علي حسين.. جريدة المدى
قبل أكثر من 60 عاماً أعلنت سنغافورة الاستقلال، كانت آنذاك مستنقعاً للبعوض، فتحولت بعد عشرين عاماً إلى واحدة من أهم اقتصاديات العالم، المواطن فيها يحصل على أعلى دخل سنوي في العالم، وفي كل احتفالية بعيد الاستقلال يكون خطاب رئيس الوزراء واحداً: تحقيق حياة أفضل للمواطنين والإسراع بمعدلات النمو.. نحن في العراق حققنا الاستقلال قبل سنغافورة بثلاثة وثلاثين عاماً، ثم انتفضنا على الملكية قبل سنغافورة أيضاً بسبعة أعوام بالتمام والكمال. لكننا اليوم في “جعب” الدول التي حققت رفاهية لشعبها، أما في الاقتصاد والصناعة فقد وقفنا “محلك سر”، نشتم الإمبريالية التي تريد أن تسرق ثرواتنا، ونرفض أن تُبنى مصانع أجنبية في البلاد خوفاً على قيم الفضيلة.. في بلاد العجائب العراق يمكن أن تسمع سياسياً كبيراً يقول إن رئيس الوزراء تبرع من ماله الخاص بمبلغ مليوني دولار لشراء أدوية ومستلزمات طبية.
أحياناً أقول لنفسي يارجل، لماذا تطلب من المسؤول العراقي أن يقتدي بسياسي أو مسؤول غربي كافر لا يحمل ذرة إيمان في قلبه؟، لكن ياسادة ماذا أفعل وخبر إفلاس وزارة الصحة يستفزني؟، فهل يعقل أننا لا نملك أموال أدوية وقد صرفت ذات يوم وزيرة الصحة عديلة حمود ملايين الدولارات على شراء “نعل طبية”، وبدلاً من محاسبة الوزيرة قام البعض بمنحها الأوسمة والنياشين ووضع على كتفها العلم العراقي، بل ذهب الهيام بالبعض إلى إنتاج نشيد يشيد بإنجازات عديلة حمود بتطوير الصحة في العراق.
وأعود إلى سنغافورة تحولت إلى أهم مركز للشركات العالمية، وليس على أراضيها عشائر تستخدم الهاونات، ولا صواريخ كاتيوشا تنطلق في كل الاتجاهات. ولم يخرج عليها شيخ يذكرها بأن نشيدها الوطني يجب أن يتغير، وأن يجتمع البرلمان لمناقشة الأبيات التي كتبها الشيخ مشكوراً، بدلاً من أن يجتمع لمناقشة حالة الإفلاس التي تعاني منها مؤسسات الدولة.
ذات يوم وقف رئيس وزراء سنغافورة “لي كوان يو” وسط قبة البرلمان السنغافوري ليعلن أنهم لا يستطيعون تسديد الرواتب لموظفي الدولة، ثم يُخرج ملفًّا يضم تصوره لبناء دولة قوية شعارها “بناء مجتمع عادل وليس مجتمع رعاية اجتماعية”، كان الناتج السنوي أقل من مليار دولار، ويوم ودّع “لي كوان” الحياة قبل خمسة أعوام، كانت الأرقام التي نشرتها “الإيكونومست” عن مؤشر جودة الحياة، على النحو الآتي: “حصلت سنغافورة على الدرجة الأولى في آسيا والمرتبة الخامسة على مستوى العالم، وتمتلك ثامن أعلى احتياطي في العالم”.
تخلصت سنغافورة من المستعمر البريطاني، لكنها أنشأت من خلال مستشاريه أكبر الشركات العالمية، وبالاستثمارات الأجنبية تتحول فيتنام الآن إلى واحد من أبرز اقتصادات العالم. مضى زمن النابالم والخطب الرنانة.
في كل حديث عن العيد الوطني والنشيد والعلم لهذه البلاد يشتعل صراع تاريخي، وتختفي أزمة الكهرباء والبطالة ، ونكتشف أن السبب فيما جرى خلال الثلاثة والعشرين عاماً، أننا لا نزال نستمع إلى نشيد “موطني”.