بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية،.. موقع درج
يقول شهود عيان إن عدد القتلى كان كبيراً إلى درجة اضطرّت قوّات الشرطة إلى استخدام الشاحنات لنقل الجثث إلى المستشفيات العسكرية والحكومية ومشارح الطبّ الشرعي والمقابر.
المتّفق عليه أن النظام الإيراني ارتكب مجزرة مروّعة بحقّ المتظاهرين يومي 8 و9 كانون الثاني/ يناير الحالي، خلال الهبّة الشعبية التي تجتاح المدن الإيرانية منذ 27 كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي، أما المختلف عليه فهو الحصيلة النهائية لأعداد القتلى الذين سقطوا برصاص رجال الأمن، في هذين اليومين الداميين بالتحديد.
بحسب الأرقام الواردة في التقارير المتداولة، هناك تناقض يشوب التقديرات الأوّلية لعدد القتلى بين مصدر وآخر، يحكمه القرب من النظام أو المتظاهرين أو بعده عنهما، ولكن استناداً إلى معلومات صادرة عن مستشفيات وشهود عيان وصحافيين، فإن عدد القتلى في المدن الكبرى مثل طهران ورشت وأصفهان ومشهد صادم ومروع، وأنه أعلى بكثير مما تعترف به التقارير الحكومية، وربما ستكشف الأيّام المقبلة أنه أعلى بكثير أيضاً، مما نقلته التقارير غير الحكومية، حتى غير الدقيقة منها.
يقول شهود عيان إن عدد القتلى كان كبيراً إلى درجة أن قوّات الشرطة والإسعاف تعبوا من حمل الجثث، ونفدت الأكياس السوداء التي توضع فيها الجثث من المخازن، كما اضطرّت قوّات الشرطة إلى استخدام الشاحنات لنقل الجثث إلى المستشفيات العسكرية والحكومية ومشارح الطبّ الشرعي والمقابر.
“المقتلة الكبرى” التي حصلت في “يناير الدامي”، وهما المصطلحان اللذان يستخدمهما الإيرانيون للحديث عن الجريمة، حصلت في غضون 48 ساعة فقط، تزامناً مع وصول الانتفاضة الشعبية إلى ذروتها، حيث عمد النظام إلى عزل البلاد عن العالم عبر قطع الإنترنت بشكل كامل، وتفرّغ لارتكاب جريمته في الخفاء.
وكان ملايين الأشخاص يتظاهرون في الشوارع حين حصل القطع الكامل مع العالم الخارجي، ثم بدأ قنّاصة ملثّمون يتمركزون فوق أسطح العمارات، وعلى متن مركبات عسكرية مجهّزة برشّاشات، بإطلاق النار، فيما اندفع آخرون انغمسوا داخل المظاهرات، بالتصويب مباشرة على الأعين والوجوه والقلوب، فلقي آلاف حتفهم في وقت قياسي.
وهناك آلاف آخرون فقدوا حيواتهم بسبب عرقلة وصولهم إلى المراكز الطبّية، بعدما كثّفت قوّات الأمن رقابتها على عمليّات الإنقاذ، فحوّلت المستشفيات إلى بؤر مواجهة مرادفة للشوارع، واقتحمت عدداً منها، واستباحت غرف العمليّات ووحدات العناية المركّزة، وخطفت عدداً من المصابين، وحينما كانت لا تجد المطلوبين تستعيض عن ذلك باعتقال الأطبّاء والمسعفين، بحجّة أنهم أنقذوا إرهابيين، كما اعتقلت مسعفين عالجوا مصابين في بيوتهم، وآخرين حوّلوا بيوتهم إلى مستشفيات ميدانية.
العدد المهول للقتلى، حوّل أرصفة طهران إلى تلال من الجثث المتكدّسة، وقال أحد الشهود إنه في الحيّ الذي يسكنه في طهران ليس هناك بيت لم يفقد عزيزاً، بينما شهد سوق مدينة رشت في الشمال محرقة رهيبة، بعدما حاصرت قوّات الأمن المتظاهرين داخله وأضرمت فيه النيران، وكان بعض المتظاهرين قد لجأوا إليه للاحتماء من الرصاص، أما المناطق النائية فجرى القتل فيها دون شهود.
لم تنتهِ الجريمة عند هذا الحدّ، ففي ظلّ استمرار عزل إيران عن العالم، ما زالت فصولها مستمرّة، تارة عبر أحكام الإعدام السريعة التي تصدر بعشوائية ودون محاكمات، وتارة عبر عمليّات الخطف والمداهمات المتواصلة ليل نهار، وتارة أخرى عبر إخفاء جثث الضحايا والتخلّص منها بدفنها في مقابر جماعية.
أما في شأن تضارب التقارير، فتشير مصادر إلى أن عدد القتلى بلغ 5 آلاف، بينما تتحدّث أخرى عن 36 ألف قتيل، لكن المصادر كلّها تتّفق أن القتل بهذا القدر من الوحشية والانفلات، يكاد يكون غير مسبوق في تاريخ الاحتجاجات الشعبية في العالم، ولا يمكن تبريره بدخول عملاء بين المتظاهرين، ولا للحؤول دون عودة الملكية المستبدّة لتحكم إيران مجدّداً، ولا ربطه بتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووعوده “التافهة” بدعم المتظاهرين، ولا حتى في إقدام بعض المتظاهرين على إحراق مؤسّسات ومراكز حكومية.
وفي بيان مستند إلى وثائق وروايات شهود من قلب الانتفاضة؛ بحسب قوله، أعلن موقع “إيران إنترناشيونال” أن أكثر من 36500 شخص قُتلوا خلال المجزرة التي ارتكبها النظام الإيراني يومي 8 و9 الحالي، وادّعى أنه حصل على تقارير من داخل أروقة النظام، تعترف بأن العدد الأوّلي للقتلى لا يقلّ عن 12000، وأن تقريراً آخر حصل عليه، وصل إلى لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية التابعة لمجلس الشورى الإسلامي، يفيد بأن عدد القتلى بلغ 27500 على الأقلّ.
في حين وثّقت منظّمة “هيومن رايتس ووتش” مقتل 5459 شخصاً، وبرز الأحد الماضي تقرير نشرته مجلّة “تايم” الأميركية، ادّعت أنها نقلته عن مصدر في وزارة الصحّة الإيرانية، يكشف أن ما يصل إلى 30 ألف شخص قُتلوا في مدن إيرانية مختلفة يومي 8 و9 من الحالي، وبحسب أحدث بيانات وكالة أنباء “هرانا” المهتمّة بحقوق الإنسان في إيران، بلغ عدد حالات القتل الموثّقة 5848 حالة، منها 5520 من البالغين رجالاً ونساء، و77 طفلاً دون 18 عاماً، و209 من قوّات الأمن، و42 مدنياً غير متظاهر، ويبلغ عدد الحالات قيد التحقيق 17091 حالة، وعدد المصابين بجروح خطيرة 7804 جريحاً.
منظّمة العفو الدولية بدورها وصفت وقائع اليومين الداميين بأنها “مجزرة غير مسبوقة، وواحدة من أشدّ حملات القمع دموية التي وثّقتها على الإطلاق، سواء في إيران أو العالم”، وأكّدت من خلال أدلّة وقرائن جمعها فريق عملها المؤلّف من عشرين متخصّصاً في التحقّق من الأدلّة الرقمية “استخدام قوّات الأمن والحرس الثوري أسلحة حربية على نطاق واسع ضدّ المتظاهرين العزّل، واستهداف الرأس والصدر”، ومن خلال عشرات الشهادات الحيّة والصور والفيديوهات، التي تمّ تحليلها ومراجعتها أثبتت “ظهور قنّاصة يطلقون النار مباشرة على المتظاهرين من مواقع مرتفعة كسطوح المساجد والمباني السكنية ومراكز الشرطة”، وكانت المقرّرة الأممية المعنيّة بإيران ماي ساتو رحمان، كشفت أن عدد القتلى في الاحتجاجات الضخمة التي تشهدها إيران قد يتجاوز 20 الفاً.
في مقابل كلّ ذلك أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية في بيان رسمي، أن عدد القتلى بلغ 3117 فقط، غالبيتهم من رجال الأمن!
علاوة على “المقتلة الكبرى”، برزت جوانب أخرى للعنف الممنهج الذي مورس ضدّ المتظاهرين في هذين اليومين الداميين، وهو التركيز على استهداف الأعين بالرصاص الحيّ المباشر، وتشير التقارير الطبّية والشهادات الموثّقة إلى أن عدداً كبيراً من المتظاهرين أُصيبوا بتمزّقات في الأعين استدعت استئصالها أحياناً، وتهتّكات في الجمجمة وعظام الوجه الأمامية.
واستقبل مستشفى الفارابي للعيون في طهران، خلال ساعة واحدة من اليوم الأول للمقتلة 55 حالة إصابة في العين بطلق ناري، ما لبث العدد أن ارتفع بحلول اليوم التالي إلى ألف حالة، واضطرّ المركز إلى استعارة نقّالات، أو وضع المصابين في الممرّات، أو نقلهم إلى مستشفيات أخرى، بعدما وصل إلى أقصى طاقته الاستيعابية.
وليس مبالغة القول إن تعطيل الإنترنت هو الآخر أحد وجوه العنف التي اعتمدها النظام في اليومين الداميين، كونه استطاع حجب الأخبار وتقييد المعلومات وتحكّم بتدفّقها، وفي إعاقة نقل وقائع المقتلة وتوثيق مستويات العنف والاعتقالات، وقضى على التنسيق بين المتظاهرين والقدرة على تنظيم الاحتجاجات وحتى على محاولات النجاة، أما عودته الجزئية حالياً، فليست سوى استمرار للعنف بطريقة مقنّعة، حيث ما زال التواصل مع العالم محصوراً بنمط اتّصالات قصيرة غير مستقرّة، ولفترات لا تتجاوز 20 دقيقة يومياً، لذلك لجأ بعض الإيرانيين إلى تشغيل VPN، علماً أن هذا التدبير لا يعدّ آمناً كلّياً.
وفي تقارير واردة من الداخل الإيراني، بدأ النظام موجة عنف جديدة لا تقلّ ترويعاً عن “المقتلة الكبرى”، عبر تنفيذ سلسلة مداهمات وعمليّات خطف، تستهدف مواطنين شاركوا في الاحتجاجات وأهاليهم، وبالتوازي، تنشر أجهزته الأمنية تسجيلات مصوّرة لاعترافات قسرية يدلي بها معتقلون عن تلقّيهم أوامر من الخارج للقيام بأعمال شغب، ونقلت تقارير أخرى، تهديدات مسؤولين حكوميين عن إمكانية مصادرة ممتلكات المتظاهرين، المتّهمين بتخريب الأملاك العامّة.
ورغم “المقتلة الكبرى” التي شهدها “يناير الدامي”، تؤكّد شريحة واسعة من المعارضين الإيرانيين أن القمع الوحشي الذي مارسه النظام، لن يزيد الشعب الإيراني إلا إصراراً على النهوض، لأنه شعب حرّ وديناميكي لا يركن إلى الصمت، ولا يُخضعه الظلم، ولا يخيفه القتل، ولا يتراجع إلى الوراء إلا ليحضّر لشنّ هجوم جديد، وليس “يناير الدامي” إلا محطّة أخرى من محطّات كفاحه المستمرّ منذ أكثر من أربعة عقود، أما محاولات إلباس انتفاضته ثوب العمالة لإسرائيل وأميركا، فليس سوى نتاج لتوافق مصلحي بين عدوّين له: النظام وأميركا…
المدن الإيرانية في هذه الأيّام عبارة عن مقابر مفتوحة، والوقت فيها لدفن القتلى وللحداد، ولاستقبال مقتلة جديدة ربما، حيث يتحضّر الناجون من “المقتلة الكبرى”، لمحاولة النجاة من حرب لا يملكون تصوّراً عن مدى عنفها، بعدما حرّك ترامب أساطيله نحو المنطقة، وبحسب مصادر موثوقة بدأت طهران تشهد حركة نزوح خفيفة نحو الأرياف.
موقع ردج