بغداد/ تميم الحسن… جريدة المدى
يواجه علي الزيدي، رئيس الوزراء، “ثلاث لاءات” من شركائه، فيما بلغ التدافع داخل التحالف الشيعي مرحلة التلويح بـ”إسقاط الحكومة”. فكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
يقول ثلاثة مسؤولين في أحزاب شيعية، وآخرون مقربون من الحكومة، لـ(المدى)، إن جلسات “الإطار التنسيقي” باتت تشهد توترات بسبب إجراءات الزيدي.
لكن نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف دولة القانون، يقول بشكل صريح لصحفيين ومحللين إنه يرفض “إسقاط الحكومة”.
ويضيف أن هناك اعتراضات على أداء الحكومة، لكن الحل ليس في “إسقاط الحكومة”.
الكابينة الوزارية: السلاح دخل المعادلة
يظهر ملف استكمال الكابينة الوزارية، وهي الأحدث في سلسلة الخلافات، باعتباره الأكثر حساسية، خصوصاً بعدما ارتبط بملف السلاح، وهو موضوع شائك في العلاقة بين الحكومة والفصائل.
وتقول المصادر إن قيس الخزعلي، زعيم عصائب أهل الحق، يفرض أن يكون من حصة فريقه منصب نائب رئيس الوزراء.
ورغم وجود إشارات حمراء من واشنطن ضد “فريق الخزعلي”، فإن مرشح الأخير للمنصب هو الأكثر حساسية.
يطرح الخزعلي شقيقه ليث للمنصب، وهو الموضوع على قوائم الخزانة الأميركية منذ سنوات بسبب اتهامات تتعلق بـ”تهريب النفط”.
ويقول مستشار في “الإطار التنسيقي” إن وضع شخصيات عليها جدل على رأس مؤسسات الدولة يهدد وضع الحكومة، ويصبح معه من الصعب التعامل مع الولايات المتحدة والغرب وإبرام العقود والاتفاقات.
وبدت هذه الصعوبة تتصاعد بسبب القيود الشديدة التي فرضتها واشنطن الأسبوع الماضي على إيران، ما يجعل وضع بغداد أكثر إحراجاً في حال خالفت ذلك.
ويضيف المستشار، نقلاً عما دار في اجتماع للتحالف الشيعي: “سنتعرض إلى عقوبات كما إيران، لكنهم يعترضون على الزيدي بسبب هذه المشكلة”.
عقوبات واشنطن.. والبنك المركزي يتدخل
وأوقف البنك المركزي العراقي التعامل بالحسابات المصرفية لـ14 شخصية و19 شركة، يعمل بعضها في قطاعي النفط والتجارة، فيما بدا وكأنه تزامن مع العقوبات الجديدة.
لكن القضية لا تتعلق بالعصائب وحدها.
فهناك فصائل أخرى تريد الحصول على حصة في المناصب المتبقية، في وقت ترفض واشنطن ذلك.
العصائب، بحسب التسريبات، تنتظر أيضاً وزارة العمل.
كما يريد أبو آلاء الولائي، زعيم “كتائب سيد الشهداء”، التي سبق أن رصدت واشنطن مبلغاً لمن يعثر عليه، الحصول على وزارة.
وتطالب جماعة أحمد الأسدي، وزير العمل، الذي يقود فصيلاً ومطلوب للقضاء وهارب في أستراليا، بمنصب، إلى جانب فصيلين آخرين.
أربعة نواب لرئيس الوزراء؟!
ولا تنتهي المشكلة عند هذا الحد.
فهناك مطالب بثلاثة نواب آخرين لرئيس الحكومة، ليصبح العدد أربعة نواب، وذلك بسبب شدة التدافع على المناصب.
ويُعتقد أنه يمكن شطر وزارات، مثل فصل الآثار عن الثقافة، حيث يريد فريق محمد السوداني، رئيس الوزراء السابق، وزارة إضافية، إلى جانب النفط والكهرباء التي ذهبت إلى فالح الفياض، رئيس الحشد، الذي انفصل عن السوداني.
كذلك هناك مشكلة في حصة قوى يقبع زعيمها في السجون، وهو مثنى السامرائي.
وتضاف إلى ذلك عقدة نوري المالكي، الذي يصر على الحصول على وزارتي الداخلية والتعليم العالي، وسط نزاع مع قوى أخرى ورفض بعض المرشحين.
وقبل أكثر من أسبوع، نفى مكتب المالكي وجود تفاهمات تتعلق بالتنازل عن حقيبة وزارة الداخلية.
وسبق أن فشل المالكي في أيار الماضي في تمرير قاسم عطا وعامر الخزاعي في البرلمان إلى الوزارتين، من أصل 9 وزارات لا تزال شاغرة.
المال والمناصب والفساد.. الخلاف يأخذ شكلاً آخر
لكن أزمة إكمال الحكومة لا تقف عند حدود المحاصصة.
يقول نائب سابق إن أزمة إكمال باقي الحكومة تشتبك مع ملفات الفساد ونزع السلاح، وهناك تهديد بسحب الوزراء لإسقاط الحكومة.
ولا يبدو الزيدي متراجعاً عن ملف مكافحة الفساد، لأنه يهدد مشروعه السياسي الذي بدأ للتو.
ويقول مشرق الفريجي، عضو ائتلاف السوداني، لـ(المدى)، إن ملاحقة الفساد تستند إلى “أوامر قضائية، ولا يوجد استثناء لأي شخصية أو أي قيادة، وليس فيها مستويات، لأنها طالت مختلف المستويات”.
ويرى الفريجي أن ذلك “شيء جيد” يُحسب لرئيس الوزراء، ورئيس مجلس القضاء، وهيئة النزاهة، قائلاً: “هذه المؤسسات الثلاث تعمل بشكل قريب من بعض، وتصل إلى نتائج جيدة”.
لكن هذا الكلام يخالف بعض التلميحات من زعامات شيعية تتحدث صراحة عن أن هذا الملف يجب أن يطول الجميع من دون استثناء.
السلاح.. الخط الأحمر
أما ملف السلاح، فهناك تهديدات واضحة للزيدي في حال اقترب من ذلك الإجراء.
وفي الأسابيع الأخيرة، بدا أن طهران تدخلت بصورة مباشرة في إعادة ترتيب الأولويات.
واستطاعت إيران، في زيارات مكثفة خلال آخر أسبوعين، أن تحول 30 أيلول إلى موعد لإخراج القوات الأميركية فقط، بعد أن كان يُفترض أن يكون الموعد مرتبطاً أيضاً بنزع السلاح.
وهنا تبدو المعادلة أكثر تعقيداً؛ فالزيدي يواجه اعتراضات داخل البيت الشيعي كلما اقترب من الملفات التي تعتبرها بعض القوى خطوطاً حمراء، فيما تحاول بغداد في الوقت ذاته تجنب صدام مع واشنطن وطهران معاً.
كيف يحدث “إسقاط الحكومة”؟
ويقول محمد نعناع، الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي، إنه “لا يوجد من يريد أن يسقط هذه الحكومة”، موضحاً أن سقوطها “لن يكون باحتجاجات أو انقلاب عسكري أو فوضى أو أي من سيناريوهات الإسقاط”.
ويضيف لـ(المدى): “لا توجد أي معلومة واحدة، أو أن طرفاً تحدث بهذا الموضوع في الكواليس، أو عثرت الأجهزة الأمنية على معلومات أو اجتماعات من هذا النوع”.
لكن غياب خطة للإسقاط لا يعني غياب أسباب التوتر. فالحكومة، بحسب نعناع – وهنا يتفق مع المصادر القريبة من اجتماعات التحالف الشيعي – تواجه أربعة ملفات تتحول عند كل منعطف إلى عنوان للتهديد بإسقاطها، وهي:
- حصر السلاح بيد الدولة: حيث يواجه منطق الدولة استعصاءً لصالح الفكرة العقائدية، ويُقرن الحديث عن السلاح باتهامات لاستهداف “الحاكمية الشيعية”.
- مكافحة الفساد: إذ يُصوَّر استمرار التحقيقات على أنه استهداف لجهات ومكونات معينة لإعاقة تقدمها.
- العلاقات الخارجية: لا سيما في الانفتاح على سوريا والسعودية، والذي يواجه اتهامات بالتخوين والتسبب بعودة التهديدات الإرهابية.
- الملف الإيراني: من خلال الإصرار على إبقاء بغداد رهينة لتطورات المنطقة، والتشكيك في أي توجه نحو الاستقلالية وتغليب المصالح العليا للعراق.
المعركة الحقيقية
وبين خشية “الإسقاط” وحتمية “الإضعاف”، يتحدث المحلل السياسي غالب الدعمي لـ(المدى) عن مناورة خلف أبواب التحالف الشيعي.
فحديث إسقاط الحكومة، برأيه، ليس جديداً؛ إنه “حديث دائماً نسمعه مع تشكيل أي حكومة”، وغالباً ما يكون جزءاً من أدوات التهديد والضغط على الحكومة.
وفي هذا السياق، يقرأ الدعمي موقف نوري المالكي الرافض لـ”إسقاط الحكومة” باعتباره رفضاً لتدميرها، لا تفويضاً مفتوحاً لرئيسها.
ويقول إن “إسقاط هذه الحكومة هو تدمير لها”، لكنه يلفت في المقابل إلى وجود محاولات لإضعافها.
وهنا، بحسب الدعمي، تكمن المعركة الحقيقية: “السعي لإضعافها نعم، هناك محاولات لإضعاف الحكومة والوقوف أمام مشاريعها التي تجعلها أكثر قرباً للرأي العام”.
فالمطلوب، وفق هذه القراءة، ليس بالضرورة إسقاط الزيدي من كرسيه، بل إبقاؤه تحت سقف الشركاء؛ حكومة موجودة، لكنها أقل قدرة على الحركة، وأقل قدرة على تحويل مشاريعها إلى رصيد سياسي وشعبي مستقل.