من خصائص التفكير السياسي السائد في منطقتنا أن الناس أكثر ميلاً إلى إسقاط رغباتهم على الواقع مما في مناطق أخرى من العالم. ولا يعود سبب ذلك إلى خاصية «ثقافية» ما، بل إلى كثرة الصراعات التي تمزّق منطقتنا، وعلى الأخصّ الصراع ضد الدولة الصهيونية الذي كان ولا يزال ذريعةً تستّرت وراءها شتى الأنظمة الدكتاتورية وقضيةً رأت بعض هذه الأنظمة في المزايدة بشأنها مدخلاً إلى كسب تعاطف جماهيري. والحال أن إسقاط الرغبات على الواقع يتخطى أحياناً مزاعم المعنيين أنفسهم ليعيرهم نوايا لم يتفوّهوا بها بتاتاً.
ونجد مثالاً ساطعاً على ذلك في تفسير بعض المعلّقين لاتفاقية «الدفاع المشترك» التي وقّع عليها يوم الجمعة الماضي كلّ من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب اردوغان ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف. والتفسير المقصود هو الذي يتغاضى عن أنه إن كان للمملكة هاجسٌ فيتألف من الجارين الإيراني والحوثي اليمني، وأن الدولة الصهيونية كانت منذ ستينيات القرن المنصرم جزءاً من منظومة الدفاع عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. وقد لعبت إسرائيل هذا الدور ضد كافة الأنظمة التي شكّلت خطراً على المصالح الأمريكية، وهي على التوالي: مصر الناصرية، ثم الحكم البعثي العراقي، وأخيراً (وليس آخراً بالتأكيد) «الجمهورية الإسلامية الإيرانية».
ومع ذلك، فقد أدّى سخاء الخيال ببعض المعلّقين إلى استبصار مشروع تصدّي للدولة الصهيونية وراء اتفاقية مكة، ومن الحجج في هذا الصدد الإشارة إلى تعدّي إسرائيل على السيادة القطرية عندما حاولت اغتيال قادة «حماس» قصفاً. فيزعم من يسوّق هذه الحجة أن تلك الحادثة (التي ادّت إلى إصرار دونالد ترامب على أن يعتذر بنيامين نتنياهو) جعلت المملكة تشعر بأنها قد تُستهدف بدورها من طرف إسرائيل، وكأنهم يجهلون أن الحكم الصهيوني ينظر إلى قطر بنظرة مختلفة نوعياً عن نظرته إلى الدول الخليجية الأخرى، وأنه ما كان ليتعدّى على السيادة القطرية لولا توفير الإمارة ملاذاً لقادة «حماس».
ثم يأتيك من يرى في مشاركة تركيا في الاتفاقية دليلاً على أنها موجّهة ضد إسرائيل، وكأنهم لم يلاحظوا المنعطف الجديد في مسار الحكم التركي (بعد منعطفات عدّة) الذي أدّى به إلى التخلّي عن رعايته لجماعة «الإخوان المسلمين» والتصالح مع نظام السيسي وتسخين علاقته بواشنطن وبالحلف الأطلسي الذي ينتمي إليه، وأيضاً علاقته بالمملكة بعد فترة البرودة التي اقترنت بقضية «الإخوان» وبما سمّي «الأزمة الدبلوماسية مع قطر» في سنوات 2017-2020، التي جرت بضوء أخضر من ترامب في ولايته الأولى. هذا وثمة أيضاً من يفسّر اتفاقية مكة على أنها تعبيرٌ عن رغبة المملكة في الاستقلال عن الحماية الأمريكية بعد أن بانت حدودها في حربها الجارية مع إيران. وهذا التفسير الأخير أقرب إلى الواقع مما سلف ذكره، إذ يعيدنا إلى المواجهة بين طهران والرياض التي هي أحد المحاور الأساسية في السياسة الإقليمية.
وبعد، فإن إدراك المغزى من معاهدة الدفاع المشترك ينتج بصورة منطقية عن التأمل في اصطفاف المشاركين فيها. فإن الدول الثلاث مشاركة إلى جانب إسرائيل في «مجلس السلام» الذي أسّسه ويترأسه دونالد ترامب، والذي يضمّ مجلسه «التنفيذي» بين أعضائه الثمانية: ماركو روبيو وجاريد كوشنير وستيف ويتكوف وتوني بلير (رئيس الوزراء البريطاني الأسبق). وفضلاً عن العلاقات العسكرية الوطيدة القائمة بين الولايات المتحدة وكلّ من المملكة السعودية وباكستان وتركيا، فإن هذه الأخيرة، كما هو معروف وقد سلف ذكره، عضو في حلف الناتو، بل أحد أهم أعضائه بعد العرّاب الأمريكي.
في ضوء هذا الاصطفاف، يتبيّن أن الغاية الأساسية من اتفاقية الدفاع المشترك هي بالفعل تعزيز وقاية المملكة من اعتداء إيراني، لاسيما أن صراعها مع الحوثيين عاد إلى الاحتدام على خلفية دلالات على التوجّه نحو إعادة اشتعال الحرب الأهلية بين شطري اليمين. فحيث لا تحول الاتفاقية دون تدخّل الرياض من جديد في الحرب اليمينة، ترى في اتفاقية مكة رادعاً في وجه احتمال اعتداء إيراني مباشر عليها تضامناً مع الحوثيين، إذ إن باكستان وتركيا ملزمتان بالدفاع عن المملكة ضد أي اعتداء عليها بصرف النظر عن حيثيّاته وعن اندراجه في صراع إقليمي آخر. والرادع ليس في قوة الحليفين العسكرية وحسب، بل هو أيضاً في العلاقات القائمة بينهما وطهران الحريصة على التخفيف من سيادة الطابع الطائفي على علاقاتها بمحيطها الإقليمي. وليس هذا الرادع بديلاً عن الحماية الأمريكية، بل هو مكمّل ومعزّز لها وقد بدت حدودها.
فلا شكّ في أن ما حدا بالرياض على القدوم على هذه الخطوة في هذا الوقت بالذات هو ما بان من تخبّط وضعف نسبي في الموقف الأمريكي من إيران في المواجهة الدائرة بينهما منذ خمسة شهور ونصف، وهو على الأخص تعمدّ طهران إلى استهداف الدول الخليجية العربية، بما فيها المملكة السعودية، وما نجم عن ذلك من مواجهة عسكرية فرعية بين هذه الدول وإيران في إطار المواجهة الرئيسية الدائرة بين هذه الأخيرة والولايات المتحدة.
٭ كاتب وأكاديمي من لبنان