
تعيد الحساسية الشعبية تجاه رفع أسعار الوقود، إلى الأذهان، واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ النظام الإيراني (أ ف ب)
ملخص
أثار التراجع السريع عن تنفيذ خطة بيع البنزين في محافظة كرمان مخاوف من أن يكون مجرد تأجيل لقرار رفع الأسعار، في وقت تواجه إيران عجزاً متزايداً في الوقود، وصعوبات في الاستيراد، وأزمة مالية متفاقمة، مما يجعل المواطنين مرشحين لتحمل كلفة الأزمة.
أوقفت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال الساعات الأولى من صباح أمس الخميس الـ13 من أغسطس (آب) الجاري، تنفيذ خطة بيع البنزين بسعر 87 ألفاً و200 تومان لليتر (0.58 دولار) في محافظة كرمان، وذلك بعد ساعات قليلة فقط من الإعلان عنها. وجاء هذا التراجع السريع عقب الانتشار الواسع للخبر وتصاعد مشاعر الغضب والقلق بين المواطنين، غير أن أزمة نقص البنزين المتفاقمة، إلى جانب تصريحات المسؤولين، تشير إلى أن رفع الأسعار وتشديد القيود على حصص الوقود لا يزالان خياراً محسوماً لدى النظام الإيراني
وكان علي أصغر ذاكري هرندي، معاون محافظ كرمان للشؤون العمرانية، أعلن مساء أول من أمس الأربعاء أنه، اعتباراً من الساعة الـ12:00 ليلاً، سيطرح البنزين غير المدعوم بسعر الكلفة في المصافي، بسعر 87 ألفاً و200 تومان لليتر (0.58 دولار)، في 204 محطات وقود بالمحافظة.
ووفقاً للخطة المعلنة، ستبقى الحصة الوطنية للمركبات دون تغيير، وتشمل 60 ليتراً من البنزين المدعوم بسعر 1500 تومان لليتر (0.01 دولار)، و50 ليتراً بسعر 3 آلاف تومان لليتر (0.02 دولار). وسيخصص لسكان كرمان 40 ليتراً إضافية ضمن الحصة المحلية. لكن بعد استهلاك هذه الحصص، سيكون على السائقين دفع سعر يزيد بعشرات المرات على السعر المدعوم للحصول على كميات إضافية من الوقود. كما أكد مسؤولو المحافظة أن بطاقات الوقود الخاصة بمحطات التعبئة أصبحت جاهزة لتنفيذ الخطة، وأن القرار يستند إلى مصادقات وطنية وقرارات لجنة الوقود.
وسرعان ما أثار الإعلان ردود فعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مخاوف من تعميم الخطة على مستوى البلاد. وبعد وقت قصير، أعلن مدير الشركة الوطنية لتوزيع المشتقات النفطية في كرمان، أنه عقب مشاورات أجراها المحافظ مع المسؤولين في الحكومة المركزية، وبسبب الحاجة إلى مزيد من الدراسة، تقرر تعليق تنفيذ الخطة.
ومع ذلك، فإن ما جرى في كرمان لا يعكس نهاية مشروع رفع أسعار البنزين بقدر ما يكشف صعوبة تطبيقه في الظروف الراهنة التي تعيشها إيران. فقد سبق أن وصفت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، تعديل أسعار البنزين ورفعها بأنه أمر مؤكد وحتمي، وكرر مسؤولون في قطاع الطاقة خلال الأسابيع الأخيرة تأكيد ضرورة اتخاذ قرارات جديدة للحد من الاستهلاك.
وتعيد الحساسية الشعبية تجاه رفع أسعار الوقود، إلى الأذهان، واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ النظام الإيراني. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، عندما ارتفع سعر البنزين الحر من ألف تومان (0.007 دولار) إلى 3 آلاف تومان (0.02 دولار) لليتر، اندلعت احتجاجات واسعة في عشرات المدن الإيرانية، قمعتها قوات الأمن بعنف، مما أسفر عن مقتل مئات المحتجين.
أما اليوم، فإن حجم الصدمة المحتملة يبدو أكبر بكثير. فرفع سعر البنزين الحر من 3 آلاف تومان (0.02 دولار) إلى 87 ألفاً و200 تومان (0.58 دولار)، يعني زيادة تتجاوز 29 ضعفاً. ومع بلوغ الحد الأدنى للأجر الأساس للعمال في عام 2026 نحو 16 مليوناً و600 ألف تومان (111 دولاراً)، فإن شراء 50 ليتراً من البنزين بالسعر الجديد سيكلف 4 ملايين و360 ألف تومان (29 دولاراً)، أي ما يعادل أكثر من ربع الحد الأدنى للأجر الشهري.
ويأتي ذلك في وقت لا يملك قطاع واسع من الإيرانيين خيار اقتناء سيارات حديثة قليلة الاستهلاك. فقد أدى احتكار صناعة السيارات وفرض قيود على الاستيراد طوال عقود إلى هيمنة شركات محلية على السوق، في حين لا تزال منتجاتها متأخرة كثيراً عن السيارات الحديثة عالمياً من حيث التكنولوجيا وكفاءة استهلاك الوقود. وتشير تقارير محلية إلى أن استهلاك عدد من السيارات المصنعة في إيران يصل إلى نحو ضعف المعدلات العالمية.
وفي ظل هذه الظروف، تُحمل الحكومة المواطنين مسؤولية ارتفاع استهلاك الوقود، في حين تؤدي سياسات النظام الإيراني، في الوقت نفسه، إلى الحد من قدرة الإيرانيين على اقتناء السيارات الأجنبية الحديثة والموفرة للوقود. وتبدأ الرسوم الجمركية على استيراد السيارات العاملة بالبنزين في عام 2026 من 20 في المئة، وتصل في بعض الفئات إلى 165 في المئة، وهو ما يرفع، إلى جانب القيود المفروضة على الاستيراد، والضرائب، والبنية الاحتكارية للسوق، الأسعار النهائية للسيارات الأجنبية إلى مستويات باهظة.
ولا تقتصر الأزمة الحالية على استهلاك السيارات، بل إن الفجوة بين إنتاج البنزين واستهلاكه تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مشكلة هيكلية. وتشير الإحصاءات المنشورة إلى أن إنتاج إيران اليومي من البنزين يبلغ نحو 115 مليون ليتر، مقابل استهلاك يناهز 129 مليون ليتر، مما يعني وجود عجز يومي يقدر بنحو 14 مليون ليتر، حتى قبل احتساب الاضطرابات التي خلفتها الحرب. وكان هذا العجز قد قُدر في عام 2025 بنحو 18 مليون ليتر يومياً.
وتشير التقديرات إلى أنه، إذا استمر المسار الحالي، فسيرتفع استهلاك البنزين في إيران بحلول عام 2029 إلى نحو 162 مليون ليتر يومياً، بينما قد لا يتجاوز الإنتاج، حتى مع افتراض تعويض الأضرار التي خلفتها الحرب، 129 مليون ليتر يومياً، مما يعني أن العجز اليومي قد يتجاوز 30 مليون ليتر.
وخلال الأعوام الماضية، كان النظام الإيراني يسد جزءاً من هذه الفجوة عبر استيراد البنزين. بل إنها، بعد تشغيل مصفاة “نجمة الخليج العربي”، وتزامناً مع تراجع الاستهلاك خلال جائحة كورونا، تحولت لفترة وجيزة إلى دولة مصدرة للبنزين، قبل أن تعود منذ عام 2022 إلى الاعتماد على الاستيراد مجدداً.
غير أن الحرب والحصار البحري الأميركي وضعا هذا الخيار أيضاً أمام تحديات كبيرة. فقد أكد بزشكيان، خلال السبت الثامن من أغسطس (آب) الجاري، أن الحكومة أنفقت خلال العام الماضي نحو 6 مليارات دولار على استيراد البنزين، لكنها لم تعد تملك الموارد المالية الكافية، كما أن طرق الاستيراد التقليدية أُغلقت نتيجة الحصار البحري. وأضاف أن النظام الإيراني لم يعد قادراً على استيراد البنزين، وأن أي عمليات استيراد باتت تتطلب اللجوء إلى مسارات أكثر صعوبة وكلفة.
وعلى رغم أن الحرب فاقمت أزمة البنزين في إيران، فإن جذورها تعود إلى أعوام طويلة، حين فضل النظام الإيراني، بدلاً من تحديث المصافي، وتطوير وسائل النقل العام، وإخراج السيارات المتهالكة من الخدمة، وإتاحة استيراد السيارات الحديثة قليلة الاستهلاك، توجيه جانب كبير من موارد البلاد إلى تطوير البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، والصناعات العسكرية، إضافة إلى دعم الميليشيات التابعة له في المنطقة.
واليوم، تنتقل كلفة هذه السياسات إلى المستهلك أكثر من أي وقت مضى. فالمواطن الذي لا يستطيع شراء سيارة أجنبية حديثة وموفرة للوقود، يجد نفسه مضطراً إلى استخدام سيارات محلية قديمة أو مرتفعة الاستهلاك، ثم يُحمل في الوقت نفسه مسؤولية الإفراط في استهلاك الوقود، ويطالب بدفع سعر يقترب من الكلفة الفعلية للبنزين.
ولا يعني تعليق تنفيذ التجربة في محافظة كرمان طي صفحة مشروع بيع البنزين بسعر 87 ألفاً و200 تومان لليتر (0.58 دولار)، إذ لا تزال حكومة النظام الإيراني تواجه عجزاً يومياً يقدر بملايين الليترات من الوقود، إلى جانب القيود المفروضة على الاستيراد، ونقص احتياطات النقد الأجنبي، واستمرار ارتفاع معدلات الاستهلاك. ويؤكد المسؤولون أن تعديل أسعار البنزين ونظام الحصص بات أمراً محسوماً.
وما حدث في كرمان أظهر، قبل كل شيء، أن النظام الإيراني يستعد لتحميل المواطنين كلفة أزمة الوقود، غير أن ذكريات احتجاجات نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، واحتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي، إلى جانب التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية، تجعل تنفيذ مثل هذا القرار واحداً من أكثر الخيارات الاقتصادية والأمنية خطورة بالنسبة إلى السلطة.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”