بالإضافة إلى التطوّر النوعيّ اللافت للغة المسؤولين الإيرانيّين المستخدمة على منصّة إكس والتي تتوجّه بشكل مباشر إلى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بالمفردات المحدودة التي يفهمها، أغرقت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعيّ تابعة لسفارات إيرانيّة في العالم وحسابات قريبة من وسائل إعلام رسميّة الفضاء الرقميّ بسيل من الفيديوات المصمَّمة بالذكاء الاصطناعيّ التي تجسّد الحرب الدائرة في إيران بطريقة ساخرة، وكان الأكثر انتشاراً بينها تلك المستوحاة من عالم ألعاب “الليغو”.
تضربها في عارها؟
في الشكل، يجذب هذا المحتوى البصريّ المتصفّح العابر، فإبهار الصورة والفكرة والألوان يجبر المستخدم على التوقّف عند الفيديو، وسرعان ما يشغّل الصوت فيسمع موسيقى الراب أو الهيب هوب الرائعة في تماهٍ شديد الذكاء مع الصورة والكلمات المرافقة لها. إنّها لغة قاسية، فجّة، مشحونة، سريعة وجذّابة تلتقط الفكرة بكلمة والإحساس بصورة وتلخّص أطروحات فكريّة كاملة بمشهدين كرتونيَّين وسحبة راب. هذه الفيديوات هي حتّى الآن الأدوات الأكثر فتكاً لإيران، أكثر بكثير من صواريخها ومسيّراتها. تقتحم الوجدان البصريّ لجيل كامل، وتُدخل إلى ذاكرته اليوميّة من الباب الذي يدخله الترفيه والسخرية و”الميمز” وثقافة المنصّات، لدرجة أنّه تمّ حظرها على منصّة يوتيوب وهي تحقّق أرقاماً خياليّة في عدد المشاهدات.
لكنّ الأهمّ من الشكل هو موضع الإصابة. لا تضرب هذه الحملة الإدارة الأميركيّة في خطابها الرسميّ، بل تضربها في عارها. تضع إصبعها داخل الجرح الأخلاقيّ المفتوح وتضغط. تشتغل على فضيحة ملفّات إبستين، على ما تسمّيه “نظام إبستين”، لا بوصفه فضيحة جنسيّة فحسب، بل بوصفه استعارة عن بنية سلطة متعفّنة، منحلّة، متعطّشة للدماء، ومنافقة في ادّعائها الطهرانيّة والتديّن والتفوّق الأخلاقيّ. تضرب دونالد ترامب في ارتهانه لإسرائيل، انطلاقاً من سرديّة تقول إنّ إسرائيل لا تحكم فقط عبر التحالف، بل عبر الابتزاز أيضاً، وعبر الاحتفاظ بملفّات قذرة قادرة على ترويض زعماء الولايات المتّحدة وإخضاعهم.
ما يجعل هذه الحملة لافتة إلى هذا الحدّ ليس جرأتها فقط، بل معرفتها الدقيقة بمن تخاطب. لا تخاطب جمهورها العقائديّ الشيعيّ الجالس في جنوب لبنان ولا تخاطب اليسار الغربيّ المعادي لإسرائيل في شوارع إسبانيا أو فرنسا، بل تخاطب الأميركيّ المسيحيّ المحافظ الذي صوّت لترامب أو انجذب إلى عالمه، بلغته وحقله المفاهيميّ الذي تربّى عليه. تخاطب أيضاً جيل “زد” الغاضب من الإبادة في غزّة، المشمئزّ من فضائح النخب، الناقم على ما يعتبره تبعيّة أميركيّة لإسرائيل، والمستعدّ لتلقّف أيّ خطاب يفضح المؤسّسة من داخل فسادها لا من خارجها فقط.
لا تبدو هذه الموادّ كأنّها تخاطب “العدوّ الأميركيّ” بوصفه كتلة صمّاء. تعرف أنّ أميركا مجتمعات داخل مجتمع، وقبائل سياسيّة داخل دولة، وأجيال داخل سرديّة واحدة متآكلة. تعرف أنّ الرأي العامّ الأميركيّ ليس واحداً، وأنّ التناقضات داخله هي نفسها ساحة المعركة. لذلك تبدو هذه الحملة كأنّها مكتوبة ممّن يعرف جيّداً أين يسكن غضب الأميركيّين، وأين يبدأ احتقارهم لنخبهم، وأين تتكوّن قابليّة الانقلاب على السرديّة الرسميّة. تدرك الحملةُ المعادلةَ التي غالباً ما حدّدت مصير الحروب الأميركيّة التي تنجح في الميدان وتخسر في السياسة، تبرع في الخارج وتسقط في الداخل.
فوق ذلك، تلتقط الحملة بذكاء بالغ لحظة تصدّع داخل المعسكر الذي شكّل يوماً رافعة لترامب. أن تنتقد وسائل إعلام أميركيّة قريبة من الديمقراطيّين قرار الحرب على إيران بكثير من القسوة ليس مستغرباً، لكنّ اللافت هو انتقال شخصيّات إعلاميّة محافظة ومؤثّرة، كميغين كيلي وتاكر كارلسون وكانديس أوينز، من موقع الرافعة أو الحاضنة الترامبيّة إلى منصّات نقد قاسٍ له. لم تفشل الدعاية الإيرانيّة في رؤية هذا الشقّ، إنّما على العكس دخلت فيه وتمدّدت داخله وصبّت الزيت على النار القائمة أصلاً. وهذا العمل، بحدّ ذاته، علامة على تطوّر نوعيّ لا يمكن الاستهانة به.
تطوّرت الدعاية الإيرانيّة إلى حدّ أنّها لم تعد تكتفي بمخاطبة جمهورها التعبويّ، ولا حتّى بالحدّ الأقصى الذي بلغته سابقاً حين نجحت في استقطاب التيّار اليساريّ الأشدّ عداءً لإسرائيل، ثمّ بعض الدوائر الناشطة في حملة “فلسطين حرّة” المناهضة للإبادة. الجديد أنّها باتت أقدر على توسيع مروحة السرديّة، وعلى مخاطبة فئات لا تنتمي إليها سياسيّاً أو عقائديّاً، أي أنّها تعلّمت أخيراً أنّ الدعاية الناجحة لا تُقنع من يشبهك فقط، بل تتسلّل إلى من لا يشبهك عبر اللغة التي يفهمها هو عن نفسه.
أميركا لا تعرف عدوّها؟
هذا هو الفرق بين دعاية تشرح موقفاً، ودعاية تصنع اختراقاً. إيران هنا لا تقول للأميركيّ: تعالَ وافهمني. بل تقول له: أنا أفهمك أكثر ممّا تفهمك إدارتك. أفهم فضائحك، وأفهم نفاق مؤسّساتك، وأفهم الجروح التي لا يتوقّف إعلامك عن تغطيتها بالقشرة الرقيقة للخطاب الأخلاقيّ. من هذه الزاوية بالذات، تبدو الحملة الإيرانيّة أكثر حداثة من كثير من الآلات الدعائيّة في المنطقة، وأكثر قدرة على تحويل الخصم إلى مادّة خام لسرديّة هجوميّة عليه.
في المقابل، لا تبدو الجهة الأخرى قد أنتجت ما يوازي هذا المستوى. لقد كانت هناك، خلال حرب الأيّام الاثني عشر الإسرائيليّة على إيران، فيديوات روّجتها صفحات إسرائيليّة عن قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني تصوّره عميلاً للموساد على إيقاع موسيقى مسلسل طهران الذي تعرضه منصّة “آبل تي في بلاس”، وكانت هناك محاولات لاختراق الفضاء الرقميّ الإيرانيّ. لكنّها بقيت، بمعظمها، محاولات تعرف ماذا تريد أن تقول، ولا تعرف كيف تجعل الآخرين يصغون. ثمّ إنّ إغلاق الإنترنت الخارجيّ في إيران خفّف كثيراً من تأثير هذه الموادّ، وكشف مرّة جديدة أنّ البروباغندا ليست إنتاج محتوى وحسب، بل هي أيضاً معرفة بمسار وصوله وشروط تداوله وبنية الجمهور الذي يُفترض أن يستقبله.
الحقيقة أنّ الولايات المتّحدة، على مدى حروبها كافّة، لم تعرف عدوّها مرّة. لم تعرف المجتمع الأفغانيّ، لم تعرف المجتمع العراقيّ، ولم تعرف المجتمع الإيرانيّ. كانت دائماً تدخل إلى هذه البلدان، كما حطّ نيل أرمسترونغ على سطح القمر، على أرض فارغة، بلا حضارة، بلا ذاكرة، بلا عقل جمعيّ، بلا تراث، بلا تركيب اجتماعيّ معقّد، وبلا حساسيّة تاريخيّة يجب فهمها قبل التفكير في إخضاعها. كانت ترى الخرائط والتضاريس، ولا ترى الناس. ترى القواعد، ولا ترى المجتمعات. ترى الأهداف، ولا ترى العالم الذي يحيط بالأهداف. يشكّل هذا العمى في صلبه عيباً استراتيجيّاً كاملاً. يُنتج القصور عن فهم الشعوب التي تُخاض ضدّها الحروب حكماً قصوراً في التخطيط السياسيّ الذي يرافق القوّة العسكريّة. لذلك بدت الولايات المتّحدة، في أكثر من مكان، قوّة هائلة الذراعين، محدودة الخيال، قادرة على التدمير، وعاجزة عن الفهم. من هذا العجز نفسه تولد الفجوات التي لا يدخل منها الخصوم لأنّهم أقوى بالضرورة، بل لأنّهم أكثر انتباهاً إلى البشر الذين تتعامل معهم واشنطن كما لو أنّهم هوامش في كتاب العمليّات.
لكن من جهة أخرى أيضاً لا يبدو أنّ إيران، التي أظهرت قدرة متنامية على فهم المجتمع الأميركيّ، وعلى مخاطبة شروخه وتناقضاته وفضائحه، قادرة على مخاطبة شعبها في الداخل الإيرانيّ بالمستوى نفسه من الاندماج الجيليّ، ولا من الحداثة المفاهيميّة، ولا من الحساسيّة تجاه مطالبه وتحوّلاته. ينطبق هذا الأمر نفسه على المحتوى الدعائيّ لوكلاء إيران في المنطقة، وتحديداً “الحزب”. ماكينته الإعلاميّة التي أبهرت العالم في 2006 بفيديوات أشعرت الإسرائيليّين برعشة الموت وهي تسري في عروقهم، تبدو اليوم عالقة في تلك اللحظة، عاجزة عن تقديم سرديّة متماسكة لجمهورها.
تفهم إيران الأميركيّ الغاضب من نخبته، لكنّها لا تفهم دائماً الإيرانيّ الغاضب من سلطته. تعرف كيف تضرب الرواية الأميركيّة في نقطة ضعفها الأخلاقيّة، لكنّها لا تعرف كيف تنتج رواية داخليّة تستوعب أسئلة مجتمعها نفسه. لذا الاختراق الخارجيّ، مهما بلغ، لا يعوّض العجز الداخليّ، والقدرة على إحراج الإدارة الأميركيّة لا تساوي القدرة على بناء شرعيّة حيّة في الداخل الإيرانيّ. هذا فارق جوهريّ بين نظام يعرف كيف يربك خصمه، ونظام يعرف كيف يجدّد علاقته بمجتمعه. قد ينتصر الأوّل في جولات السرديّة، لكنّ الثاني وحده يستطيع أن يضمن المستقبل.
لهذا تبدو الصورة النهائيّة أكثر تعقيداً ممّا توحي به نشوة الاختراق الإيرانيّ للفضاء الأميركيّ. تظلّ الولايات المتّحدة، على كلّ ما في بنيتها من فساد وعطب وارتهان، نظاماً يملك مواطنوه، نظريّاً وعمليّاً، رفاهية اقتلاع ترامب، بل واقتلاع الحزب الجمهوريذ كلّه، بشطبة قلم في صناديق الاقتراع في تشرين الثاني المقبل ومساءلته ومحاسبته وضمان عدم عودته مطلقاً للحياة السياسيّة. أمّا الإيرانيّون فلا يملكون هذه الرفاهية. هذا هو الفرق، في النهاية، بين سلطة يمكن إسقاطها انتخابيّاً مهما عظمت خطاياها، وسلطة قد تتقن إدارة السرديّة في الخارج، لكنّها تبقي شعبها أسير نرجسيّتها الخشبيّة وتعيش على القمع والغيبيّات.
لا تعدو ماكينة “الليغو” الدعائيّة منتجاً معزّزاً بالذكاء الاصطناعيّ، وتبقى أعجز من أن تقدّم وعداً ومستقبلاً لذكاء جيل الشباب الإيرانيّ الحقيقيّ.
