
اختصاصي نفسي وكاتب ومترجم عن الفارسية…. جريدة الثورة السورية .دمشق
تحمل الحافلات العامة، في ساعات الصباح الأولى، مشهداً يومياً مكثفاً يختزل سيكولوجية المجتمع بأكملها: أفراد يلتقون على مقعد واحد بصمتٍ مشوبٍ بحذر تلقائي، وكأن المسافة الفاصلة بينهم تشكّل خط الدفاع الأول عن الذات. يمثّل هذا المشهد العابر آلية نفسية يعتمدها العقل الجمعي هرباً من قلق المجهول، فيغدو الصمت وسيلة لحماية الذات داخل حدود الأمان المألوف.
ويستدعي العبور من هذا السكون الحذر نحو فضاءات الفهم المشترك جهداً يتجاوز النصوص القانونية والدستورية إلى عمق الترميم الثقافي والنفسي الذي يلامس كرامة الإنسان في أدق تفاصيلها، وهو بالضبط ما تؤصّله الفيلسوفة مارثا نوسباوم في طرحها حول الخيال الأخلاقي بوصفه أداة للقبول والشراكة الإنسانية الكاملة.
يمثّل التعايش السطحي مرتبة قاصرة من مراتب الاستقرار المجتمعي، فهو انكفاء اختياري يحافظ على مسافة آمنة من الاحتكاك المباشر، دون أن يبني جسوراً فعلية للتواصل. وتدعو نوسباوم، في المقابل، إلى تبنّي الفضول التعاطفي بوصفه فضيلة نشطة وفعل مواطنة حركي يستدعي مهارات إنسانية واعية.
ويتجلّى دور النخب الفكرية والتربوية في تحويل هذا التعايش الساكن إلى رغبة صادقة في سبر أغوار تجارب الآخرين، وفهم طبيعة الهواجس التي أنتجتها التحولات الراهنة، الأمر الذي يؤسّس لأرضية صلبة من التضامن الإنساني العابر للاختلافات الفكرية والجغرافية، ويحوّل التباعد إلى تقارب واعٍ قائم على المعرفة والإنصات المتفهم.
يتكامل هذا الفضول المعرفي مع طاقات الإبداع، فالخيال الأخلاقي يُكتسب ويُنمّى عبر أدوات الثقافة: الأدب والمسرح والفنون التشكيلية والقصة. يحمل النص الإبداعي قدرة فريدة على كسر الجمود المعرفي، ويفتح للأنا مساحة الحلول في فضاء الآخر، واختبار حياته وهواجسه من الداخل، خصوصاً أولئك الذين دفعتهم الظروف إلى الهوامش.
وعندما يتماهى القارئ مع حكاية مواطن ينتمي إلى بيئة مغايرة، ويتلمّس تفاصيل يومه، يتبدّد شعور الاغتراب، وتتفكك جدران الريبة التلقائية تجاه الغريب. تشكّل هذه العملية تربية واعية للمشاعر، وعقداً جديداً من الصلات الإنسانية، يعيد صياغة الاختلاف بوصفه مصدر غنى للتجربة السورية المشتركة، وعنصراً جوهرياً في تماسك الهوية الجامعة وأبعادها الإنسانية.
تتصل هذه الفكرة العاطفية بالواقع التنموي المعاش عبر مقاربة القدرات التي صاغتها نوسباوم معياراً سيكوسوسيولوجياً للعدالة. يقوم المجتمع المتسامح حقاً على توفير الأرضية الخصبة والبيئة الملائمة، بحيث يتمكّن كل فرد من تنمية ملكاته الإنسانية وإبراز طاقاته الحيوية في حقول التعليم والصحة والمشاركة المجتمعية الناضجة.
ويمنح تمكين المواطن وصون مكانته الإيجابية شعوراً بالفاعلية والأمان، يحفّزه على المساهمة الفعلية في البناء، فيصبح تكافؤ الفرص وعدالة التوزيع الركيزة الأساسية للمناعة الذاتية والاستقرار المستدام، ويغلق الباب أمام مشاعر العجز المكتسب والعدائية التي ينتجها التهميش التنموي.
تنبع حالات الرفض والانغلاق، وفق التحليلات النفسية والفكرية، من الخوف والنفور الإسقاطي، حيث يميل الإنسان في لحظات القلق الجمعي إلى إسقاط هواجسه الذاتية على الآخرين، فيراهم تهديداً لهويته ومكتسباته. ويستدعي تجاوز هذه الحالة حركية واعية تنقل المشاعر من التمركز حول الذات نحو المشاعر الأخلاقية الكبرى، كالشفقة والتعاطف، التي تعترف بالمساواة الجوهرية بين البشر وتصون كرامتهم.
ويُدعى الخطاب الإعلامي والتربوي والثقافي السوري إلى تبنّي استراتيجيات واضحة تعزّز هذه المواطنة التعاطفية الواعية، عبر تسليط الضوء على نماذج التضامن المجتمعي المشرقة، وصياغة لغة وطنية جامعة تحتفي بالتنوع وتحترمه، بما يتسق مع قيم المهنية ومدوّنات السلوك الإعلامي الرصينة.
يكمن القبول المشترك، في عمق ما تحتاجه اللحظة الراهنة، في واجب مواطنة مستمر وممارسة يومية واعية، تبدأ من تفاصيلنا الصغيرة، من مقعد الدراسة وحافلة النقل، وتنتهي برسم ملامح وطن يتسع للجميع بكرامة.
ويبقى المجتمع السوري الذي نطمح إلى ترسيخ بنيانه هو ذلك الذي يرى أبناؤه، عبر تنمية خيالهم الأخلاقي وتربية عواطفهم، أن اختلافاتهم الفكرية والثقافية تشكّل القوة الدافعة والثراء الحقيقي الذي يمنح الهوية الإنسانية السورية صورتها الأجمل والأكثر تماسكاً في وجه المستقبل.