لوفا رينيل
ترجمة: عدوية الهلالي.. جريدة المدى
في المواجهة بين إسرائيل وإيران، برزت القضية النووية كعامل مهيمن. فهي تُشكّل الخطاب السياسي، وتُبرّر الضربات العسكرية، وتُحشد وزارات الخارجية، وتُؤجّج المخاوف. ومع ذلك، فإن هذا الدور المحوري مُضلّل. فالقوة النووية ليست السبب الجذري للصراع، بل هي المؤشر الأوضح عليه. إنها تُجسّد أزمة أعمق: عجز النظام الإقليمي عن تعزيز الاحترام المتبادل بين أعضائه، وتآكل نظام دولي تُفضّل الدول الآن الالتفاف عليه أو تحدّيه أو الانسحاب منه. وبالتالي، فإن القضية المحورية ليست مجرد الانتشار النووي، بل تنبع من تعارض نوعين مختلفين من انعدام الثقة. في الواقع، تستخدم إيران العتبة النووية لتحدّي نظام دولي تعتبره غير متكافئ ومنافق. ولا يرقى موقف إسرائيل، مع ذلك، إلى مستوى النظام العالمي بحد ذاته، بل يعكس شكوكًا حول قدرة النظام الفعلية على ضمان أمن الدولة اليهودية في مواجهة بيئة تعتبرها معادية بنيويًا.
في كلتا الحالتين، تتحول القوة النووية من سلاح إلى لغة سياسية: لغة تُمكّن من الإشارة دون شنّ هجوم، والتهديد دون إعلان حرب، وإدارة حالة عدم اليقين دون تحمّل أقصى التكاليف. لهذا السبب، لا يمكن تفسير الهجوم الإسرائيلي في حزيران 2025 تفسيرًا وافيًا لا كعملية مضادة للانتشار النووي فحسب، ولا كحادث عسكري معزول. بل هو جزء من سلسلة بدأت في 7 تشرين الأول 2023، وسط تآكل القواعد غير المكتوبة للحرب الخفية بين إسرائيل وإيران، وضمن إعادة تنظيم أوسع يتم فيها الاستناد إلى القانون الدولي، والتحايل عليه، وتجاهله في آن واحد.
بالنسبة لإسرائيل، فإن التهديد الذي تُشكّله إيران على أعتاب امتلاك القدرة النووية ليس سيناريو نظريًا. إن الاحتمال الملموس هو أن خصماً ينكر شرعية إسرائيل ويدعم أعداءها الإقليميين قد يستخدم يوماً ما الردع النووي لإخفاء عدائه، واستراتيجيته لزعزعة الاستقرار الإقليمي، ودعمه للجماعات المسلحة. وتؤيد البيانات المتاحة هذا التفسير: ففي تقريرها لعام 2025، قدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران، حتى 13 حزيران 2025، كانت تمتلك 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة جداً من العتبة العسكرية، وأن الوكالة لا تستطيع ضمان أن برنامج إيران مخصص للأغراض السلمية حصرا. وفي العام نفسه، أشار البرلمان البريطاني إلى أنه لا توجد دولة أخرى غير نووية معترف بها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تنتج أو تخزن مثل هذه الكميات بهذا المستوى من التخصيب وهذا يشكل خرقاً لالتزامات إيران بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولكنه ليس القضية الوحيدة. ولفهم عمق قلق إسرائيل، يجب تجاوز الجوانب التقنية والتساؤل عن الجذور السياسية للصراع.
بالنسبة لإسرائيل، لا يُمثل امتلاك إيران للأسلحة النووية خطر هجوم مُستقبلي فحسب، بل يُشكل أيضًا تهديدًا بتقييد حريتها في العمل بشكل دائم. فإيران التي تقف على أعتاب امتلاك القدرة النووية يُمكنها الاستمرار في تمويل أو تسليح أو تشجيع الجهات المُعادية، مما يُعقد حسابات إسرائيل الاستراتيجية بشكل جذري بجعل تكلفة أي رد مُوسع غير قابلة للتنبؤ. عندها، يُصبح السلاح، أو حتى ما يُشبه السلاح، آلية لتبرير العداء. وهذا تحديدًا ما يجعل القضية النووية مصدر قلق وجودي في العقيدة الإسرائيلية وتحديًا مُتعدد الأوجه، إذ تجمع بين تهديد الصواريخ الباليستية، والحرب بالوكالة، وذكريات الدعوات إلى إبادة إسرائيل، والخوف من أن نافذة الفرصة للتحرك تضيق. هذا التفسير هو أحد القراءات المُمكنة، ولكنه يتسق تمامًا مع تحليلات “علمنة” إسرائيل في علاقتها بإيران والحرب الخفية المُتطورة.
هذا الخوف جزء من تاريخ سياسي طويل اتسم بالاضطهاد في أوروبا، وفشل الضمانات الخارجية، وانعدام ثقة عميق بالحماية الدولية. وتشير العديد من الدراسات الأكاديمية إلى أن شكوك إسرائيل تجاه أوروبا متجذرة أيضًا في تاريخ اضطهاد اليهود في القارة، وفي الانفصال المستمر، من وجهة نظر إسرائيل، بين الضرورات الأخلاقية الأوروبية وواقع ضروراتها الأمنية. وتشير مقالة أكاديمية حول العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل صراحةً إلى أن عدم ثقة إسرائيل بالاتحاد الأوروبي متجذرة في تاريخ أوروبا من الاضطهاد وفظائع الحرب العالمية الثانية.
ويُعبَّر عن هذا التشكيك الآن علنًا. ففي أيار 2025، اتهم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر المسؤولين الأوروبيين بتأجيج “التحريض المعادي للسامية السام”. وفي 2026، تدهورت العلاقات الفرنسية الإسرائيلية أكثر، لدرجة أن صحيفة لوموند وصفت إسرائيل بأنها “تدير ظهرها” لفرنسا، بينما تعرضت باريس لانتقادات من إسرائيل والولايات المتحدة في سياق الحرب ضد إيران. ولا تُعد هذه الأحداث دليلاً على وجود عقيدة شاملة معادية لأوروبا، لكنها مؤشرات قوية على نظرة إسرائيلية لأوروبا كمنطقة تتسم بالوعظ الأخلاقي وعدم الاستقرار واحتمالية الفشل.
ففي الواقع، كلما جمعت إسرائيل بين صدمة 7 تشرين الاول، وتهديد الوكلاء، والملف النووي في إطار واحد، ازدادت مخاطر تحويلها سياسة الوقاية إلى سياسة لإعادة تشكيل المنطقة. وبناءً على هذا المنطق، لا يدعم الواقع الادعاء بأن إضعاف النظام الإيراني فجأة سيؤدي إلى إيران أكثر استقرارًا أو تعاونًا أو أقل عدائية على المدى البعيد. وبالتالي، يبقى جزء من رهان إسرائيل قائمًا على إسقاط سياسي غير مؤكد: وهو أن تكلفة التقاعس ستكون أعلى من تكلفة أي عمل من شأنه أن يزيد من زعزعة استقرار المنطقة. وهذا منطق مفهوم استراتيجيًا، ولكنه ليس منطقًا مُحققًا للاستقرار.
وإذا كانت إسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا وجوديًا، فسيكون من الخطأ اختزال موقف إيران إلى مجرد سعي للبقاء. فالبرنامج النووي الإيراني ليس مجرد شريان حياة محتمل، بل هو أيضًا وسيلة احتجاج، وتحدٍّ للنظام الإقليمي والإطار المعياري الدولي فلم تكتفِ إيران بتطوير قدرات حساسة، بل بنت سياسة العتبة. وتقوم هذه السياسة على مفارقة: البقاء قانونيًا ضمن السياسة النووية، والتأكيد على حقها في امتلاك طاقة نووية مدنية، وعدم تجاوز عتبة امتلاك الأسلحة رسميًا، مع اقترابها منها بما يكفي لتحويل هذه القدرة الكامنة إلى أداة استراتيجية.
تتسم استراتيجية العتبة هذه ببعدٍ واضحٍ يتعلق بالقدرات، ولكنها أيضًا مناورة استراتيجية. فمن خلال تخزين اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، تُرسل إيران رسالة قوة، دون أن تتحمل التكلفة الكاملة للقدرة النووية.
ولا تُعدّ هذه الاستراتيجية الإيرانية مجرد حسابات انتهازية، بل هي جزء من تجربة سياسية تشكّلت بفعل الحرب الإيرانية العراقية، وذكرى عزلة استراتيجية عميقة، وقناعة بأن الضمانات الدولية قابلة للتراجع. من هذا المنظور، لا يُنظر إلى العتبة النووية كأداة للاحتجاج فحسب، بل كشكل من أشكال الحد الأدنى من الأمن في بيئة تُعتبر غير مستقرة بنيويًا. إلا أن هذا التفسير يبقى قاصرًا. فإيران لا تكتفي بحماية نفسها، بل تسعى إلى بسط نفوذها. وتجمع استراتيجيتها بين ذكرى الصدمة العراقية، والتنافس مع دول الخليج، وبناء مجال نفوذ إقليمي قائم على وكلاء مسلحين.
لذا، يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من مصطلح “البرنامج النووي”. فبالنسبة لطهران، تُعدّ العتبة النووية وسيلة للعمل على هامش القانون لكشف عيوبه. إنها ليست انسحابًا من النظام بقدر ما هي استغلال منهجي لتناقضاته. وبذلك، تستطيع إيران الادعاء بأنها لا تمتلك السلاح، وأنها ملتزمة بالمعاهدة، وأنها تحت ضغط استثنائي، وبالتالي فإن النظام لا يحمي من يلتزمون بالقواعد ظاهريًا.إن هذه المنطقة الرمادية تحديداً هي التي تمثل قوة استراتيجية إيران: وهي الانخراط بما يكفي لممارسة النفوذ، ومع ذلك البقاء بعيداً بما يكفي للحفاظ على إمكانية الإنكار المعقول.
باحثة في معهد الدراسات الاستراتيجية في باريس