ملخص
كشفت أحدث دراسة رسمية أعدتها حكومة لندن أن نحو ثلاثة أرباع الصحافيين العاملين في المملكة المتحدة تعرضوا لمضايقات أو إساءات أو تهديدات أو ترهيب قانوني بسبب عملهم، وأن ثلثيهم باتوا يعتبرون هذه الأخطار جزءاً طبيعياً من المهنة لا مشكلة تستوجب المعالجة. ويظهر البحث أن تغطية ملفات السياسة والهجرة والاحتجاجات التي يحركها اليمين المتشدد تتصدر قائمة الموضوعات الأكثر خطورة، وأن حضور الصحافي على منصات التواصل تحول من ضرورة مهنية إلى بوابة مفتوحة للأذى.
نشرت وزارة الثقافة والإعلام والرياضة البريطانية أخيراً نتائج أوسع تحقيق رسمي أجرته الدولة حتى اليوم في سلامة الصحافيين، بعد أن كلفت شركة “ألما إيكونوميكس” إعداد تقييم محدث لحجم الأخطار وطبيعتها وآثارها. واعتمد البحث منهجية مزدوجة جمعت استبياناً وطنياً شمل 531 صحافياً، و55 مقابلة معمقة أجريت وفق بروتوكول يراعي الصدمات النفسية، وبقي الاستبيان مفتوحاً بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 وفبراير (شباط) 2026
وأفاد 72 في المئة من المشاركين بأنهم واجهوا أخطاراً أمنية مرتبطة بعملهم، في مقابل 28 في المئة لم يتعرضوا لأي تهديد أو إساءة، بينما وافق ثلثاهم على أن هذه الأخطار باتت أمراً مطبعاً ينظر إليه كجزء من الوظيفة. وتصدر الأذى الرقمي القائمة، إذ قال 88 في المئة إنهم واجهوا تشكيكاً علنياً في مصداقية عملهم، و78 في المئة تعرضوا لإساءات إلكترونية مرة واحدة على الأقل، مقابل 37 في المئة واجهوا انتحال شخصيتهم أو تحريف مواقفهم، و31 في المئة تعرضت حساباتهم للقرصنة أو الحجب.
أما على الأرض، أبلغ 63 في المئة عن إساءات لفظية أو خطاب كراهية، وأكثر من نصف المشاركين عن تهديد أو تخويف مباشر، في حين تعرض 17 في المئة للتعقب و11 في المئة لاعتداء بدني، وأفاد 3 في المئة بتوقيفهم أو احتجازهم. وواجه 64 في المئة تهديدات قانونية لا سند لها أو ذات طابع تخويفي، وخاض 41 في المئة إجراءات قانونية فعلية من هذا النوع.
وقال أكثر من نصف المشاركين إن إحساسهم بالأمان تراجع خلال مسارهم المهني، مقابل أربعة من كل عشرة رأوا أنه لم يتغير، ونحو 5 في المئة فقط لمسوا تحسناً. ويعزو المشاركون هذا التراجع إلى تآكل ثقة الجمهور بالإعلام، وإلى انتشار خطاب يصف الصحافة التقليدية بـ”الأخبار الزائفة”، وإلى زوال الحدود التي كانت تفصل الصحافي المحترف عن الجمهور بعد أن أتاحت أدوات النشر الرقمي للجميع الظهور بصفة ناقل للأخبار.
لفت مشاركون إلى أن الخطاب الشعبوي جعل العدائية تجاه الصحافيين مقبولة اجتماعياً، وأن مصطلحات من نوع “عدو الشعب” باتت أوسع انتشاراً على وقع ما يجري في الولايات المتحدة، مع تأثر غير متكافئ للصحافيات والصحافيين من أصول غير بيضاء. كذلك امتدت الإساءات إلى موضوعات كانت محسوبة على المجال المحايد كالعلوم والصحة العامة، حتى وصل الأمر بمراسلين علميين إلى تلقي رسائل تتهمهم بالقتل لأنهم يدعمون التطعيم.
وسجل البحث أيضاً تدهوراً في العلاقة مع الشرطة، بعد أن كانت قنوات التواصل المباشر تسمح للصحافي بطلب النجدة سريعاً، بل إن الوجود الشرطي في الاحتجاجات والتظاهرات الكبرى صار في نظر بعضهم عامل قلق إضافياً لا حماية. وفي المقابل شدد المشاركون على أن بريطانيا تبقى بيئة عمل آمنة نسبياً، إذ عبر 79 في المئة عن شعورهم بحرية في أداء عملهم، مقابل 13 في المئة شعروا بتقييد بدرجة ما، وهي نسبة وصفها التقرير بالمقلقة بالنظر إلى أن المملكة المتحدة تحتل المرتبة 20 في مؤشر حرية الصحافة 2025.
يمثل ملف الهجرة العصب الأكثر حساسية في نتائج التحقيق. فقد قال 66 في المئة من الصحافيين إنهم يشعرون بخطر أكبر عند تغطية موضوعات معينة، وجاءت السياسة الوطنية وشؤون الحكومة أولا، تلتها الهجرة، ثم الجريمة والتغطية القضائية. أما المديرون والمشرفون على الفرق التحريرية فرتبوا مخاوفهم على نحو مختلف، إذ تقدمت السياسة الدولية، ثم قضايا المثليين ومزدوجي الميل الجنسي والمتحولين جنسياً، ثم الهجرة.
موضوعات خطرة
عند سؤال الصحافيين عن الموضوعات التي دفعتهم إلى التردد أو تعديل التغطية، كانت الاحتجاجات اليمينية المناهضة للهجرة الأكثر تكراراً في أجوبتهم، سواء لخطورة الحضور الميداني في تلك المسيرات أو لحجم الهجوم الذي يلاحق ما ينشر عنها لاحقاً. وأشار آخرون إلى تغطية إدارة ترمب واحتجاجات دائرة الهجرة والجمارك الأميركية، وإلى ملف المتحولين جنسياً الذي تسبب استقطابه في وصول تهديدات بالقتل إلى بعض المراسلين.
وتأتي هذه النتائج بعد موجتين متتاليتين من الاضطراب في بريطانيا؛ فقد شهدت البلاد صيف 2024 اعتداءات على فنادق تؤوي طالبي لجوء عقب إشاعات كاذبة رافقت جريمة ساوثبورت، ثم عادت الاحتجاجات صيف 2025 أمام فنادق اللجوء في إيبينغ ولندن ومدن أخرى، بحضور مجموعات يمينية متشددة نظمت بعضها، قبل أن تخرج في سبتمبر (أيلول) 2025 واحدة من أكبر التظاهرات اليمينية في تاريخ لندن، أصيب خلالها 26 شرطياً.
في مواجهة هذه الأجواء نشأت شبكات حماية غير رسمية، إذ تحدث مشاركون عن مجموعات على تطبيق “واتساب” يتفقد فيها الصحافيون أحوال بعضهم أثناء تغطية الاحتجاجات المناهضة للهجرة، وعن ترتيبات للتوجه إلى الأحداث في مجموعات ومرافقة الزملاء إلى سياراتهم تفادياً للعمل الفردي ليلاً.
حدد المشاركون التفاعل عبر الإنترنت والبث المباشر بوصفهما أخطر السياقات على سلامتهم بنسبة 53 في المئة، تلتهما تغطية التظاهرات والاحتجاجات وأعمال الشغب بنسبة 48 في المئة، ثم العمل في الأماكن العامة بنسبة 43 في المئة. والمفارقة أن هذا الحضور الرقمي صار مطلباً من أصحاب العمل لا خياراً شخصياً، ما يجعل الصحافي أكثر قابلية للتعرف إليه والوصول إليه، ويحوله إلى هدف أسهل.
تفاقم العدائية
ربط المشاركون تفاقم العدائية الإلكترونية بالاستقطاب السياسي وبتراجع صرامة المنصات في تطبيق قواعدها ضد السلوك المسيء، وبنفوذ فاعلين شعبويين ومؤثرين يستفيدون من الانقسام والجدل. وكان أثر الإساءة الإلكترونية على المهنة هو الأشد في رأي 76 في المئة من المستجيبين، وتحدث كثيرون عن حالة هلع ترافق مجرد وصول إشعار من منصات التواصل خشية ما يحمله.
وقد دفع ذلك 52 في المئة إلى الانسحاب من الفضاءات الرقمية، وأفاد آخرون بأنهم توقفوا عن النشر أو قلصوه بشدة، وأزالوا معلوماتهم الشخصية وصورهم من الإنترنت، بل حذف بعضهم توقيعه من أعلى المواد التي يكتبها. وأجرى آخرون فحوصاً أمنية رقمية دورية، وامتنع بعضهم عن الظهور الاجتماعي في محيط سكنه حماية لعائلته. لكن هذا الانسحاب يصطدم بمعادلة قاسية بالنسبة إلى المستقلين، الذين يحتاجون إلى ملف عام مفتوح لبناء سمعتهم المهنية، فيصبح الظهور شرط الرزق وسبب الخطر في الوقت نفسه.
ورأى نحو 39 في المئة من المشاركين أن جوانب من هويتهم تضعهم في خطر أكبر من غيرهم، وجاء الجنس على رأس العوامل بنسبة 72 في المئة بين هؤلاء، تلاه الأصل العرقي بنسبة 24 في المئة، فالخلفية الاجتماعية والاقتصادية بنسبة 17 في المئة، ثم الوضع المتعلق بالهجرة أو المواطنة والميل الجنسي بنسبة 16 في المئة لكل منهما.
ووصفت صحافيات إساءات ذات طابع جنسي صريح تتناول المظهر والجسد، ويجمع مشاركون من الجنسين على أن ما يوجه إلى النساء أشد شخصية وإذلالاً مما يتلقاه الزملاء الرجال. وامتدت المخاوف إلى السلامة البدنية عند العمل منفردات أو تغطية الاحتجاجات أو السفر إلى أماكن غير مألوفة، ما فرض احتياطات عملية كالاعتذار عن مهام معينة ومشاركة الموقع مع المحررين. وأشار مشاركون إلى أن الصحافيين من أقليات عرقية يواجهون عدائية مرتبطة باللكنة أو الجنسية المفترضة، وإلى أن العمر عامل إضافي يجعل حديثي التخرج أكثر هشاشة بسبب ضعف شبكاتهم المهنية وقلة قدرتهم على الاعتراض.
الدعم والحماية
وتكشف نتائج التحقيق أن نصف الصحافيين تقريباً يبلّغون عن مخاوفهم لصاحب العمل عبر قنوات غير رسمية، أي بالحديث مع المدير المباشر أو المحرر، و51 في المئة ممن استخدموا القنوات الرسمية داخل مؤسساتهم اعتبروا الاستجابة فعالة، وهي أعلى نسبة نجاح سجلها أي مسار للإبلاغ. وفي المؤسسات الكبرى، وصف الصحافيون منظومات دعم متكاملة تشمل تدريباً على قانون الإعلام وفرقاً قانونية داخلية وموظفين مخصصين للسلامة الرقمية ومراقبة التعليقات، ووصلت في حالات خطرة إلى هواتف عمل بديلة وترتيبات حماية بدنية.
في المقابل، قال قرابة ثلث المشاركين إن الدعم المتاح لهم محدود، وأفاد 28 في المئة بأنهم لا يتلقون أي دعم أو لا يعرفون ما هو متاح أصلاً. أما الصحافيون في المؤسسات الصغيرة والمستقلون فيواجهون التهديدات القانونية بلا سند مؤسسي، ويضطر بعضهم إلى العدول عن نشر قصص خشية العواقب. وروى مشاركون أن مؤسساتهم اكتفت بنصحهم بعدم قراءة التعليقات أو بحجب المسيئين، وهي خطوات يقوم بها معظم الصحافيين أصلاً، بينما اعتبر آخرون أن الاستجابة الجدية لا تأتي إلا عندما يصبح التهديد بالغ الخطورة.
ولا تقتصر الكلفة على السلامة البدنية، فقد قال 51 في المئة إن هذه المخاوف أضرت بعافيتهم النفسية، وتحدث مشاركون عن القلق واضطراب النوم واليقظة المفرطة والذعر وأفكار انتحارية في حالات التعقب والاعتداء. والأخطر أن 23 في المئة فكروا في مغادرة المهنة كلياً، و48 في المئة قالوا إن المخاوف أثرت في رغبتهم في تغطية قصص معينة، و31 في المئة عدلوا فعلاً ما يغطونه أو كيف يغطونه.
لم يبلغ نحو ثلث من واجهوا أخطار أي جهة على الإطلاق، وكان السببان الأكثر تكراراً هما الاعتقاد بأن شيئاً لن يتغير، وعدم معرفة الجهة التي ينبغي مخاطبتها. ولجأ 17 في المئة إلى الشرطة، ورأى ربعهم فقط أن الاستجابة كانت فعالة، إذ أشار مشاركون إلى أن أفراد الشرطة يقدمون عوناً ملموساً في الميدان ويحمون حق التصوير في الأماكن العامة، لكنهم غير مؤهلين للتعامل مع الإساءة الرقمية ولا يأخذونها بالجدية الكافية.
وكان مسار ضباط الاتصال المعنيين بسلامة الصحافيين الأقل استخداماً، إذ لجأ إليه 7 في المئة فقط، وعبر بعض من فعل عن خيبة أمل لأن شكواهم لم تفضِ إلى أي إجراء، مع تنويه التقرير بأن هذه المبادرة لا تزال في بداياتها. أما الإبلاغ إلى المنصات الرقمية فكان الأكثر إخفاقاً بامتياز، فقد استخدمه 15 في المئة ولم يجده مفيداً سوى 5 في المئة منهم.
مطالب الصحافيين
قدم المشاركون سلة توصيات تبدأ بالتشريع، وفي صدارتها إلزام المدعين بتقديم دليل واضح على الضرر قبل تحريك أي دعوى، للحد من الدعاوى الكيدية ضد المشاركة العامة، وإنشاء نظام مستقل للمساعدة القانونية، وتمكين الصحافيين من استرداد التكاليف حين يثبت أن الدعوى تعسفية، وتحديث قوانين التشهير وإهانة المحكمة بما يواكب النشر الرقمي.
الدعاوى الكيدية ضد المشاركة العامة، المعروفة اختصاراً بـ (SLAPPs)، دعاوى قضائية مكلفة يرفعها أصحاب النفوذ لإسكات الصحافيين وتعطيل نشر تحقيقاتهم لا لإنصاف حقيقي. وقد شكلت الحكومة البريطانية عام 2023 فرقة عمل لمواجهتها، ثم أنشأت مجموعة فرعية دائمة للتهديدات القانونية داخل اللجنة الوطنية لسلامة الصحافيين.
وطالب الصحافيون بتحديث قانون “سلامة الإنترنت” وإنفاذ مسؤولية المنصات عن المحتوى التشهيري الذي تستضيفه وتوزعه، وبأنظمة أشد صرامة للتحقق من هوية المستخدمين، وباستحداث حسابات موثقة للصحافيين وقنوات دعم مخصصة لهم تسرع إزالة المحتوى المسيء. وعلى مستوى الدولة، دعوا إلى فرق متخصصة في التهديدات الرقمية كنشر البيانات الشخصية وإساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، وإلى التعاون مع “مراسلون بلا حدود” و”لجنة حماية الصحافيين” في مواجهة الأخطار العابرة للحدود، وإلى حملات ضد إساءة السياسيين للصحافيين، وإلى بنية حماية مخصصة للمستقلين.
أما على مستوى المهنة نفسها، فقد شدد المشاركون على إدراج التدريب على السلامة في مناهج تعليم الصحافة، لا كتحضير لتقبل الإساءة بل كأداة لرفضها، بعد أن أظهر التحقيق أن التدريب الحالي يقدم العدائية كأمر حتمي، فينشأ الصحافي على قناعة بأنه مطالب بجلد سميك لا بحماية فعلية. وخلاصة التحقيق الحكومي؛ المشكلة ليست في غياب الوعي بالأخطار، بل في تحول التعايش معها إلى ثقافة راسخة داخل غرف الأخبار.
