الافتراض الرئيس في هذا المقال يبدأ من أن الكاتب بطريقة أو بأخرى لاعب واللاّعب كاتب، فالأول يستعمل يديه لرسم مسار وجوده، والثاني يترك لقدميه رسم مسار الكرة. وهما يخضعان لسلطة الحدس والغريزة ويأتي التخطيط والتدريب في المقام الثاني. كما أن كرة القدم نشأت في الحارات الترابية والأزقة الشعبيّة، وتنتمي الرواية إلى المدينة وترتبط بنشوئها كما يرى كثيرون – وهذا في الظاهر فقط – فرغم أن الرواية ابنة المدينة لكن “على الروائي أن يتمتّع بالحاسّة الفطرية لابن الريف” بحسب جورج لوكاتش.
الدهشة المتجددة في الكتابة واللعب تعني ضمنًا القدرة على الإدهاش، وهي لا تؤتى إلا لِلاعب يعرف كيف يتحرك في الملعب، وكاتب يعرف كيف يلتقط من المربع الكبير – العالم – تفاصيله الدقيقة.
تبدأ حياة اللاعب والكاتب في الغالب من نقطة تُختصر في البؤس، من لحظة عوز أو اكتئاب أو وحدة، ونادرًا ما تحدث الكتابة كترف. كتب ماركيز على الآلة الكاتبة وباع ممتلكات زوجته لنشر أحد أعماله. ونشأ جاك لندن في فقر مدقع، وكان يساعد والده في دفع عربة خشبية لبيع الخضار والفواكه، “فيسند أوراقه على خشب العربة أو الصناديق ويبدأ بكتابة قصصه وملاحظاته الخاطفة”.
ولا تختلف عنهما حكاية الروائي إبراهيم أصلان (مصر)، الذي كان مولعًا بالكتابة والقراءة، وكان يبيع على عربة في أحياء القاهرة القديمة رفقة والده، وفي أوقات الفراغ كان يسند الأوراق على الخشب الجانبي للعربة ويبدأ في كتابة قصصه.
| يعتقد إدواردو غاليانو أن تاريخ كرة القدم رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب (Getty) |
في كتابه “كرة القدم بين الشمس والظل” (ترجمة صالح علماني) يعتقد إدواردو غاليانو “أن
تاريخ كرة القدم رحلة حزينة من المتعة إلى الواجب، فكلما تحولت هذه الرياضة إلى صناعة، كان يجري استبعاد الجمال الذي يتولّد من متعة اللعب لمجرّد اللعب”.
ويتقصّى الروائي التونسي شكري المبخوت في روايته “باغندا” (1)، أسس هذه الصناعة، والتحالف بين المال والسياسة والإعلام في كرة القدم، عبر تتبع اختفاء لاعب هو “باغندا أو الجوهرة السوداء”؛ الذي كان ضحيّة من ضحايا الاقتصاد الخفي إذ لم يكن “عالم كرة القدم بعيدًا عن عالم المال والأعمال والسياسة بل هو عالم مصغر عنه”. حيث ظهرت في تونس ولأول مرة كلمة “مركاتو” وهي كلمة إيطالية للدلالة على سوق كرة القدم “التي انتصبت بين ليلة وضحاها فكثر فيها الباعة وعارضو السلع”، ليتم بيع وشراء اللاعبين في الأروقة الخلفية للاتحاد الرياضي الذي يرأسه “عماد بلخوجة”، الذي “فتح السوق وأخذ يتحكم في بورصتها” وتحولت اللعبة إلى سوق للمساومة التي كان اللاعبون الأفارقة ضحايا فيها لهذه الآلة “التي لا دين لها ولا شرعة غير الربح السريع وشرعة انتهاز الفرص، فحظهم من الدراسة قليل وتجربتهم مع الوسطاء مفقودة، يأتون باحثين عن المجد معتقدين أنّ بياض مخاطبيهم معبرٌ لهم”.
يتحدث المبخوت عن اقتصاد مواز مشبوه، وصفقات غير مسجلة وعمليات بيع وسمسرة في فترة زمنية بين 1986-1987 وهي فترة تألق “باغندا” الذي أثارت نجوميته والصفقات التي عرضت عليه حفيظة رئيس الاتحاد. والأخير حاول تحطيمه بكل الطرق “فكل شيء بالقانون، هذا بعض الكعك الذي يأكل منه الجميع، رؤساء نواد ومسيرين ووسطاء ومن والاهم، يأكلون منه نصيبهم بعد أن ركبوا كالقراد على ظهر اللاّعب وكل شيء يتم بطريقة قانونيّة وبعقود مسجلة”.
يدخل المؤلف في دهاليز السياسة، وخلافات الكبار والمتاجرة باللاعبين الذين ينحدر أغلبهم من أحياء فقيرة، ويصبحون وقودًا لأطماع رجال المال والسياسة ورؤساء الاتحادات “ولكنكم لا تعرفون أن شبان الأحياء والمواهب تنبت كالفطر في الأزقّة والبطاح، وهؤلاء يريد “عماد بلخوجة” أن يروّضهم، ويدخلهم في قوالبه الجاهزة، فإذا فاضوا عن القوالب، غضب”.
في المقابل يمكننا بالتوازي مع اللعبة أن نعثر في حياة الأدب على مئات المسارات التي تريد تقييد عقال الأدب، وتوجيه الفطرة نحو أطرٍ مصنوعة وورش كتابة جماعيّة، ووصفات لصناعة الكاتب من دون أن تأخذ أغلبها الموهبة في اعتبارها؛ لتتحول الكتابة إلى سوق متسلسل يبدأ من دار النشر مرورًا بالجائزة وصولًا للإعلام الذي يقرر ظهور نجم كاتب أو أفوله.
ويناقش الروائي محمد سعيد احجيوج (2) طريقة عمل الرقابة الذاتية وآليات الهيمنة الناعمة على الكاتب و”هندسة لجان التحكيم التي تُنتَقى وفق معايير مدروسة لتصل لنتائج مرغوبة، دون تدخل”؛ لتفرض بوعي أو بدونه التبعية الثقافية للكاتب عبر “الجوائز الممولة من قبل المؤسسات والمهرجانات الأدبية والمؤتمرات الأكاديمية والمنح البحثيّة وحتى مشاريع الترجمة التي تلعب دورًا في الرقابة والتحكم. إذ يراقب الكاتب نوعية الجوائز التي تفوز لتصل الحلقة لدور النشر وللكاتب الذي يعاني بين ضرورات العيش وبين الكلمة الحرّة فيجد نفسه إزاء عبودية طوعية ومختارة واعية أو غير واعية”.
وإذا كان اللّعب في عالمنا الراهن قد تحول إلى استعراض، فالأدب في جوانب كثيرة منه أصبح في صميم هذا الاستعراض، فكم من أسماء نالت شهرة لا لأسباب أدبية بل لاعتبارات سياسيّة وماليّة وإعلاميّة كما يحدث في مجال كرة القدم.
لعل أهم سمات اللاعب الموهوب هي الخروج عن النص في الملعب، وهذا ما يميز الأدب الذي يقع على مفترق طرق، وفي التاريخ الأدبي هناك تجارب كثيرة خرجت عن النص. لقد “اخترق كافكا حدود مشابهة الواقع”، بتعبير الروائي غابرييل غارسيا ماركيز، الذي أقرّ بأن هذه الكتابة علمته كيف يروي. وأسس خوان رولفو في رائعته “بيدرو بارامو” لكتابة جديدة أدت في “1955 لانهيار برج الواقعية، وأصبح السيميائيّ الأكبر الذي جعل الرواية محضَ شعوذة” (3).
ثمة مفارقة هنا وهي أنّ اللاّعب يشيخ مبكرًا بينما يصل الكاتب إلى نهاية المضمار، والرهان في الحالين على الحصان الرابح لا يبدو حكيمًا إذ بعد حصوله على نوبل؛ اعتقد الروائي أرنست همنغواي أن كل من يفوز بهذه الجائزة يصبح عاجزًا عن كتابة شيء ذي قيمة، ووقع رهينة اكتئاب شديد جعله يعتقد أنه ملاحق من (إف بي آي)، إلى أن غافل طبيبه وانتحر. ولم يفِ مبدع “الشيخ والبحر” بوعده وهو الذي قال يومًا إنه لن يستسلم، فوضع حدًا لحياته برصاصة من بندقية صيد.
| يتقصّى الروائي التونسي شكري المبخوت في روايته “باغندا” التحالف بين المال والسياسة والإعلام في كرة القدم (Getty) |
وألقى الشاعر المجري أتيلا يوجيف (1905-1937) بنفسه تحت عجلات القطار، منهيًا حياته بطريقة مؤثِّرة مُخلِصًا لعبارته: “لا مكان لي بين الأحياء”.
كما كانت العلاقة بين الروائي الأيرلندي أوسكار وايلد والورقة صراعًا مستمرًا، فتوفي فقيرًا معدمًا بمنفاه الفرنسي في فندق رخيص؛ وقد تناول في روايته “صورة دوريان غراي” التي ضَمّنها فلسفتَه الجمالية والأخلاقية بعضًا من معاناة الكاتب والمبدع. فالرسام لا يهرم بينما تهرم لوحته، وتزداد قباحةً مع كل ذنب يرتكبه، إلى أن يشعر أنها مسؤولة عما آلَ إليه من يأس ورذيلة، عندها يوجه لها عدة طعنات، لكن طعناته للأسف كانت موجهة إلى نفسه؛ حيث يُعثرُ عليه في اليوم التالي ميتًا بجانبها.
فالنجاح ليس حليفًا يمكن الوثوق به، بل إنه – بحسب سيريل كونولي – “أحد أكثر أعداء الأدب خداعًا وغدرًا، فالجمهور يطالبه بالمزيد من التضحية، ولا يرضيه إلاّ استشهاده”.
كما تتعرض العلاقة بين الكاتب وجمهوره لرضٍ عنيف، فقد يتلاشى الانبهار، ويستحيل إلى غضب وعداء إذا لم يحقق توقعاتهم؛ كما يحدث لنجوم الكرة الذين يخفقون في تسديد رميةٍ أو يعتذرون عن مواصلة اللعب. والكاتب الذي دخل الحلبة ملعون مرتين، مرةً لأنه عُرضة لعدم التصديق. وفي الوقت نفسه عليه أن يضحي كي يصدقه الجمهور وهو أعزل ومن دون ضمانات، سيفعل ما يشاء ولكنه وحده من يتحمل العواقب. وحين صدرت رواية خوان رولفو “بيدرو بارامو”، بدأ الجمهور محاصرته، حتى انتزع منه وعدًا؛ بأنه سيصدر عملًا لاحقًا سيطلق عليه “سلسلة الجبال”. لكن السنوات مرّت ورولفو صامت.
وفي الكتابة كما في الكرة، أسوأ اللاعبين هم الذين يقلدون تمريرات الآخرين وطريقة تسديدهم من دون أن يستطيعوا خلق أسلوبهم الخاص. ويختصر غاليانو رحلة الكرة “من الجرأة إلى الخوف” وهي رحلة الكتابة من الفطرة والتلقائيّة إلى محترفات إعداد الكاتب الذي يبقى في النهاية وحيدًا في مواجهة البياض.
وعلى دكة الاحتياط، يجلس الكثير من الموهوبين الشغوفين بالنزول إلى الملعب والكثير ممن يتوقون ليكتبوا ذات يوم عملهم الأسمى، والذين يحلمون بلقاء مدرّب/ كاتب محترف. لكن في الكرة كما الكتابة لن يضمن لقاء الكاتب إلهامًا فقد نكتشف أن الأخير ليس معنيًا باكتشاف أفضل ما لديك بل بما تدر عليه من فائدة.
وفي المقاعد الخلفيّة لا يمكن اعتبار الجمهور حكمًا نزيهًا، وعلينا أن نتذكر أن الجمهور هو من ساقَ سقراط يومًا إلى منصة الإعدام، فهو حكم سيء حين يغلب عليه العرق أو الهوى. وهو يؤيد فريقه سواء لعب بشكل جيد أم لا.
قلّة من ينحازون للعب الجيد.
إن “الهدف – برأي غاليانو – حتى وإن كان غوولًا صغيرًا، يتحول “غوووووول” في حنجرة معلّقي الإذاعة”. وفي الأدب يمكن تضخيم أعمال ليست أكثر من مجرد “غوول” صغير عبر صيحات النقاد “غوووووول”، فالاعتبارات هنا كثيرة مع أن ذلك لن يدوم.
ولا يمكن في هذا المقام نسيان الحظ. إنّه زائر دائم على الملاعب وعلى رحلة الكتابة؛ إذ تدين بعض الكتب للحظ وتعاني أخرى من غيابه. وفي النهاية فإن كلًا من اللعب والأدب يمكن أن يكونا بالنسبة للناظر من الخارج بلا جدوى. ويروي غاليانو أن الملك إدوار الثالث ضمّ “كُرة القدم إلى ألعاب الحماقة التي ليست لها أي فائدة”.
لا تشي مسيرة الكتابة بالربح على المدى القصير، ولا بالحظ على المدى الطويل، فالكثير من الأعمال العظيمة ظلت طيّ النسيان في حياة أصحابها، ومات أغلبهم معوزًا، ولكنّ العزاء أن اللعب الممتع في الكتابة وكرة القدم “هو الهدف”. وحال الكاتب واللاّعب أشبه بأولئك الصبية الذين كانوا عائدين من الملعب ذات يوم وهم يغنون:
ربحنا أم خسرنا… لن تتبدل متعتنا
متعتنا تبقى كما هي… سواء خسرنا أم ربحنا.
* كاتبة سورية.
هوامش:
(1) شكري المبخوت، باغندا، تونس، دار التنوير، 2016.
(2) محمد سعيد احجيوج، البوليفونيّة الزائفة في الرواية العربية: محاولات في التفكير النقدي، القاهرة، دار العين، 2026.
(3) خوان رولفو، بيدرو بارامو، ترجمة صالح علماني، دار أثر، ط 2013.