننتظر، ونرى ما تخبئه أيام ترامب القادمة. في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى نقطة مهمة في السياسة الأمريكية: أي مكسب يحققه رئيس أمريكي اثناء ولايته، لا يمكن التراجع عنه أمريكيا لأنه يشكل حداً.
لهذا لم يجد ترامب معارضة في إلغاء اتفاق أوباما النووي، لأن الحقل السياسي الأمريكي بشكل عام وجد أن هذا الاتفاق ليس من مصلحة أمريكا، وسيستفيد منه الأوروبيون أكثر. هذا الإلغاء سابقة لم تحدث من قبل في السياسة الأمريكية. هل يمكن أن نرى نهاية لهذا الملف المزمن؟