
د. فالح الحمـــراني…جريدة المدي
إن تحقيق الاستقرار وضمان تنفيذ مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، سيتطلبان مشاركة واسعة النطاق من دول المنطقة والعالم أجمع. ويسعى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الغربية، الذين عارضوا الحرب سابقاً، إلى المساعدة في إعادة إعمار وضمان أمن مضيق هرمز الآن بعد توقف الأعمال العدائية. وينص الاتفاق على دعم الولايات المتحدة لاستثمارات دول الخليج في إعادة إعمار إيران وتنميتها، غير أن قادة دول الخليج لن يقدموا على الأرجح سوى مساعدة ضئيلة للنظام الإيراني، الذي تركّزت جهوده [السابقة] على حماية نفسه من الهجمات التي استهدفت البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج.
وتصر إيران على أن الاتفاق يلزم إسرائيل ليس فقط بوقف الأعمال العسكرية ضد «حزب الله»، بل وبسحب قواتها أيضاً من جنوب لبنان، ومع ذلك، لا ينوي القادة الإسرائيليون تخفيف الضغط العسكري على “حزب الله”. وتتوجس إيران من الاتفاق الحالي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب انعدام الثقة التاريخي وتصريحات ترامب المهددة، وذلك على الرغم من توقيع الطرفين رسمياً في يونيو 2026 على مذكرة تفاهم (اتفاق إطار) لإنهاء الحرب المستعرة بينهما. وتعود مبررات التوجس والقلق الإيراني أيضا الى تصريحات ترامب المستفزة فقد وصف الاتفاق بأنه “استسلام غير مشروط” من جانب طهران، مما يضع القيادة الإيرانية في حرج داخلي كبير ويجعلها تتوجس من النوايا الحقيقية للإدارة الأمريكي.
وتحت رعاية دولية مكثفة وضغوط إقليمية متصاعدة، يقف مسار التفاوض الرامي للتوصل إلى اتفاق نهائي وشامل بين الولايات المتحدة وإيران أمام منعطف تاريخي حاسم. وفي وقت تبدي فيه أطراف عدة تفاؤلاً حذراً بإمكانية صياغة تسوية سياسية تُنهي عقوداً من العداء وتنزع فتيل الانفجار في الشرق الأوسط، ترتطم هذه الجهود بجملة من “الألغام” الجيوسياسية والعسكرية المعقدة. هذه العقبات لا تقتصر على التفاصيل التقنية للبرنامج النووي فحسب، بل تمتد لتشمل معادلات الميدان المشتعلة، وصراع السيادة البحرية، وعقدة الثقة المفقودة التي تفخخ المسار برُمته.
وتتصدر الجبهة اللبنانية والموقف الإسرائيلي المتعنت قائمة هذه الألغام شديدة الانفجار؛ إذ يشكل استمرار الغارات الإسرائيلية وتصاعد العمليات العسكرية عائقاً مباشراً يهدد بانهيار أجواء بناء الثقة الضرورية لإنجاح أي جهد دبلوماسي. وتزداد الصورة تعقيداً مع الإعلانات الإسرائيلية المتكررة بعدم الالتزام بأي تفاهمات قد تتوصل إليها واشنطن مع طهران، والتمسك بالبقاء العسكري في مناطق أمنية جنوبي لبنان، مما يضع الإدارة الأمريكية في مواجهة مباشرة بين طموحاتها الدبلوماسية والالتزامات الأمنية لحليفتها الإستراتيجية في المنطقة.
وعلى الصعيد الإستراتيجي والمائي، يبرز ملف مضيق هرمز كعقدة سيادية واقتصادية كبرى تعوق التقدم؛ حيث تمسكت طهران بمطالب حاسمة تتعلق بالاعتراف الرسمي بسيادتها الكاملة وإدارتها الفعلية لهذا الممر المائي الحيوي، وصولاً إلى فرض رسوم عبور على السفن التجارية. ولا تتوقف الأزمة عند الشق السياسي؛ بل تتعداها إلى عبء لوجستي ميداني يتمثل في “الألغام البحرية” الفعلية التي نُشرت خلال فترات التصعيد السابقة، والتي يتطلب تطهيرها وضمان سلامة خطوط الشحن العالمية عمليات فنية معقدة قد تستغرق أسابيع طويلة، مما يعطل ترجمة أي اتفاق سياسي إلى واقع آمن على الأرض.
وفي العمق الاقتصادي، يظل الخلاف حول “جدولة التوقيت” لرفع العقوبات الأمريكية وجداولها الزمنية معضلة شائكة؛ إذ تطالب إيران بإعفاءات نفطية فورية وواسعة وتحرير كامل لأصولها المجمدة، في مقابل شروط أمريكية صارمة تقيد مستويات تخصيب اليورانيوم. ويثير هذا الملف هواجس كبرى في واشنطن والعواصم الغربية حول حجم الأموال التي ستتدفق إلى الخزينة الإيرانية، ومخاوف من توظيف هذه السيولة في تعزيز القدرات العسكرية للحرس الثوري الإيراني وفصائله في المنطقة، مما يحول الملف المالي إلى لغم سياسي داخلي في أروقة صنع القرار الغربي.
أخيراً، تتجلى ذروة أزمة عدم الثقة في التقارير الأمنية التي تتحدث عن “الألغام الوقائية” داخل إيران، حيث أقدمت طهران على تفخيخ وتحصين مداخل الأنفاق والمواقع النووية الحساسة المنشأة في عمق الجبال خشية تعرضها لعمليات إنزال أو سيطرة خارجية مباغتة. هذا السلوك الدفاعي المتشدد يعكس قناعة إيرانية بأن الاتفاق قد لا يوفر مظلة حماية مطلقة، مما يجعل من تفكيك هذه التحصينات والتحقق منها شرطاً تعجيزياً أمام المفتشين الدوليين. إن طريق الاتفاق الإيراني بات أشبه بحقل ألغام متداخل، حيث يتطلب العبور نحو تسوية مستدامة ليس فقط براعة تفاوضية، بل تقديم تنازلات إستراتيجية مؤلمة وقرارات جريئة من كافة الأطراف لتفادي سيناريو الانفجار الشامل.
وعلى العصيد الإقليمي تنظر دول الخليج العربية إلى التفاهمات والاتفاقات الأمريكية الإيرانية الحالية بمزيج معقد من الارتياح الحذر والوجل الاستراتيجي العميق. فبينما يرحب قادة الخليج بالتهدئة ووقف الأعمال العدائية لإعادة فتح الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز وتأمين تدفقات الطاقة العالمية، تسود حالة من الإحباط نتيجة قناعتهم بأن واشنطن صاغت بنود الاتفاق بناءً على مصالحها الذاتية مستبعدةً الهواجس الأمنية الخليجية الجوهري. ينبع الاستياء الخليجي الأساسي من خلو مسودة الاتفاق (مذكرة التفاهم) من أي قيود صارمة على برنامج إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. ويرى الخليجيون أن هذا الإغفال يُبقي أراضيهم ومنشآتهم الاقتصادية الحيوية عرضة للتهديد المباشر. تتبنى العواصم الخليجية موقفاً حذراً يرفض ضخ استثمارات أو أموال قد تستغلها طهران لاحقاً لتقوية ترسانتها العسكرية ودعم فصائلها. وتصر على أن أي دعم مالي يجب أن يرتبط بآليات تحقق دولية تثبت التزام إيران بحسن الجوار وكف يدها عن التدخل الإقليمي.
يرى أغلبية المراقبين أن دول الخليج بالمحصلة، ستقبل بالاتفاق كأمر واقع تفرضه حاجة المنطقة للتهدئة لالتقاط الأنفاس وحماية مصالحها التنموية، لكنها ستقيم التفاهمات بناءً على “الأفعال لا النصوص”، معتبرة أن هذه الهدنة قد تكون مجرد مرحلة انتقالية ضبابية تختبر فيها قدرتها على حماية نفسها بنفسه.