لا يلبث المهزوم أن يبحث في أنقاض هزيمته عن انتصارٍ يؤجّل مواجهة الحقيقة. غير أنّ الخطر لا يكمن في الهزيمة ذاتها، بل في تحويلها إلى روايةٍ بديلة تغطّي الوقائع بدل أن تراجعها. فحين تستبدل المراجعة بالدعاية، وتقدّم الشعارات على الحساب النقديّ، تصبح الحقيقة أول ما يقصى من المشهد.
وثقافة “الانتصار الدائم” ليست دليل قوّةٍ بالضرورة، بل قد تكون علامة عجزٍ عن استيعاب الخسارة واستخلاص دروسها. فالهزيمة التي تواجَه بوعيٍ نقديّ قد تتحوّل إلى بداية تصحيحٍ، أمّا الهزيمة المنكرة أو المزيّنة بلغة الانتصار، فإنها تعود بأشكالٍ أكثر تعقيداً، كأنها تعيد إنتاج نفسها تحت مسمّياتٍ جديدة.
وفي المقابل، لا يقاس الانتصار الحقيقيّ بما يعلن، بل بقدرة أصحابه على مواجهة ذواتهم قبل مواجهة خصومهم. هناك فقط يبدأ الفارق بين من ينتمي إلى الحقيقة ومن ينتمي إلى الوهم؛ بين من يقرأ التجربة بعيونٍ نقدية، ومن يكتفي بتبريرها بعد وقوعها. فالنصر الأعمق هو الانتصار على الخطأ، لا على الآخر، وعلى الوهم قبل أيّ تفوّقٍ في ساحة الصراع.
لكنّ الإشكال يتعاظم حين يختزل القرار الوطنيّ داخل دوائر خارجية، فيعاد صوغ معايير الربح والخسارة وفق حساباتٍ لا تنبع من الداخل. عندها يفقد الفعل السياسيّ قدرته على تعريف نفسه، ويغدو أقرب إلى إدارة نتائج مُحدَّدة سلفاً، لا إلى صناعة قرارٍ مستقلّ.
في هذه الحال، لا تعود الوقائع تُقرأ من داخل المجتمع، بل تستعار قراءتها من خارجه، فتختلّ الموازين بين ما هو حقيقي وما هو مصاغ. ويتقدّم الخطاب على التجربة، ويعلو التبرير على المراجعة، ويختلط الانتصار بوهم الإعلان، والهزيمة بصمت الإنكار.
وفي لحظةٍ لبنانيةٍ مأزومة، تتراكم فيها خطابات “الإنجاز” فوق أرضٍ مثقلةٍ بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، يغدو السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقتٍ مضى: هل يقاس الانتصار بقدرة الناس على الصمود والعيش بكرامة، أم بوفرة الشعارات وارتفاع منسوب الخطاب؟
وحين يعلن بعض القوى انتصاراتٍ متتالية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: أين يتحقّق هذا الانتصار فعلاً؟ في حياة الناس واقتصادهم ومعيشتهم، أم في فضاء الخطاب وحده؟ أم أننا أمام انتصارٍ يقال، بينما تتقدّم الهزيمة بصمتٍ داخل تفاصيل الحياة اليومية، من دون أن يجرؤ أحد على تسميتها؟
المقاربة الواردة ف