ملخص
للسياسة دور مدمر في التجارة العالمية. روسيا ترسل نفطها وغازها إلى الهند والصين برحلات طويلة حول العالم بدلاً من أوروبا المجاورة. بيرو وتشيلي تتبادلان الغاز عبر أطراف القارات. ألمانيا تشتري الغاز الروسي عبر فرنسا لتبدو “نظيفة”. وقطر والكويت ومصر تفعل الشيء نفسه حول أفريقيا.
تلعب السياسة دوراً محورياً في تشكيل التحالفات التجارية العالمية. في أحسن صورها، تُسهم في تحقيق وفورات اقتصادية هائلة من خلال استيراد السلع من أكثر الدول كفاءة في إنتاجها وبأقل التكاليف، ومن أقرب المصادر الجغرافية. غير أن السياسة أحياناً تفعل العكس تماماً. تتدخل فتنقلب أساسات السوق رأساً على عقب، ويصبح اللامنطق والعبثية سيدَي الموقف. وهذا بالضبط محور مقال اليوم. كل القصص المذكورة فيه حقيقية وموثقة، ويمكن التأكد منها بكل سهولة.
بيرو وتشيلي جارتان على الساحل الغربي لأميركا الجنوبية، تطلان معاً على المحيط الهادئ. تنتج بيرو غازاً طبيعياً بكميات تفوق حاجتها، بينما تعاني تشيلي شحاً شديداً في الغاز وتضطر لاستيراده. من الناحية الاقتصادية والجغرافية، تبدو القصة بسيطة جداً: يكفي بناء أنبوب غاز قصير بين البلدين ليحل المشكلة بأقل تكلفة وبأعلى كفاءة. لكن الواقع أبعد ما يكون عن المنطق. الحرب التي اندلعت بين البلدين في القرن الـ19 لا تزال تُلقي بظلالها الثقيلة على العلاقات السياسية حتى اليوم. ورغم الحوارات والمفاوضات المتكررة، لم يصل الجانبان بعد إلى أي تطبيع حقيقي يسمح بتعاون طاقي بسيط. فماذا يحدث إذن؟
تصدّر بيرو غازها الطبيعي المسال إلى أوروبا بهذه الطريقة الخيالية: ترسل السفن جنوباً نحو أطراف القطب الجنوبي، ثم تدور حول رأس أميركا الجنوبية كاملة، وتتجه شمالاً مرة أخرى حتى تصل إلى أوروبا قرب القطب الشمالي!
المسافة بين بيرو وتشيلي لا تتجاوز 1200 ميل بحري (رحلة تستغرق بضعة أيام فقط)، بينما المسافة إلى شمال هولندا تصل إلى 9 آلاف ميل بحري (أكثر من شهر كامل في البحر).
والأمر أكثر سخافة من ذلك: تستورد تشيلي غازها المسال من الولايات المتحدة، فتسلك السفن الطريق نفسه: جنوباً إلى أقصى الجنوب، ثم تدور حول القارة كلها شمالاً حتى تصل إلى محطة إعادة التغويز في كوينتيرو. المسافة بين محطات التصدير الأميركية وتشيلي حوالى 8 آلاف ميل بحري، مقابل 1200 ميل فقط لو جاء الغاز من بيرو المجاورة.
بل إن الأمر يمكن أن يكون أقل جنوناً بكثير، إذ يستطيع الجانبان استخدام قناة بنما لتقصير المسافة بصورة كبيرة، لكن ازدحام القناة وارتفاع تكاليف العبور يجعلهما يفضلان الدوران حول أميركا الجنوبية.
ولا يتعلق الأمر بناقلة أو ناقلتين. في عام 2025، صدّرت بيرو 77 ناقلة غاز مسال، بينما استقبلت تشيلي نحو 40 ناقلة. كمية الهدر الهائلة في الوقود والوقت وأجور البحارة وتكاليف الشحن والتأمين، ناهيك بالانبعاثات البيئية الضخمة الناتجة عن هذه الرحلات الدائرية العبثية، تُعدّ خسارة اقتصادية وبيئية هائلة. الغريب أن نشطاء البيئة الذين يحذرون باستمرار من الكوارث المناخية يلتزمون الصمت التام أمام هذا الهدر البيئي الواضح.
وما يحدث بين بيرو وتشيلي ليس استثناء، بل نموذجاً يتكرر في مناطق كثيرة حول العالم، كما سنرى في الأمثلة المقبلة.
روسيا والصين
بنت روسيا محطات تسييل غاز طبيعي ضخمة في سيبيريا، قرب المحيط المتجمد الشمالي. الفكرة كانت بسيطة ومنطقية: تصدير الغاز المسال شمالاً وغرباً إلى أوروبا، حيث المسافة قصيرة، والتكلفة منخفضة، والغاز المسال أنظف نسبياً من الفحم.
لكن بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، قررت أوروبا تقليص وارداتها من الغاز الروسي بصورة كبيرة. فاضطرت روسيا إلى إعادة توجيه شحناتها نحو الصين. هنا تبدأ القصة في التحول إلى عبثية: المسافة من محطة “يمال للغاز المسال” في الشمال الروسي إلى شمال غربي أوروبا (مثل هولندا) قصيرة نسبياً. أما المسافة إلى الصين فتصل إلى أربعة أضعاف عبر البحر الأحمر، وستة أضعاف إذا دارت السفن حول أفريقيا.
بدأت روسيا بإرسال الشحنات عبر البحر الأحمر، لكن مع بداية هجمات الحوثيين على السفن، اضطرت إلى تحويل الطريق حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا. تخيّل حجم الزيادة في التكاليف: وقود أكثر، وقت أطول في البحر، أجور بحارة إضافية، وأقساط تأمين فلكية… كل ذلك بسبب مضاعفة المسافة ست مرات. الأمر الأكثر غرابة: كل شحنات نفط الأورال الروسي المتجهة إلى آسيا تمر بسلام عبر البحر الأحمر، ولا تواجه مشكلات مع الحوثيين. أما الغاز المسال فيُحوّل حول أفريقيا. لماذا التمييز، هل هذا جزء من حروب الغاز المسال؟
وفي فصل الصيف فقط، تتحسن الصورة نسبياً. يذوب الجليد ويفتح الممر الشمالي، فتستطيع ناقلات الغاز المسال الإبحار شرقاً ثم جنوباً نحو الصين. هذه الطريق أقصر بكثير من البحر الأحمر أو أفريقيا، لكنها محدودة بأشهر الصيف فقط، وتبقى عرضة لأخطار الجليد والطقس القارس. بهذه الطريقة، تحولت فكرة بسيطة، تصدير غاز رخيص ونظيف إلى أوروبا المجاورة، إلى رحلات بحرية طويلة ومكلفة وبيئياً أكثر ضرراً، فقط بسبب السياسة.
ألمانيا وفرنسا وروسيا
وقعت ألمانيا عقداً لتوريد الغاز الطبيعي المسال (LNG) منذ أكثر من 10 أعوام. في ذلك الوقت، لم تكن ألمانيا تمتلك أي محطات لإعادة التغويز، لذلك كانت الشحنات تُرسل إلى فرنسا. هناك يُعاد تسييله (تحويله إلى غاز)، ثم يُنقل عبر الأنابيب إلى ألمانيا. وبهذا كانت ألمانيا تدفع مبالغ إضافية لعملية إعادة التغويز والنقل غير الضروريين. لاحقاً، وبعد أزمة الطاقة، بنت ألمانيا أربع محطات عائمة وثابتة لإعادة التغويز على سواحلها. أصبح بإمكانها الآن استيراد الغاز المسال مباشرة إلى أراضيها… لكنها اختارت ألا تفعل ذلك مع الغاز الروسي، رغبةً منها في الظهور أمام العالم بأنها تقف بقوة إلى جانب أوكرانيا وتُعاقب روسيا.
استمرت ألمانيا في شراء الغاز المسال الروسي، لكن بصورة غير مباشرة: ترسل الشحنات إلى فرنسا لإعادة التغويز، ثم تدخل إلى ألمانيا عبر الأنابيب. النتيجة؟
رسمياً، تظهر الإحصاءات أن فرنسا هي من تستورد الغاز الروسي.
أما السياسيون الألمان فيصرون على القول: “نحن لا نستورد غازاً روسياً”.
لو استوردت ألمانيا الغاز الروسي مباشرة إلى محطاتها الجديدة، لكانت حصلت عليه بتكلفة أقل بكثير، ولانخفضت فاتورة الطاقة على الصناعة والمواطنين. لكن السياسة كان لها رأي آخر. هكذا تحولت عملية توريد بسيطة إلى مسرحية سياسية مكلفة، يدفع ثمنها المستهلك الألماني والاقتصاد الألماني، فيما تبقى الصورة السياسية “نظيفة” على الورق.
النتيجة؟ إهدار ملياري للموارد في وقود السفن والنقل البحري، فقط حتى تظهر السياسة “صارمة” أمام الرأي العام، من دون أن تكون كذلك فعلياً.
وما حدث بين بيرو وتشيلي يتكرر اليوم في العالم العربي: قطر تصدر غازها الطبيعي المسال إلى أوروبا عبر الدوران حول أفريقيا، بينما تستورد الكويت غازاً مسالاً أميركياً بنفس الطريق الطويل حول القارة. والأجدى اقتصادياً وبيئياً أن تصدر قطر غازها مباشرة إلى الكويت، وأن توجه الولايات المتحدة شحناتها إلى أوروبا. كذلك، تستورد مصر غازاً مسالاً أميركياً يمر عبر قناة السويس، مع أن الأقرب والأرخص لها هو الغاز القطري أو الإماراتي أو العماني الذي يمكن أن يصلها في أيام معدودة.
خلاصة الموضوع أن للسياسة دوراً مدمراً في التجارة العالمية. روسيا ترسل نفطها وغازها إلى الهند والصين برحلات طويلة حول العالم بدلاً من أوروبا المجاورة. بيرو وتشيلي تتبادلان الغاز عبر أطراف القارات. ألمانيا تشتري الغاز الروسي عبر فرنسا لتبدو “نظيفة”. وقطر والكويت ومصر تفعل الشيء نفسه حول أفريقيا. النتيجة: إهدار ملياري هائل في الوقود والوقت والبيئة، فقط لإرضاء السياسة على حساب المنطق الاقتصادي. ما يغيظ في الأمر هو أن هناك حلول سهلة ومفيدة لكل الأطراف: إجراء تبادل للغاز والنفط عبر شركات التجارة العالمية: الغاز الذاهب من بيرو إلى أوروبا يذهب لتشيلي، وبدلاً منه يذهب الغاز الأميركي إلى هولندا. وهذا ينطبق على كل الحالات الأخرى. لكن المواقف السياسية تمنع ذلك.
