قبل اثني عشر عاماً، استبعد بريت ماكغورك، المبعوث الأميركيّ السابق للتحالف الدوليّ ضدّ “داعش” وأحد أبرز مهندسي الشراكة مع قوّات سوريا الديمقراطيّة “قسد”، أن يتمكّن الثوّار من إزاحة بشّار الأسد، ورأى أنّ خروجه يحتاج إلى تسوية دبلوماسيّة. في 22 أيلول، يجلس ماكغورك محاوراً أحمد الشرع، الرجل الذي أسقط الأسد وأصبح رئيساً لسوريا. لكنّ الاختبار لم يعد في وصول الشرع إلى دمشق، بل في قدرته على توسيع الشراكة مع واشنطن وتحويلها إلى مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ مستدام.
يشارك الشرع في اجتماعات الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة، ويظهر في جلسة ينظّمها “مشروع سوريا” في المجلس الأطلسيّ، تتناول:
1- مستقبل سوريا وإعادة الإعمار والتعافي الاقتصاديّ وإصلاح المؤسّسات.
2 – تطوّر العلاقة مع الولايات المتّحدة.
3 – إعادة اندماج سوريا في محيطها الإقليميّ.
يدير ماكغورك الجلسة بصفته زميلاً في المجلس الأطلسيّ، لا ممثّلاً للإدارة الحاليّة. لكنّ خبرته في سوريا وشراكته مع “قسد” تمنحان اختياره دلالة خاصّة.
تثبيت العلاقة مع واشنطن
تأتي الزيارة بعدما انتقلت العلاقة بين واشنطن ودمشق من العزل إلى الانفتاح. في 24 آب، ألغت وزارة الخارجيّة الأميركيّة تصنيف سوريا دولةً راعيةً للإرهاب، وألغت تصنيف “جبهة النصرة”، المعروفة أيضاً باسم “هيئة تحرير الشام”، كمنظّمة إرهابيّة عالميّة مصنّفة بصورة خاصّة، بالتزامن مع إجراءات نفّذتها وزارة الخزانة لرفع القيود المرتبطة بالتصنيفين.
أزالت الخطوة ما وصفته دمشق بآخر عائق كبير أمام الاستثمار، لكنّها لم تجعل العلاقة محصّنة من التراجع. بحسب مصادر “أساس”، سيحاول الشرع خلال لقاءاته تثبيت التحوّل الأميركيّ. وسيقدّم دمشق باعتبارها شريكاً قادراً على ضبط الحدود ومحاربة التنظيمات وإدارة المؤسّسات، بعدما أصبحت الدولة تتولّى مهمّات أدارتها واشنطن سنوات من خلال قواعدها وشركائها.
في المقابل، تنتظر واشنطن نتائج في مكافحة “داعش”، ودمج القوى المسلّحة، وحماية المكوّنات، واستقرار الجنوب. وسيتم مراجعة هذه العناوين في اللقاء المقرر للشرع مع وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو.
من الاستثمار إلى الإعمار
لا يذهب الشرع إلى نيويورك لإقناع الأميركيّين بدخول سوريا من الصفر. فالانخراط الأميركيّ في قطاع الطاقة بدأ فعلاً، ولو أنّ معظمه لا يزال في مرحلة التخطيط وإعداد المشاريع. منذ تمّوز 2025، دخلت شركات “Baker Hughes” و”Hunt Energy” و”Argent LNG” في إعداد خطّة لتطوير قطاعات النفط والغاز والكهرباء. واتّسع المسار لاحقاً إلى خطط تعاون أميركيّة – سعوديّة في قطاع الطاقة شمال شرقيّ سوريا، إضافة إلى اتّفاق منفصل تشارك فيه “Chevron” للتنقيب عن النفط والغاز قبالة الساحل.
تسعى دمشق بحسب المصادر إلى ربط الاستثمار في الطاقة بإعادة تشغيل الكهرباء والمصانع والخدمات. لكنّ توسيع المشاريع يحتاج إلى قوانين واضحة، وقنوات مصرفيّة مستقرّة، وضمانات لحماية رأس المال، وإدارة شفّافة للعقود والموارد. هكذا يمكن أن يتحوّل الاستثمار إلى إحدى أدوات واشنطن لربط الانفتاح الاقتصاديّ بالتزامات دمشق الأمنيّة والسياسيّة.
ما بعد الانسحاب الأميركيّ
أكملت الولايات المتّحدة في 16 نيسان 2026 انسحابها من قاعدة “قَصْرَك” في الحسكة، آخر قواعدها الرئيسيّة في سوريا، بعدما كانت قد غادرت التنف والشدادي ومواقع أخرى. لذلك، لن يبدأ النقاش في نيويورك من وضع جدول للانسحاب، بل من قدرة دمشق على إدارة المرحلة التي أعقبته من دون عودة الفوضى أو “داعش”. من هنا سؤال المهتمّين: هل تستطيع الدولة السوريّة تولّي المهمّات الأمنيّة التي كانت واشنطن وشركاؤها يديرونها ميدانيّاً؟
يرتبط الجواب بالقدرة على ضبط الحدود مع العراق، وملاحقة خلايا التنظيم، وإدارة مراكز الاحتجاز والمخيّمات، والحفاظ على التنسيق الأمنيّ مع الولايات المتّحدة والدول المجاورة.
يرتبط الاختبار أيضاً بمصير “قسد”، التي أعلنت في 25 آب حلّ قوّتها العسكريّة المستقلّة ضمن مسار اندماجها في الجيش السوريّ. فقد استعادت دمشق مناطق وقوّات وموارد، لكنّها تسلّمت معها مسؤوليّات معقّدة: دمج المقاتلين، وضمان الحقوق الكرديّة، ومنع أعمال الانتقام، وإدارة الأمن في شمال شرقيّ البلاد.
نجاح دمشق يسمح لواشنطن بالحفاظ على أهدافها الأمنيّة من خارج الأراضي السوريّة. أمّا الفشل، فقد يعيد طرح ترتيبات أو شراكات أمنيّة منفصلة عن الدولة، وهي المعادلة التي أمضى ماكغورك سنوات في بنائها.
إسرائيل والسّويداء
يصعب أن تغيب السويداء والمفاوضات السوريّة –الإسرائيليّة عن لقاءات الشرع. وبحسب المصادر، ستشهد الزيارة نقاشاً أميركيّاً جدّيّاً حول استقرار سوريا، واستكمال معالجة ملفّ السويداء، والمسار الأمنيّ بين دمشق وإسرائيل.
ترعى واشنطن اتّصالات لخفض التصعيد، فيما تريد دمشق العودة إلى اتّفاق فصل القوّات لعام 1974، وانسحاب إسرائيل من المواقع التي دخلتها بعد سقوط الأسد، ومنع فرض منطقة منزوعة السلاح داخل أراضيها.
أمّا واشنطن، فتبحث عن ترتيبات تمنع المواجهة، وتطمئن إسرائيل، وتحول دون انتقال التنافس الإسرائيليّ – التركيّ إلى صدام على الأرض السوريّة. وسيكون على الشرع أن يشرح كيف ستعالج حكومته أزمة السويداء، وتحمي السكّان، وتعيد سلطة الدولة من دون حرب داخليّة أو ترتيبات خارجيّة تقتطع الجنوب من سيادتها.
لهذا، لا تُقاس زيارة نيويورك بعدد المصافحات والصور، بل بقدرتها على تثبيت الانفتاح السياسيّ والاقتصاديّ، وتوسيع الاستثمارات الأميركيّة في سوريا، ودعم الدولة بعد الانسحاب، ومنع انفجار الجنوب.
أخطأ ماكغورك سابقاً في تقدير قدرة الثوّار على إسقاط الأسد، لكنّ السؤال الأصعب لم يُجِب عنه التاريخ بعد: هل ينجح الشرع في بناء الدولة بالسرعة نفسها التي نجح فيها بإسقاط النظام السابق؟
