زعيم نصّار… جريدة المدى
القلق إشارة داخلية للخطر، النكهة هي التي تمنحه بعدًا جماليًا وشعريًا، كأن القلق تجربة تُذاق وتُعاش في عالم يعيش التوتر والتساؤلات، وفي كون ممتلئ بالتغيرات الصادمة ليقينيات وثوابت وعقائد وحتى أنماط حياتية، في هذا الاضطراب الساخن تنتشر فوضى القلق في الأرواح الرافضة للسكينة والجمود وتتحرك داخلها صراعات البحث عن المستقرّ والسند الذي ستقف عليه بأقدام صلبة. وفي ظل هذا الاحتدام تبقى الروح في دوامة القلق والتشظي، فلا هي عرفت المنهج فتسير، ولا هي نزعت عنها ثيابها القديمة لترتدي الجديد، فتُمسي مستلبة غائبة في ظلام العصر من دون أن تستنشق هواءه وتلتذ بطعم غذائه، ومن دون أن تسقي شرايينها بالدم الذي نمت عليه ثمار العصر وأينعت. وبين قلقها القلق وبحثها الكسول تترنّح الروح من ضربات مطرقة القلق فتحاول الانسلال من ميدان المعركة خلسة، لكنها تدخل الميدان المجاور الذي تزداد معاركه ضراوة وهنا تخرج من صدمة الخارج إلى صدمة الداخل وليس عندها ما تملكه غير سبيلين، فإما أن ترتهن لكل مغريات العصر، أو أن تبقى جامدة تنتظر موتها فتقف مشدوهة تسأل بذهول عن الحل.
من هذا القلق يبحثكتاب ” وللقلق نكهة ” للدكتور حيدر نزار عن النكهة المحببة بالتوتر الخالق المضيء للعتم التي أغرقت بسوادها أرواحنا لتكسر هذا الظلام وتسترجع القوة المطمورة التي تكاد أن تفنى من الكسل والخمول وهي تستوطن الأماكن المغلقة، يأتي هذا النثر برمزية تحاول استعادة تعب التفكير ولذته عن طريق التأويل والتحليل والاستنطاق وبلوغ المعنى الجواني للنصوص.
أكثر ما يلفت في مقدمة الكتاب هو أن القلق طاقة. وهذه نقطة جوهرية. فالكاتب يقلب المعادلة التقليدية: القلق شروطه الحركة. لهذا تتكرر مفردات: النهوض، الفاعلية، الالتحام بالعصر، التفكير، المعركة، وكأن الروح تتحقق عبر التوتر. هنا أستطيع أن ألمس أثراً وجودياً واضحاً قريباً من (مارتن هايدغر) حين رأى أن القلق يكشف الكائن أمام وجوده، لكنه يختلف عنه بإعطاء القلق بعداً تحفيزياً اجتماعياً وثقافياً.
وما يثير الانتباه أيضًا هو التوتر الداخلي في اللغة نفسها. فالنص يدعو إلى (الالتحاق بعالم اليوم)، وفي الوقت نفسه يحذر من (الاستلاب) و(مغريات العصر). هذا هو جوهر المقدمة نفسها؛ إذ يبدو الكاتب د. حيدر نزار كمن يريد دخول الحداثة من دون خسارة الأصالة، ويريد تحريك الفكر من دون تفجير الجذور. لذلك نجد أن اللغة تتأرجح بين قاموسين: قاموس حركي حديث: الانزياحات، التغيرات، الصدمات، الالتحام بالعصر. وقاموس أخلاقي- روحي: الروح، الأصالة، السند، الخلاص. هذا التردد بين المعجمين هو في الحقيقة (نكهة القلق) ذاتها.
إن المقدمة تعتمد بناءً تصويرياً حاداً؛ فالقلق يتحول إلى: مطرقة تضرب الروح، معركة، ظلام، دوامة، أرض خصبة للإبداع. أي أن الكاتب يفكر عبر الاستعارة أكثر مما يفكر عبر المفهوم الفلسفي. وهذا ما يجعل النص أقرب إلى (النثر التأملي) منه إلى المقدمة الأكاديمية. حتى حين يتحدث عن الفكر، فإنه يقدمه اشتعالًا داخليًا. لهذا يقول: (استنطاق الباطن الروحي لإظهار لهيب اشتعاله).
ومن النقاط المهمة أيضاً أن الكتاب يعلن انحيازه إلى (النص المفتوح) و(الشذرات). وهذه إشارة لافتة؛ لأن الشذرة تعبير عن عالم متشظٍّ لا يمكن الإمساك به عبر النسق المغلق. كأن الكاتب يقول ضمنياً: بما أن العصر نفسه مفكك وقلق، فإن الكتابة المتماسكة الصلبة لم تعد قادرة على تمثيله. وهذا قريب من حساسية الكتابة الحديثة عند موريس بلانشو، وإميل سيوران إذ تتحول الشذرة إلى شكل للوعي القلق.
وأرى أن رسالة الكتاب هي تحويل القلق من عبء إلى تجربة ذوقية وروحية وفكرية، أي جعل الإنسان يتذوق ارتجافه الداخلي كعلامة حياة.
حين يعجز الإنسان عن الفعل، يعوض ذلك بالحديث عن الأمجاد. وهنا تتحول الذاكرة إلى ملاذ نفسي. ويصل النص إلى ذروته حين يدعو إلى السكن مع: أنوار ﻋﻤﺎﻧﻮﺋﻴﻞ ﻛﺎﻧط، وشكوك رينيه ديكارت، وإرادة فريدريك نيتشه. هذه الإحالة تكشف البنية الفكرية للنص. فالكاتب يستدعي ثلاثة مفاهيم كبرى:
من كانط: النور واستقلال العقل.
من ديكارت: الشك بوصفه بداية التفكير.
من نيتشه: الإرادة بوصفها قوة خلق.
لكن هنا أود أن أقف وقفة نقدية؛ لأن النص يذكر هؤلاء الفلاسفة كأسماء رمزية أكثر من استثمار أفكارهم. فـكانط وديكارت ونيتشه يمثلون ثلاث فلسفات متباعدة ومتعارضة في جوانب عديدة. ولذلك فإن جمعهم في جملة واحدة يمنح النص بعداً ثقافياً، لكنه لا يبني رؤية فلسفية مركبة تستثمر الاختلافات بينهم.
وهنا أصل إلى الملاحظة التي أراها الأهم في الكتاب كله. الكاتب حيدر نزار السيد سلمان يكتب انطلاقاً من فلسفة الإرادة؛ فهو يريد عقلاً قلقاً، وروحاً قوية، وإنساناً يصنع المستقبل ولا يسكن الماضي. غير أن هذه الإرادة ما تزال تتحرك داخل ثنائيات واضحة:
1- الماضي / المستقبل. 2- القوة / الضعف. 3- النور / السواد. 4- الحركة / الجمود.
بينما الفلسفة المعاصرة، تنظر إلى هذه الثنائيات كقوى تتداخل وتتحول. فالماضي ليس دائماً عدواً للمستقبل، لأنه قد يكون مادة لإعادة الابتكار. والقلق أحد أشكال الطمأنينة، والشك قد يكون هو طريقة الحقيقة في الظهور.
ولهذا أرى أن عنوان (معطف التاريخ) يحمل إمكانا فلسفياً أعمق مما يستثمره النص نفسه. فبدل أن يكون التاريخ مجرد لعنة أو عبئاً، كان يمكن أن يصبح نسيجاً نعيد تفصيله في كل عصر. فالمعطف يمكن إعادة خياطته، أو قلبه، أو ترقيعه، أو تحويله إلى ثوب جديد. وهذه القراءة تجعل التاريخ مادة للإبداع، لا قيداً ولا صنماً.
لهذا أستطيع القول إن هذا النص يمثل بوضوح مشروع الكتاب: إنه دعوة إلى تحرير العقل من عبادة الماضي، وإلى جعل القلق قوة مولدة للفعل. غير أن قوته الكبرى في استعاراته التي تفتح أفقاً فلسفياً أوسع من العبارات وعلى رأسها استعارة (معطف التاريخ) التي أراها من أنجح عناوين الكتاب وأكثرها قابلية للتأويل.
إنّ كتاب (وللقلق نكهة) لا ينتمي إلى الكتابة الفلسفية النسقية، ولا إلى الأدب الخالص، وإنما يقيم في المنطقة الفاصلة بين التأمل الوجودي والنثر التوليدي واللغة الشعرية. إنه كتاب لا يسعى إلى بناء نظرية في القلق، بقدر ما يسعى إلى تحويل القلق إلى أسلوب في النظر إلى العالم. ومن هنا تأتي خصوصيته؛ فالقلق هو الطريقة التي تتنفس بها الكتابة ذاتها.
معاني أخرى
لقد كشف لي تحليل النصوص أن المشروع الفكري للكتاب يقوم على مجموعة من المحاور المركزية:
تحرير الإرادة من سلطة الأعراف.
تحرير العقل من يقينيات الماضي.
النظر إلى التاريخ بوصفه عبئا حين يتحول إلى بديل عن الفعل.
الإيمان بأن الحركة والاضطراب أكثر خصوبة من السكون والاطمئنان.
ولهذا يغدو القلق، عند الكاتب، قوة مولِّدة للوعي، لا مرضاً نفسياً ينبغي التخلص منه. غير أن الكتاب وهو يعلن انحيازه إلى الحركة، يبقى أسيرا لبنية فلسفية تقوم على الثنائيات الكبرى: النور والظلام، القوة والضعف، الماضي والمستقبل، الحرية والقيد، الإشراق والعتمة. وهذه الثنائيات تمنح النصوص وضوحاً بلاغياً، لكنها تقلل أحيانا من انفتاحها الفلسفي؛ إذ إن الفكر المعاصر ينظر إلى هذه الثنائيات كحالات متداخلة تتحول باستمرار، إذ يمكن للظلام أن يكون شرطا للرؤية، وللماضي أن يصبح مادة لابتكار المستقبل، وللقلق أن يتحول إلى شكل من أشكال الطمأنينة الخلّاقة.
كما أن النصوص، في كثير من مواضعها، تنجح في ابتكار صور رمزية ذات طاقة تأويلية عالية، مثل: الرماد، والقيد، والبئر، ومعطف التاريخ.
إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب تكمن في جرأته على إعادة الاعتبار إلى القلق بوصفه قيمة معرفية وروحية. إنه يقترح أن الإنسان يبدأ التفكير حين يهتز، وأن السؤال أكثر حياة من الجواب، وأن الطريق إلى الحرية يبدأ من الشجاعة على زعزعة المسلمات.
لهذا يمكن القول إن (وللقلق نكهة) كتاب يدعو إلى العيش فلسفياً داخل القلق. وهذه هي فضيلته الكبرى؛ فهو لا يمنح القارئ يقيناً جديداً، وإنما يدفعه إلى الشك في يقيناته القديمة، ويوقظ فيه الرغبة في أن يواصل طرح الأسئلة. وربما تكون هذه، في نهاية المطاف، المهمة الأعمق لكل كتابة تريد أن تلامس الفلسفة أن تجعل المعاني مفتوحة على إمكانات لا تنتهي.