سعد سلوم.. جريدة المدى
في الثالث من أيار 2003، وعلى أنقاض مسرح الرشيد المحترق، لم تكن جماعة «ناجون» تقرأ بيانا عابرا، بل كانت تُدشن وثيقة وجودية لأرواحٍ أثقلها الخراب، ضمت الجماعة: عدي رشيد، سمر قحطان، باسم الحجار، كورش قادر، باسم النحات، حيدر حلو، علي رستم، وسلام السكيني، بصياغةٍ من الشاعر فارس حرّام. هؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء في العرض المسرحي «مرّوا من هنا» الذي قدمته الجماعة نفسها، بل كانوا يمثلون كل عراقي استيقظ في اليوم التالي لإسقاط نظام صدام حسين على يد الآلة الحربية الأميركية، ليجد نفسه محاصرا بحطام وطنٍ وأحلام لا تعرف حدودا.
لقد حمل ذاك البيان، المولود من رماد مسرح الرشيد، نبوءةً سكنت أجسادنا طويلا: “أولاً- نجونا من الحرب. ثانياً- الحرب لم تنتهِ، بل انتهى وجهٌ واحدٌ منها. وما بقي هو حربنا “نحن”، حربُ الروح والحب والكره، والحنان والقسوة. لقد بدأت حربنا من حيث نجونا من “حربهم”، فوجدنا أنفسنا وجهاً لوجه مع بعضنا البعض. فهل تحررنا حقاً؟ وما هي الحرية؟».
مذ ذلك الحين، تشتت أفراد الجماعة كالبذور في مهب الريح، وتفرقت بهم السبل في أقاصي العالم، وتشتت معهم ملايين العراقيين الذين صاروا يفتشون عن وطنٍ في حقائب السفر، لكن تقاطعات القدر كانت تعيدنا إليهم أو تعيدهم إلينا، كأننا ما زلنا نعيش صدى ذلك البيان الأبدي، ونُعرّف النجاة بأنها:‘ الخلاص من مكائن التغييب الجمعي، والتسطيح، وتسييس الأدب والفن. ومن الإدعاء بضديته أيضاً؛ فكنا الناجين من الزيف، ومن ادعاء الصدق الزائف.
ومع تعاقب السنين، ظل السؤال ينهش ذاكرتنا كسكينٍ بارد: هل نجونا حقاً؟ لقد أفلتنا من الموت الجماعي، لنكتشف أننا عالقون في “نجاةٍ فردية” أكثر قسوة، نظلُّ نتساءل معها: هل نجونا من السيارات المفخخة والاغتيالات بالكواتم، لنسقط في فخِّ اغتيال المستقبل بمليارات الفساد المدفونة، وحروب الآخرين التي لا تنتهي رحاها على أرضنا؟.
كان ذلك البيان-النبوءة رحلةً بصرية وفلسفية خضناها فرادى ومجتمعين، ممثلين لجيلٍ عراقي وُلد في دهاليز الحروب العبثية، وتشكل وعيه على وقعِ الحصار الذي استنزف أحلامنا، ثم انكسر تماماً تحت وطأة الغزو. لقد كنا جزءاً من جيلٍ لم يعرف سوى ثنائية (الرحيل أو البقاء)، وجدنا أنفسنا نكابد أهوال الحرب الأهلية التي حصدت ما تبقى من أرواحنا، قبل أن نعود لنواجه ظلام داعش الذي أعاد احتلال الخوف في قلوبنا، لنكتشف أن المأساة لا تقف عند حدود ماضينا، بل تمتد لتُقحم أرضنا في أتون حروبٍ إقليميةٍ جديدة. لقد كانت تجربة “الناجين” انعكاساً لمأساةٍ جماعية، حيث تحولت النجاة من هذه السلسلة المتصلة من الجحيم إلى مهنة للبقاء، وعلامة على جيل منكوب يبحث أفراده عن ذواتهم وسط ركامِ وطنٍ لا يكاد يخرج من فاجعة، حتى يُدفع دفعاً نحو فاجعةٍ أخرى.
التقيت المخرج عدي رشيد في شتاء برلين عام 2006، كان حينها يتقلب وسط الفراغ الذي أعقب نجاح فيلمه “غير صالح للعرض”، بينما كانت الحرب الأهلية في بغداد تحصد ما تبقى من أرواحنا. لم يجد عدي ملاذاً للنجاة إلا خلف الكاميرا، فجاء فيلم “كرنتينة” كإجابةٍ قاسية، إذ تحولت النجاة في زمن ما بعد الحرب إلى “مهنة للبقاء”. يبرز القاتل المأجور في الفيلم كالنقيض المظلم للناجي، كشخصٍ حاول “النجاة” من الفشل الدراسي والاجتماعي بالتحول إلى أداة قتل. لقد صور عدي المجتمع كـ “كرنتينة” (محجرٍ صحي)، حيث يرزح الناس، كعائلة بطل الفيلم، تحت سجن التقاليد والجهل والعنف المنزلي، وهنا، لم تعد النجاة تحرراً، بل باتت بقاءً مشروطاً بالانصياع أو بالتورط في دماء الآخرين.
وتجدد اللقاء في نيويورك عام 2014، حيث دخّنا سيكاراً بنكهة القرفة وسط أنباء اجتياح “داعش” التي كانت تعيد احتلال الخوف في قلوبنا. كان هو يغرس قدميه في شوارع الغربة، بينما كنتُ ما أزال أبحث عن أرضٍ ثابتة لا تخذلني. في تلك اللحظة، كان عدي يرى النجاة من منظورٍ أبعد من الجغرافيا، قال لي وهو ينفث دخان السيكارة التي قدمتها له: “لقد كنا كونيين منذ البداية، ولهذا فقط.. قد نجونا».
أما المخرج والممثل حيدر حلو، فقد كانت طرقه تتقاطع مع دروبي بمصادفاتٍ قدريةٍ لافتة، ففي بروكسل عام 2011، التقطتُ صورةً ونشرتها في حسابي على موقع فيس بوك، لأفاجأ برسالةٍ منه يخبرني فيها أنه يسكن في ناصية ذلك الشارع ذاته! ومع ذلك، لم يكتب لنا اللقاء حينها، بل تأجل لسنوات حتى جمعتنا البصرة عام 2024 في مؤتمر TEDx الذي كنت متحدثاً فيه، لندرك أننا، رغم شتات الجغرافيا، ما زلنا عالقين في صدى ذلك البيان الأول، وفي ذات التساؤل المُرّ.
كان حيدر يسألني مراراً عن معنى النجاة الحقيقي: هل هو في العودة إلى بروكسل، أم في الاستقرار بتونس -ملاذه المفضل- أم في الرجوع نهائياً إلى بغداد؟ وفي إحدى المرات، اصطحبته لزيارة الأب “منصور المخلصي”، الراهب البلجيكي المقيم في بغداد منذ عام 1965، والذي يحمل أمنيةً أخيرة بأن يموت ويُدفن عراقياً. وأمام فكرة فيلم وثائقي ترسم مفارقةً بين حيدر الذي نال الجنسية البلجيكية خلال خمس سنوات، وبين الراهب الذي حُرم من الجنسية العراقية رغم ما يزيد على نصف قرن من الإقامة، طرح حيدر سؤالاً يحمل ثقل التجربة كلها: “هل تعتقد حقاً أيها الراهب أن النجاة تكمن في أن تموت في بغداد وتُدفن هنا.. عراقياً؟
في غضون ذلك، اختار “كورش قادر” طريقاً آخر للنجاة، معلناً خروجه المبكر من اللعبة بالانتحار عام 2006. وتوفي باسم النحات في حادث سير عام 2007، بينما هاجر سمر قحطان إلى هولندا، وباسم الحجار إلى السويد، وضاع الآخرون في تفاصيل الحياة اليومية. ورغم تفرق “الناجين” في أصقاع الأرض، ظلت الأسئلة التي طرحت عام 2003 هي البوصلة التي تلاحقنا، لتذكرنا أن النجاة لم تكن يوما مجرد بقاءٍ على قيد الحياة، بل هي قدرتنا على مواجهة “أنفسنا” بعد أن خمدت المدافع.
في قلب هذه القصة، يبرز فارس حرّام كمركزٍ للثقل الفلسفي، فهو الشاعر الذي ارتدى عباءة الفيلسوف، والفيلسوف الذي لم يجد غضاضة في أن يتحول إلى متظاهرٍ في الشارع، بينما كان شعره يتحول عبر السنوات من الأسود إلى الفضي، وصولاً إلى الأبيض الذي يحمل اليوم حكمة التجربة. لقد قضى فارس سنواته وهو يُعيد تفسير البيان الذي صاغه بيده، باحثاً في طياته عن مخارج لمتاهة الوجود العراقي، حتى توّج هذا المسار بكتابه “ارض جاهزة للفاشيين”، الذي نعدّه نحن رفاقه تتمةً ضروريةً ووجوديةً لبيان (ناجون). لم يكتفِ فارس بكتابة النص، بل عاشه كممارسةٍ يومية، محاولاً فك شفرات الخراب التي حذر منها، ومجرباً تفسير بيانه بطرقٍ شتى، ليؤكد لنا أن النجاة ليست هي الحياة، بل تلك المساحة الضيقة التي نمنحها لأنفسنا لنكون مليئي ذواتنا لا مليئي غيرنا.
إن خطوة “الناجين” الأوائل عبر مسرحية (مرّوا من هنا) التي أخرجها باسم الحجار، أو نصب “الناجين” الذي صممه وأشرف على تنفيذه النحات باسم محمد في ساحة الفردوس، أو فيلم (غير صالح للعرض)، لم تكن لممارسة الفن من أجل الفن، بل كانت “فن البقاء”. لقد خلّف سقوط الدكتاتورية فراغاً في المعنى، فجاء تحركهم محاولةً لترميم هذا الفراغ بسرديةٍ تقاوم تنميط مصطلحات “التحرير أوالاحتلال”، وتضع الإنسان في قلب الحدث. وحين جُرّف نصب “الناجين” لاحقاً بجنازير جرافات السلطة الجديدة دون اكتراث، لم يكن ذلك إزالةً لنصب فني، بل محاولةً لاجتثاث الرمزية التي حملها. لقد أرادوا من خلال تسمية (ناجون) التحرر من خطاب الضحية، لكنهم اصطدموا بواقعٍ مرير من العنف الطائفي، حيث تحوّل “الناجي” من بانٍ لنصب الجمال إلى كائنٍ يصارع دوامة الهويات الفرعية.
ولأن القصة حين تكتنفها الخيبة تستوجبُ إعادةَ القراءة، يجب أن يولد “البيان الثاني” ليكون بيان مراجعةٍ وتطهير، يُصاغ في لحظة إدراكٍ مريرة بأن البقاء على قيد الحياة لم يعد كافياً ما لم يرافقه بقاءٌ على قيد الوعي. إننا نعيش في ظل هذا البيان الثاني كطقسٍ يوميٍّ يُعيد فك شفرات الخراب، مُحوّلين نداء النجاة الأول إلى ميثاقٍ للرفض المستمر. هكذا، لن نجعل رحلة “الناجين” مجرد توثيقٍ لذكرى، بل ميثاقاً نجدُ أنفسنا ملزمين به. ولأننا -بقدر ما نروي قصتهم- نحمل ذات الندوب، فإننا ما زلنا نتمسك بذلك القلق الذي يحمينا من السهولة القاتلة، ومن الزيف، ومن الاستسلام لسلطة اليقين الزائف. إننا لم ننجُ لنصمت، بل نجوْنا لنظل صوتاً يرفض التنميط، ويتمسك بصدق الإنسان في وطنه، وبصدقه في لغته، وفي قلقه الدائم تجاه هذا العالم الذي لا يزال يسألنا في كل لحظة: هل تحررنا فعلاً؟ وكيف يمكن أن تكون الحياة “الآن”؟
اليوم، لا نبحث في مسرح الرشيد عن أشباحٍ تحترق، بل عن فكرةٍ لم تُهزم بعد. إن النجاة التي نبشر بها ليست في التبرؤ من دمنا العراقي، ولا في الهروب إلى جغرافيا الأمان الباردة، بل في تلك القدرة العنيدة على أن نكون أناساً في وطنٍ أرادوا له أن يكون مجرد مقبرة. نحن لا نسأل هل نجونا؟ لننتظر إجابةً من أحد، بل نسأل لنؤكد لأنفسنا أننا، رغم كل هذا الخراب، ما زلنا نملك رفاهية أن نكون قلقين.. وأن نكون أحياءً بالمعنى الذي لا يعرفه التغييبُ الجمعي. القذائف توقفت، نعم، لكن الحكاية لم تنتهِ، فالحياةُ، في جوهرها، ليست إلا الشجاعة لنكون أنفسنا، حتى حين يخذلنا العالم.