التفجير الثاني… الثاني أم الثالث؟

هذه كانت صيغة السؤال على مجموعة الواتساب. الأخبار غير مؤكدة، بينما يحاول الجميع تجاوز الرقم، لمواجهة حقيقة أننا عُدنا إلى المكان نفسه الذي حاولنا الهرب منه.

في مطلع تموز (يوليو) الماضي، وخلال أقل من أسبوع، عادت أخبار الانفجارات إلى دمشق. وقع التفجير الأول يوم الخميس الثاني من تموز (يوليو) الماضي داخل مقهى «المشيرية»، التي تقع على بعد نحو 50 متراً من القصر العدلي، خلال ساعات الذروة (حوالي الساعة الثالثة والنصف عصراً)، وهو توقيت يتزامن عادةً مع أوقات ازدحام المكان بمُرتادي القصر، الذي يُعتبَر المقر المركزي للقضاء في دمشق.

انتشرت الصور والفيديوهات من موقع التفجير، وتفاوتت أرقام الضحايا والمصابين، وزاد استنفار القوى الأمنية، وأُغلقت الطرقات، لتعلن المصادر الأمنية السورية بعد أيام عن 9 قتلى ونحو 20 مصاباً، أغلب الضحايا من المحامين والعاملين في محيط القصر ومواطنين ضمن مراجعاتهم اليومية.

أما التفجيران اللذان وقعا في السابع من الشهر نفسه،  في المنطقة الممتدة بين جسر الحرية، عقدة دمشق الرئيسية لحركة الباصات والسرافيس، وجسر فكتوريا وصولاً إلى شارع الثورة، فقد وقعا في قلب منطقة مزدحمة بالحركة: محال تجارية، وفنادق، ومُجمّع يلبغا الذي يقصده المواطنون لإنجاز معاملاتهم في الأحوال المدنية. وبحسب المصادر الأمنية السورية، وقع الانفجاران بعبوتين بدائيتي الصنع، يفصل بينهما نحو خمس دقائق فقط؛ خمس دقائق كانت كافية لتجمُّع الناس في المكان، ما أسفر عن إصابة 18 شخصاً وأضرار مادية.

انتشرت سيارات الإسعاف والقوات الأمنية، فارضةً مشهداً اعتاده السوريون خلال السنوات الماضية: الشارع المغلق، الحركة المتوقفة، ووجوه تحاول أن تفهم ما حدث.

اختزلت العناوين العاجلة الحادثة بكونها وقعت قرب فندق الفورسيزونز، الفندق الأكثر شهرة وفخامة في دمشق، وبالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة السورية، وهي أول زيارة لرئيس دولة غربية منذ هروب نظام بشار الأسد.

لكن بعيداً عن صخب الشاشات والوفود الدبلوماسية، كانت دمشق تحاول مواصلة حركتها.

بين صوت الانفجار وأغاني جورج وسوف

الناس مسرعون. بعض الآباء والأمهات يهرولون نحو طرقات فرعية وجانبية، وبائعو القهوة الجوالون توقفوا عن عرض قهوتهم، ينظرون نحو موقع التفجير بفضول. شبان على خصورهم مسدسات لامعة تصنع الجدية. أحد أصحاب المحال يسدل باب محله إلى المنتصف، ينحني ليدخل وينحني ليخرج بتوتر. سائق تكسي قرب ساحة المحافظة يمسح زجاج سيارته الأمامي ببرود. أفتح باب السيارة وأنطلق معه بعيداً.

برود السائق مثير. يُقلِّب بين أغاني جورج وسوف ضمن «فلاشة» مهترئة تتناوب أضواؤها بين الأحمر والأزرق. كنتُ أَردُّ على رسائل الواتساب، بينما يجيب السائق على هاتفه ويقول: «وين يعني بالشغل!! لا، بعدني عايش وطالع طلب كمان، بحكي معك بعدين». أغلق هاتفه، ونظر نحوي ليبدأ حديثه بكلمة: «تَمسَحْنا».

لمن لا يعرف، فإن «التَمسَحَة» أسلوبُ عيش سوري قديم، يتجاوز اللامبالاة؛ بمعنى أن الإنسان اعتاد على الشيء حتى لم يعد يؤثر فيه. تأتي عندما تتخدر جميع المشاعر، ويصير العيش اليومي، رغم الحذر ورغم الخوف، واجباً أكثر منه وسيلة للاستمرار.

حتى كتابة هذه المقالة، كنت أظن أن «التَمسَحَة» جاءت من جلد التمساح السميك، إلا أنني الآن أدركت أنها قد تكون من فعل «مَسَحَ»، الذي يعني زوال الأثر أيضاً.

أخبرني السائق الأربعيني، بصيغة الجمع، أننا «تَمسَحَنا»، وأنه يسكن في مخيم الوافدين، وأنه سمع صوت التفجير وخاف، لكنه لا يستطيع العودة إلى البيت. إذا لم يؤمّن مصروف بيته ومصروف السيارة، سوف تنكسر أجرة يوم إضافي. أخبرني أن زوجته حاولت مساعدته بالعمل في روضة أطفال، وأن المؤجر سوف يزيد الإيجار، وأن بيته في الحجر الأسود لا يمكنه العودة إليه، وأنه لم يَعُد يأمل بأي شيء إلا من الله.

توقفت السيارة عند وجهتي. دفعتُ الأجرة، شكرته، وأغلقت الباب. لم ينتظر حتى أَبتعِدْ، وأعادَ تشغيل أغاني جورج وسوف.

كنتُ أنظر إلى شرفة منزلي من الشارع، وأنا لا أعرف إذا كنت قد «تَمسَحْتُ» أم لا، إلا أن ما أعرفه جيداً أن الرجل لم يكن يقول إنه لم يعد يخاف. كان يقول إن الخوف لم يعد سبباً كافياً لإيقاف حياته.

على ما يبدو، لم يحدث شيء

بعد ما يقارب الأسبوعين، عاد الشارع كما كان. رائحة زيت مقلي جاف منبعثة من المطاعم، تتداخل مع رائحة دخان سرافيس تُكدِّسُ الركاب وتنطلق بعيداً، عمال بانتظار سندويشاتهم، شباب قادمون من الريف ومن المحافظات الشرقية فوق موتورات البارت والريكس يبحثون عن زبائن، تُفرِّقُ صفوفهم سيارات عالية وضخمة.

أمشي من جسر فكتوريا باتجاه سوق الهال القديم. لم تتخلَّ هذه المنطقة عن دورها كواحدة من أقرب التجمعات الشعبية والعشوائية إلى قلب العاصمة دمشق. على طول الطريق، تحولت بعض المقاعد الخلفية للدراجات الهوائية إلى وسائل لبيع الشاي والقهوة أو الفستق المُدخَّن، وهي مهنة لاقت رواجاً أكبر مع ضيق الحالة الاقتصادية، بالإضافة إلى الحملات المستمرة على انتشار البسطات في المدينة. مع ذلك، استطاع بعض أصحاب البسطات تجاوز خفّة دوريات المحافظة باعتماد بسطات سريعة الطَّي والحمل، للهرب قبل مصادرة البضاعة.

يلاحظ المارة أن لا شيء قابلٌ للتوقف هنا، لولا بعض الفرش الكرتونية المربوطة بحبال على سياج حديقة شارع الثورة، التي تحولت تدريجياً إلى مساحة مفتوحة تتسع لغفوات متقطعة لأصحاب البسطات والحمالين والشحاذين في المنطقة.

أسحب كرسياً بلاستيكياً مكسور الظهر، وأجلسُ بين مجموعة عمال مياومين حوّلوا مجموعة الكراسي المصطفة إلى ما يشبه المقهى. ساعدَ في ذلك دراجة هوائية من نوع كورس الصينية التي غزت سوريا في الثمانينيات. عدّلَ أبو خالد مقعدها الخلفي لتتحول إلى ما يشبه البسطة: ترامس ماء ساخن، وغاز صغير على طرف الرصيف لغلي البن المطحون، والكثير من علب ظروف الشاي والقهوة الجاهزة.

همّة أبو خالد عالية، رغم العرج الخفيف في قدمه. يرفع ظرفاً، يهزّه ويومئ نحوي. لا أعرف ما الذي في يده، مع ذلك أهز رأسي بالقبول. تستند القدم السليمة إلى الأرض، بينما يمد أبو خالد يديه في جيوب وأكياس على طرفي الدراجة الهوائية، لتكونَ القهوة جاهزة بكأس من الكرتون، وعود تحريك، وحبة هال تطفو على السطح. أَستغِلُّ سؤال أبو خالد عن رأيي بالقهوة لأسأله كيف جاءته فكرة أن يُحوّل دراجته إلى بسطة. يضحك أبو خالد وهو يقول لي: «مو هي يلي أجت لعندي، أنا يلي رحت لعندها».

يروي أبو خالد أنه من ببيلا في ريف دمشق، وأن دكانه الصغير في منطقة سيدي قداد أفلس قبل سنوات، بعد دفعه المستمر للسماسرة في محاولة لتحرير والده المعتقل في سجون نظام الأسد. خسر والدَهُ والمحل، وفشلَ مراراً في العمل عند الناس؛ عملَ في العتالة والبناء، والتنظيف في مقهى، وسائق سرفيس. بعد هروب نظام الأسد، فتح بسطة وتمت مصادرتها، إلا أن ابن عمه أعطاه هذه الدراجة الهوائية ليُحوِّلها إلى وسيلة لبيع الشاي والقهوة. ويقول إن دوريات المحافظة لا تُدقّق على الدراجات الهوائية، ولو تمت مصادرتها، فسوف يرى ساعتها ما هو مُتاح ليفعله مجدداً.

يعود أبو خالد إلى دراجته، وهو يحمل كوب قهوتي الفارغ. شاب على يميني يسألني إذا كنت أريد توصيله، ويشير إلى ميتور بارت أمامه. أخبره أني أَفضِّلُ المشي.

الناس يعرفون أكثر مما يتحدثون. مع ذلك، لا بد من نبرة امتعاض لا يمكن إخفاؤها بالكامل أمام الغرباء، نبرة استنفد فيها السوريون والسوريات خطاب التفاؤل بعد هروب نظام الأسد، ليجدوا أنفسهم يعيشون «التَمسَحَة» كمصطلح يتجاوز التقبُّل، ويضعهم أمام مسؤولية تَحمُّل تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية، بينما الحذر يتفاقم سياسياً.

مدينتان لا تلتقيان إلا في العناوين

في الجولة الأخيرة للمشي، امتدت طوابير السيارات حول محطات الوقود، سائقو التكسي أكثر صمتاً، الحديث عن الغلاء وسحب العملة القديمة لم يتوقف، المدينة مزدحمة، بائعو وبائعات الخبز ما زالوا يتقدمون بحماس نحو نوافذ السيارات المسرعة، وبسطات فاكهة الصبّار زادت أكثر. وعود تحسين الأوضاع المعيشية باتت غير مجدية. لقد تحولت «التَمسَحَة» من صفة شخصية إلى حالة عامة تصنعها المدينة كأسلوب حياة، أنتجه تكرار الخسارات ومحاولة الترميم المستمرة لأغلب العائلات السورية على مدار سنوات.

إلا أن ما نعرفه عن هذه المحاولة في السعي، وتقاطع السياسة بالاقتصاد بالأوضاع الأمنية والمعيشية، أنها تفرض «التَمسَحَة». لم تكن يوماً مهارة مكتسبة، بل واقعاً يُجبِرُ الناسَ، بعد تراكم العجز، على الاستمرار. رغم محاولاتهم الاحتجاج، وتعبيرهم المستمر عن السخط، فإن غياب النتائج الملموسة لتحسين حياتهم اليومية هو من حوّلَ الدراجة إلى بسطة قهوة، وهو من دفع سائق التكسي للاستمرار بالعمل رغم الانفجار. وهذا تحديداً لا علاقة له بالبطولة ولا النسيان؛ إنه نوع من الحفظ الصامت. إنه ليس فقداً للذاكرة، بل أرشفة يومية لها، لأن ما يعني الناس الآن أن هناك حدثاً جديداً قادماً، لا يهم متى وأين. أهم ما يمكن فعله هو تفادي القادم وبسرعة، لأن الشعور الكامل بالخسارة يحتاج توقفاً مؤقتاً، لا يملك الجميعُ رفاهية امتلاكه.

لربما هذا ما يدفعنا للصمت قليلاً في كل مرة نسأل فيها: كيف هي الحياة في الشام؟! صمتٌ يدفعنا للتفكير بعمق في المسافة بين الجسد الرسمي/السياسي والجسد الجماعي، وفي التضاد الحاد بين أخبار العدالة الانتقالية، والزيارات الرسمية، وإعلانات المشاريع وإعادة الإعمار، وبين ما يحدث فعلياً في الشارع. لقد بات الناس يُعيدون ترتيب حياتهم اليومية بمعزل تام عن ذلك الخطاب، وكأن ثمة مدينتين متوازيتين لا تلتقيان إلا في العناوين.

وربما هذا التناقض بالذات هو ما يستحق أن يُروَى: تلك المسافة الرمادية بين ما يحدث وبين نسيانه المؤقت، حيث لا أحد يسمح لنفسه بالتوقف طويلاً ليسأل ما الذي فعله به الخوف فعلاً. فالمدينة لا تُشفى في هذه المسافة؛ هي فقط تُرجٍئ راحتها إلى وقت لم يَحِنْ بعد.