-
ياسين السويحة،، الحمهورية .نت
-
-
-
احتاجت الحكومة الكولومبية الجديدة إلى ثلاثة أيام بعد تولّي أبيلاردو دي لا إسبرييّا الرئاسة كي تعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل. أدى الرجل اليمين في السابع من آب (أغسطس)، وفي العاشر منه قالت وزارة خارجيته إن بقاء الجولان تحت السيطرة الإسرائيلية «مكوّن أساسي» في دفاع إسرائيل عن نفسها. وأوضحَ البيان أن القرار تنفيذٌ لالتزامٍ اتخذه البلَدَان في اليوم التالي لتنصيب الرئيس.
بقرارها، المُهرول نحو انتهاك القانون الدولي، صارت كولومبيا الدولة الثانية في العالم، بعد الولايات المتحدة في ولاية دونالد ترامب الأولى، التي تعترف بضمّ إسرائيل للجولان السوري، المحتل منذ عام 1967.
ما الذي يدفع رئيساً جديداً لبلدٍ بعيد إلى هذا الاستعجال في منح إسرائيل أرضاً سورية فور وصوله إلى الحكم؟ كان دي لا إسبرييّا قد وعدَ بإعادة العلاقات مع إسرائيل ونقلِ السفارة إلى القدس، وقال لوكالة الصحافة الفرنسية إن خطته لقصف معسكرات من يسميهم «إرهابيي المخدرات» تحتاج إلى تحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل. في كولومبيا، وفي أماكن أخرى من القارّة، تعني عبارة «إرهابيي المخدرات» تجّارَ المخدرات، ولكن تعني أيضاً أشياء كثيرة حسب مزاج واضع اللصاقة. يكفي إضافة سابقة «ناركو..» على شخص أو على كيان أو على توجه سياسي كي تُنزَع عنه الندّية والاستحقاق، وأيضاً الحماية القانونية والدستورية، وغطاء القانون الدولي أيضاً، كما نرى في سلوك الولايات المتحدة في الكاريبي.
شخصية دي لا إسبرييّا العجائبية قد تُفسِّر جانباً من قرار إهداء الجولان لإسرائيل، فيما يقود الجانبُ الآخر إلى تاريخ إسرائيل في أميركا اللاتينية، وإلى حاضرٍ صارت فيه مَحبتُها علامةَ هويةٍ لدى موجة يمينية-ترمبيّة صاعدة.
اكتسبَ حضور ورمزية إسرائيل في أميركا اللاتينية مضمونهما الأثقل خلال الحرب الباردة، إذ دخلت إلى الحروب الأهلية ومختلف أشكال النزاعات والتمرّدات المسلحة والتمرّدات-المضادة في القارّة من أبواب التسليح والتدريب والاستخبارات و«مكافحة التمرد»، وعملت داخل المنظومة الأمنية الأميركية، خصوصاً عندما جعلت قيود الكونغرس وفضائح حقوق الإنسان دعمَ بعض الحلفاء مُكلِفاً لواشنطن. سَلّحت إسرائيل ودرّبت الجيش الغواتيمالي خلال الحرب التي بلغت طوراً إبادياً بحق المايا، وكانت من أهم مُورِّدي جيش السلفادور. باعت أسلحة وخبرات وعقيدة أمنية، وما هو أهم: «ثقافة الفتك».
كانت الرابطة العسكرية والأمنية عمادَ العلاقة الإسرائيلية مع كولومبيا أيضاً. اشترت بوغوتا مقاتلات كفير الإسرائيلية، وصَنَّعت بنادق غاليل بترخيص إسرائيلي، واعتمدت لاحقاً على إسرائيل في المُسيَّرات والمراقبة والحرب الإلكترونية. واستُخدِمت طائرات كفير في قصف معسكرات تنظيم القوات المسلحة الثورية الكولومبيّة «فارك». كما أدانت محكمة كولومبيّة الضابط الإسرائيلي السابق يائير كلاين بعدما درّبَ عناصر من الميليشيات اليمينية المرتبطة بكبار تجّار المخدرات. كلاين هذا هو نموذج مركزي عن متعهدي تصدير «ثقافة الفتك» الإسرائيلية.
علّقَ غوستافو بيترو، الرئيس الكولومبي السابق، شراء السلاح من إسرائيل، ثم قطعَ العلاقات معها عام 2024 بسبب حرب الإبادة في غزة. لذلك تحملُ عودة دي لا إسبرييّا معنى الثأر من بيترو واليسار، إلى جانب استعادة علاقة قديمة. وعامل الجكارة مهم هنا. تؤدي إسرائيل في المخيال اليميني دور «المُجاكِر العالمي»: الدولة التي تغيظ اليسار والتقدميين والعرب والمسلمين والمنظمات الحقوقية والأمم المتحدة و«الووك» والنسوية والفاتيكان المعاصر والليبراليين و«الصوابية السياسية» دفعة واحدة، وتُثابر على فعل ما يثير غضبهم دون أن تعبأ بهم، ودون أن يتمكنوا من وقفها أو إبطاء مسيرها. يقطع بيترو العلاقة مع إسرائيل، فيجعل نَقيضُهُ السياسي إعادتَها وتعظيمَها رُكناً في خطابه، ثم يمنحها أرضاً سورية لا يملكها. كان الاعتراف بالجولان رسالة إلى الداخل أيضاً، وجكارةً ببيترو وأنصاره بقدر ما كان انحيازاً في السياسة الخارجية.
لتأييد إسرائيل حوامل كثيرة. في أوروبا والهند، ترتبط الإسرائيلوفيليا المعاصرة عضوياً بالإسلاموفوبيا. وفي دول أوروبية عدة، وألمانيا على رأسها، ثمة أوانٍ مستطرقة بين «مكافحة معاداة السامية» و«الذنب التاريخي» وبين إعادة تعريف الانتماء الوطني وحق المجال العام بما يجعل المسلمين والمهاجرين موضع اشتباهٍ دائم.
لا توجد في أميركا اللاتينية «مسألة إسلامية» مماثلة. يقوم الحامل الأول هناك على العداء الهوياتي لليسار. فاليسار اللاتيني عالمثالثي ومناصر لفلسطين بحكم تكوينه التاريخي. وبعد الموجة الشافيزية و«اشتراكية القرن الواحد والعشرين»، وضعت التيارات اليمينية فلسطين وكوبا وفنزويلا وإيران واليسار المحلي في سلسلة عدو واحدة. صار تأييد إسرائيل موقفاً مضاداً لبيترو ومادورو وكاسترو وإيفو موراليس وكيرشنر، ولكل ما يمكن اختزاله تحت اسم «الشيوعية». أي عدو يمكن أن يكون «شيوعياً»، من بابا الفاتيكان السابق (والحالي في بعض الأوساط) وحتى إيران، مروراً بأقسام العلوم الاجتماعية والسياسية في الجامعات، وانتهاءً وابتداءً بلولا دا سيلفا. السِمة هنا ليست إيديولوجيّة، بل أداةً لإنتاج آخرٍ منزوعِ الإنسانية.
ويأتي حاملٌ آخر من الصهيونية المسيحية الإنجيلية. توسعت الكنائس الإنجيلية والخمسينية، وراكمت إعلاماً ورؤوس أموال وكتلاً برلمانية وقدرة على توجيه التصويت. وفي البرازيل صار الإنجيليون قرابة خمسين مليوناً بحسب تقديرات مطلع العقد الحالي. نقل الرئيس الغواتيمالي الإنجيلي جيمي موراليس سفارة بلاده إلى القدس، ووعد الرئيس البرازيلي السابق، ووالد المرشح اليميني المتطرف الحالي، جايير بولسونارو، بنقل السفارة البرازيلية إلى القدس، وقال إن فلسطين «ليست دولة»، وزار إسرائيل ليُعلن هناك حبّه لها بالعبرية. واصل ابناه فلافيو وإدواردو العمل بعده؛ وصف إدواردو إسرائيل بأنها «خط الدفاع الأمامي في حرب الدفاع عن الحضارة»، فيما أطلقَ فلافيو بولسونارو حملته الرئاسية مُستعرِضاً رسالة دعم من نتنياهو.
وهناك الفحولية.
هذا النوع من الافتتان بإسرائيل قديمٌ بدوره. فمنذ عقود تُقدَّمُ إسرائيل مثالاً للدولة «الفعّالة» التي تنجز ما تريده بسرعة، ولا تسمح للقانون أو الأخلاق أو كلفة الضحايا بأن تعطل الإنجاز. وَسَّعت حربُ الإبادة على غزة دائرة هذا الافتتان ومنحته أشكالاً جديدة. فالإعجاب الكلاسيكي بإسرائيل، أي بالفتك «المبهر»، المبني على المخيال السينمائي عن الموساد: اغتيالات دقيقة، وأجهزة تنفجر في أيدي أصحابها، وقدرة شبه سحرية على الوصول إلى أي شخص في أي مكان، طوّرَ مؤخراً إلى جانبه إعجاباً أكثر أحشائية: القدرة على ارتكاب إبادة مُتلفَزة، فاحشة في مَشهديتها، أمام العالم كله، دون ظهور عتبة أخلاقية أو سياسية قادرة على وقفها. هذا يستثيرُ لدى الفحوليين رغبة في أن يكونوا كإسرائيل، إذ يسمح لهم بتخيُّل القدرة على أن يُعامِلوا خصومهم، رمزياً على الأقل، كما تُعامِل إسرائيل الفلسطينيين.
موجة اليمين الترامبي اللاتيني فحولية بامتياز، مفتونة بالزعيم الذي «ينجز» ولا يرمش له جفن إذا احتاج إنجازُهُ إلى مجزرة. الرجل القوي لا تعوقه المحاكم والدساتير والقوانين المحلية والدولية والصحافة والمنظمات الحقوقية. هذه كلها، في الخطاب الفحولي، مساعٍ فاشلة للإعاقة صنعها ضعفاء وفَشلة و«أنصاف رجال».
كان دي لا إسبرييّا واضحاً. قال إنه يملك «الخصيتين» اللازمتين لتطبيق خطته. وسبق أن وصفَ اليسار بأنه «آفة» و«سرطان». وكتب الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلاي أن اليساريين سيُلاحَقون «حتى آخر زاوية في الكوكب»، ثم خاطبهم: «يا أبناء العاهرات، ارتجفوا»، من ضمن خطابه المعتاد، المليء بإحالات لخصومه بوصفهم جرذان وجراثيم وسرطانات وأوبئة..
ويقدم نجيب بوكيلي (بُقيلة) في السلفادور، بسجونه العملاقة التي نالت إعجاب وتعاون إدارة ترمب، المثالَ الأكثر اكتمالاً على تحويل العقاب إلى فرجة. حين انتشرت عام 2022 شائعات عن استعداد العصابات التي حاربها، بفعاليةٍ عالية واكتراثٍ معدومٍ بالدستور والقوانين النافذة، للانتقام منه عبر استهداف مدنيين، هدّدَ السجناءَ بحرمانهم من الطعام، ثم أقسم بالله أنهم لن يأكلوا «حبة أرز واحدة»، وأضاف: «سنرى كم يصمدون»، وأعلن عدم اكتراثه بما تقوله المنظمات الدولية.
الخطاب السياسي في أميركا اللاتينية شديد الانقسامية عموماً، وعنيفٌ لفظياً، وقليلُ الانضباط بقواعد الكياسة، يميناً ويساراً. وقد دفع اليمين الترمبي هذا المَيلَ إلى مدىً أبعد، مُحوِّلاً العنف إلى أسلوب حكم مرغوب ووعد انتخابي. وهنا تظهر إسرائيل بوصفها ذروة ما-هو «فحل مُجاكِر».
تاريخياً وعالمياً، لتأييد إسرائيل حوامل دينية وإيديولوجية وعسكرية عديدة. المُتغيِّر الجديد هو أن جنوحها الكامل نحو مِسيانية إبادية، وجهد نتنياهو الانتهازي للبقاء فوق هذه الموجة وقيادتها، يطغيان تدريجياً على الحوامل الأخرى. تزداد إسرائيل إحراجاً للحلفاء الذين يحتاجون إلى لغة القانون و«القيم المشتركة»، وتزداد جاذبيةً لدى الفحوليين الذين يرون في المذبحة والإفلات من الحساب تعريفاً للسيادة والنجاح. ونحن الآن في ذروة اندفاع الموجة الفحولية عالمياً.
لكن هذه موجة ستنحسر، لأن موجات التاريخ تنحسر. لا تحمل هذه الجملة وعداً بأي انتصار، ولا تعفي أحداً من مسؤولية العمل. قد تنحسر الموجة بعد أن تترك خراباً يكفي لعقود، وقد تُخلي مكانها لفحولة جديدة.
والمشكلة أن بُلداننا لا تبدو اليوم مالكةَ مشاريع وطنية أو عابرة للبلدان قادرة على التقاط لحظة الانحسار المحتملة لفحولنا وفحول أعدائنا والبناء عليها؛ مشاريع تضع البشر وحيواتهم في مركز السياسة، وتجعل العدالة والكرامة الإنسانية أساساً للعلاقة مع الذات والعالم. وعندما تنحسر الموجة، ستتوقف النتائج على ما يكون قد نشأ في مواجهتها من قوى ومؤسسات وتصورات قادرة على تحويل انكشاف الفحولة الإبادية إلى أُفق سياسي آخر.
-