..حسام معروف…ضفة ثالثة
يسهم ما يتبقى من الشروخ والتصدّعات في تشكيل هوية الإنسان لوقت طويل. فما يعيشه المرء من تجارب يمهد لمربع آخر، بقدر ما فيه من الهدوء، يكون فيه تأجج خفي وذرى بحاجة للمس حتى تظهر محاكاة جديدة للحياة.
في إطار ذلك صدرت مجموعة “الحمام في قلبي” للشاعرة نجلاء أبو مرعي، عن دار “مرفأ للثقافة والنشر”، 2026، في محاولة لترميم تلك التصدّعات التي يتركها الوجود في الذاكرة.
ترتكز محورية هذا العمل على كونه لا يدعي الحكمة المطلقة، بل يقدم الخلاص بوصفه عبئًا لا يُحتمل، وتبدو فكرة التحلل من الماضي غير متحققة في الكثير من النصوص.
هنالك رمزية عالية في شعر أبو مرعي، يمكن استشعارها عبر الصور التي تفتح لمكان أوسع، ولمساحات تعيد تدوير الصراع. فيصبح النص عبارة عن طبقات زمنية متراكمة، متداخلة، ومتصارعة في هيئة جمل شعرية منسابة. فنجد مثلًا، أن “الحمام” يتحول من رمز كلاسيكي للسلام إلى كائن مضطرب ينتحر صمتًا داخل القفص الصدري.
يمكن استخلاص أن قصائد نجلاء أبو مرعي تأتي بمثابة تشريح دقيق لما في الداخل، لربما شيء وحيد ولربما كل شيء في نفس اللحظة. هذا الغبار الذي تتركه التجربة على أسطح الأشياء، هو الشعر الذي تعمل من خلاله الشاعرة.
نحن هنا أمام جغرافيا نفسية تتراوح بين “شبر وأربعة عقود” وبين “حياة موازية”، حيث يصبح الزمن مجرد مسافة تُقاس بمدى قرب الشجرة من العين، أو صرخة تُخبأ بعناية في وعاء نحمله لأي مكان، بانتظار لحظة انفجار لا تأتي.
وعاء يحمل أسرارنا
في قصيدة “صرختي”، تمارس الشاعرة نوعًا من الغواية الوجودية عبر تحويل الانفعال الإنساني الخام إلى مادة عضوية قابلة للتخزين والتدجين. الصرخة هنا لا تعبر عن صوت يرتطم بالخارج، وإنما مادة مختمرة تكنز وتنتفخ في وعاء أخضر، مما يعكس رغبة الذات في السيطرة على الحراك الداخلي وتحويله إلى غذاء شخصي. هذا التشييء للألم يكشف عن انفصال حاد بين الذات وردّات الفعل تجاه التجارب. فالصرخة التي تهمل، تفقد وظيفتها كأداة للتواصل، لتصبح مجرد شاهد صامت على غبار غرفة مقفلة منذ سنين. إن الموسيقى الداخلية في هذا النص تعتمد على تباطؤ متعمد، يحاكي حركة اليد وهي تتفقد الوعاء، حيث تتحول اللغة من أداة تعبير إلى أداة حفر وتنقيب. التناقض هنا يبرز بين التورمات الداخلية للحزن والألم والصراعات الإنسانية، وما بين كون كل ذلك محبوسًا في قفص اسمه الجسد. فالكائن يرصد نمو حزنه الخاص بدون القدرة على إطلاقه، فيتحوّل الصراخ إلى فعل داخلي، منه تنبت شذرات الشعر، والصورة الإنسانية الجديدة. شاشات متنوعة يصنعها الشعر أمام العين، في كل لحظة تعطي مساحة جديدة للتأمل، وبهذا يستمر العالم خيالًا وواقعًا.
من النص:
“صرختي عجينةٌ مختمرةٌ
تركتُها في وعاءٍ أخضرَ عند رفّ العتمة.
أتفقّدُها كلّ صباحٍ ومساء
تتنفّس الصعداءَ وتنتفخ.
عتبتُها عاليةٌ لا تُحاكي العظام
نضجُها يسابقُ غبارَ غرفِ النوم”.
قصة انتهاء العالم
تنتقل نجلاء أبو مرعي في قصيدة “ميراث” إلى تفنيد مفهوم الأمومة ليس بوصفها غريزة، ولكن مهارة يتم توريثها بالعدوى والترهيب الصامت. وفي ذلك إسقاط شعري يوحي بمحو الذات وتغييبها. إن تنكيس الصوت الإنساني يشبه قصة انتهاء العالم. فالشعر صوت والإنسان صوت، وانهيار تلك القيمة ينذر بالفراغ. في تلك القيمة التي بحثت عنها الشاعرة، صوت يجعل من اللغة ثورة ناعمة، ضد كافة الجدران والحواجز المصنعة بعناية لإلغاء الآخر.
اللغة في القصيدة بسيطة رقيقة. المشهد يشبه تقشير حبة بندق. قشرة ناعمة لغة أبو مرعي، تكشف بمجرد ملامستها عن خبايا الكثير من الألم، وترفع الأغطية عن إنسان لم يظهر للعالم سوى لحظة الولادة.
أما الإيقاع فينكسر أحيانًا ليتناسب مع الحالة النفسية للنص. حيث تتلاحق الجمل القصيرة لتعكس ضيق النفس والقيود المفروضة على الصوت. في التسارع هنالك صورة قهر وتكسر، وفي البطء يظهر الخذلان وإنزال الراية للأسفل، هكذا يتناغم الشعر مع الحواس البشرية، يتشكل كما لو أنه جسد متحرك. يدفعنا النص للتفكير في وجودية الشعر، فالشعر الجسد الأكبر لتاريخ الألم البشري، يستمر في تمدده، وتشعرك قصيدة أبو مرعي، بأن هنالك ما لا يموت ولا يذهب للمقبرة.
من النص:
لم تسلمّني أمي مفتاحَ قلبِ الرجل
علّمتني خفضَ الأنين.
علّمتني كيف تُصنعُ جوهرةٌ من لحمٍ ودمٍ
من حبةِ بندورةٍ مهترئةٍ لتشبعَ بطنَ جائع.
علّمتني كيف أنامُ على جنبٍ واحدٍ
وأكتمُ أسرارَ الحيارى”.
استرخاء
في قصيدة “جثة في سرير”، نجد تجسيدًا لخط شعري يتبنى “المجاز اليومي” بعيدًا عن كليشيهات الشعر التقليدي. فلا تعبر الجثة عن الموت البيولوجي، وإنما حالة الركود التي تتبع الانكسارات الروحية الكبرى. حيث تتحول الندوب إلى “نصال” تغزو الجسد كلما حاول الكائن الاسترخاء. الإيقاع الشعري في هذا النص يتسم بنوع من الجنائزية، فهو إيقاع متباطئ، ثقيل، يزحف على أصابع القدمين لئلا يوقظ الوجع المستتر.
الموسيقى الداخلية تُبنى من تكرار ثيمات القلق الوجودي، بما يشبه جرسًا خافتًا في كنيسة قديمة. كل شيء في النص يوحي بالانقباض، كل شيء يصنع قيمة شعرية متحركة مثل مدر بحري صباحي.
الشاعرة هنا لا تصف موتًا، ولا تؤخره، إنها تتلاعب باللغة لتجسّد صراعًا يعيد إنتاج الحياة بشكل متقبل.
هذا النص يمثل ذروة الحزن، الجسد فيه لا يطلب شفقة، وإنما يد تغير الاتجاه. أما الرأس فيطلب قبعات أخرى ليخفي الألم.
من النص:
“أصابعي تتكلّلُ بمساميري
أزرعُها في فروةِ رأسي بعد كلّ نزال.
ليلي يسكنُ جثتي
والنهارُ ندبُ الصدفة.
أبحثُ عن ليلةٍ أخيرةٍ
وموتٍ يؤازرُ الموعد”.
أقفاص
تكتمل صورة التمزق الوجودي في قصيدة “الحمام في قلبي”، حيث يتحول العنوان إلى فعل انتحار رمزي. الشاعرة تصنع الحالة السريالية، لتكسر كافة حسابات المنطق. فالنص يجمع بين الضحك والخراب المطلق. هذا الخط الشعري يتغذى على المفارقة بين أجنحة تصل السماء، وسجن يشد المرء لما تحت الأرض. حيث تظل الذات سجينة لحظة حالمة، وبالألم تتضرع لآلهة الأرض التي لا تستجيب.
إنها محاولة لتصوير كيف يمكن للحلم أن يتحول إلى قفص، وكيف يمكن للقلب أن يصبح مقبرة لطير يرى في تقرير مصيره فعلة وجود. لم تجد أبو مرعي فضاءً يتسع لأجنحة الإنسان المنكسرة، ليبقى الشعر هو الصدى الوحيد لهذا الانكسار المكتوم.
تقول الشاعرة:
“الحمام في قلبي ينتحر
والمسامير في ظهري تنتصب
أزحف بركبة واحدة فوق عشب أصفر يشرب من دمي ولا يلين…
أضحك والخراب يملأ رئتي”.
حيّز صغير
أما في قصيدة “وصية”، فنجد حالة التناغم ما بين الرغبة في التلاشي التام والحاجة لأن يُقرأ هذا التلاشي شعريًا. فترفض الشاعرة بطن الأرض ورطوبته، لأنها تخاف برودة الأشياء وتوقف مسيرها. تمسح خلالها الشاعرة كل أشكال النهايات، وتختزلها في يد باردة لا تتحرك وتكتفي بحيزها الصغير. في النص مفارقة تجعل الموت يبدو كفعل خصوصي جدًا وحسي لدرجة الإرباك. تطلب النسيان في “ركن مشمس جزئيًا” في بيت الأهل، بعيدًا عن المراسم الجنائزية الكبرى. هذا الرصد يجعل العمل الشعري باحثًا مستمرًا عن أثر دائم، يجدد الوجود البشري.
يُعيد النص صياغة النهاية كفعل استرخاء أخير، بعيدًا عن ضجيج العالم الزائف والمتصنع.
من النص:
“لا تضعوا جثتي في بطن الأرض، لا أحب الرطوبة وبشرتي لا تحتمل البرد. اتركوني في ركن مشمس جزئيًا، في بيت الأهل، حيث يمر النسيان دون جلبة، ودون أن يوقظ أحدًا”.
تجسد مجموعة “الحمام في قلبي”، 67 صفحة، صرخة مكتومة في الفم، يمكن ملامستها بمجرد انهمار اللغة واسترسال الجملة الشعرية. في المجموعة أقدام خفية تمشي داخل الجسد، تجول العالم برغبة الوصول الأخير لعتبة بيت هادئ.
فتلك الآلام لا تتحرك دون جسد، وتلك الأحزان تبقى معلقة في الحلق، بحاجة لمن يقولها، يخرجها، يجعلها صورة أخرى للوجود عبر الشعر.