جورج منصور..جريدة المدى
منذ أكثر من عقدين، والعراق يخوض معركة مفتوحة ضد الفساد الإداري والمالي، وضعف مؤسسات الدولة، وتراجع كفاءة الإدارة العامة. وخلال هذه السنوات، صدرت تشريعات، وأُنشئت هيئات رقابية، وتعاقبت حكومات ومسؤولون، ألا أن النتائج بقيت دون مستوى تطلعات المواطنين. وهذه الحقيقة تفرض سؤالاً يتجاوز القوانين والإجراءات: هل تكمن الأزمة في نقص التشريعات، أم في الثقافة المجتمعية التي تسمح للفساد بأن يستمر ويتجدد؟
لقد أثبتت تجارب الأمم أن بناء الدولة لا يبدأ بالمؤسسات وحدها، بل يبدأ ببناء الإنسان. فالمؤسسات، مهما بلغت درجة تنظيمها، ليست سوى انعكاس لمنظومة القيم السائدة في المجتمع. وإذا كانت هذه المنظومة تتسامح مع المحسوبية، أو تبرر الرشوة، أو تمنح النفوذ قيمة أعلى من الكفاءة، فإن الإصلاح سيظل هشّاً مهما بلغت دقة التشريعات وكفاءة الأجهزة الرقابية.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الوعي الجمعي الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم، بوصفه منظومة القيم والمعتقدات المشتركة التي تشكل الضمير الأخلاقي للمجتمع وتوجّه سلوك أفراده. فالقانون لا يستمد قوته من نصوصه وحدها، بل من اقتناع الناس بعدالته والتزامهم الطوعي به. ولهذا لا تعتمد كثير من الدول على العقوبات وحدها، لأن المجتمع نفسه يمارس رقابة أخلاقية تجعل مخالفة القانون أمراً مستهجناً قبل أن تكون جريمة يعاقب عليها القضاء.
ومن زاوية أخرى، يبين المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي أن السيطرة على المجتمع لا تتحقق بالقوة وحدها، بل عبر الهيمنة الثقافية التي تحدد ما يراه الناس طبيعياً أو مقبولاً. فإذا تحول الفساد إلى سلوك مألوف، أو أصبح التزلف للمسؤولين طريقاً مشروعاً لتحقيق المصالح، فإن الخلل يكون قد تجاوز المؤسسات ليصل إلى البنية الثقافية ذاتها.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية في العراق. فالمشكلة ليست في وجود أفراد فاسدين، بل تمتد إلى وجود بيئة اجتماعية قد تتسامح مع الفساد، أو تبرره، أو تمنح أصحابه مكانة واحتراماً بسبب المال أو النفوذ، من دون مساءلة عن مصدرهما. وعندما يصبح الفساد مقبولاً اجتماعياً، يفقد القانون جانباً كبيراً من قدرته على الردع.
وتؤكد التجارب الدولية أن الإصلاح المستدام يبدأ بتغيير الثقافة العامة. فقد استطاعت سنغافورة أن تتحول من دولة تعاني الفساد إلى واحدة من أكثر دول العالم نزاهة، ليس بفضل العقوبات الصارمة وحدها، وإنما أيضاً عبر ترسيخ ثقافة تعتبر المال العام أمانة، والوظيفة العامة مسؤولية وطنية. كما نجحت جورجيا في الحد من الرشوة بإصلاح الإدارة العامة، وإغلاق منافذ الفساد، بالتوازي مع بناء ثقة جديدة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي كوريا الجنوبية، أصبح التعليم ركيزة لترسيخ الانضباط واحترام العمل العام، بينما تمكنت رواندا، بعد مأساة الإبادة الجماعية، من إعادة بناء الدولة على أساس الهوية الوطنية والمساءلة وسيادة القانون. أما اليابان، فقد رسخت مفهوم المسؤولية العامة إلى درجة أن الاعتذار أو الاستقالة عند التقصير يُعدان جزءاً من أخلاقيات المنصب. وفي دول الشمال الأوروبي، لم تُبنَ النزاهة على كثرة القوانين وحدها، بل على عقود طويلة من التربية والشفافية، حتى أصبح المجتمع نفسه يرفض أي اعتداء على المال العام أو إساءة لاستخدام السلطة.
ولا يعني استحضار هذه التجارب الدعوة إلى استنساخها، فلكل دولة ظروفها وتاريخها، غير أن المبادئ الكبرى التي قامت عليها تبقى صالحة لكل المجتمعات: سيادة القانون، والمساواة أمامه، وربط المكانة الاجتماعية بالنزاهة والكفاءة والإنجاز، لا بالنفوذ أو الثروة.
ويمتلك العراق جميع المقومات التي تؤهله لبناء دولة قوية؛ فهو غني بموارده الطبيعية، وموقعه الجغرافي، وإرثه الحضاري، وكفاءاته العلمية والبشرية. غير أن هذه الإمكانات لن تتحول إلى قوة حقيقية ما لم يتغير الوعي الجمعي، بحيث يصبح الفساد سلوكاً مرفوضاً اجتماعياً قبل أن يكون مخالفة قانونية، ويغدو المنصب العام تكليفاً لخدمة المواطنين، لا وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.
إن أخطر آثار الفساد ليست سرقة المال العام فحسب، بل تشويه منظومة القيم. فعندما يرى الشباب أن النجاح يتحقق بالعلاقات الشخصية أكثر مما يتحقق بالكفاءة، وأن الولاء يتقدم على الاستحقاق، وأن الثراء غير المشروع لا يمنع صاحبه من نيل الاحترام، فإن الثقة بالعدالة تتآكل، ويصبح تقليد السلوك الفاسد خياراً يبدو منطقياً لدى البعض.
ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من المؤسسات التي تصنع الإنسان: الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية. فهذه المؤسسات تغرس قيم الأمانة والانضباط والمسؤولية، وهي القادرة على تكوين مواطن يرى في احترام القانون قيمة أخلاقية، لا مجرد التزام تفرضه العقوبة.
كما أن المجتمع بحاجة إلى إعادة النظر في معاييره لتقدير الأشخاص. فليس كل صاحب سلطة ناجحاً، وليس كل صاحب ثروة قدوة. إن المجتمعات المتقدمة تمنح الاحترام لمن يخدم وطنه بعلمه ونزاهته وإنتاجه، لا لمن يملك النفوذ أو يحقق المكاسب بوسائل مشبوهة. وحين تصبح الكفاءة معياراً للتقدير، يتغير سلوك الأفراد تلقائياً، لأن المجتمع يكافئ القيم الصحيحة بدلاً من مكافأة النفوذ.
ولا يقل أهمية عن ذلك ترسيخ العلاقة السليمة بين المواطن والمسؤول. فالمسؤول في الدولة الحديثة موظف عام يستمد سلطته من القانون، ويخضع للمساءلة شأنه شأن أي مواطن. واحترام المنصب لا يعني تقديس شاغله، كما أن النقد الموضوعي لا يمثل إساءة إلى الدولة، بل يسهم في تصحيح مسارها وحماية مؤسساتها من الانحراف.
وفي المقابل، لا يتحقق التغيير بالشعارات، بل بالممارسات اليومية. يبدأ عندما يرفض المواطن دفع الرشوة أو قبولها، وعندما يمتنع عن تبرير الفساد لأنه صادر عن قريب أو حزب أو جماعة، وعندما يمنح صوته الانتخابي لمن يستحقه على أساس الكفاءة والنزاهة. فالإصلاح ليس قراراً إدارياً يصدر من أعلى، بل عملية تراكمية تشارك فيها ملايين السلوكيات الفردية التي تصنع في مجموعها، ثقافة جديدة.
إن بناء وعي جمعي جديد يتطلب مشروعاً وطنياً طويل النفس، تتكامل فيه جهود الدولة والمجتمع، ويهدف إلى إعادة الاعتبار لقيم المواطنة، وسيادة القانون، والشفافية، والمساءلة، واحترام العمل العام. فالإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير الأشخاص، وإنما يبدأ بتغيير الثقافة التي تنتجهم وتوجّه طريقة تفكيرهم وسلوكهم.
إن معركة العراق في السنوات المقبلة ليست معركة ضد الفساد الإداري أو المالي فحسب، بل هي معركة لاستعادة المنظومة الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع. وعندما يصبح احترام القانون جزءاً من الهوية الوطنية، والنزاهة مصدراً للفخر، والكفاءة أساساً لتولي المسؤولية، والمساءلة حقاً لا يقبل المساومة، فإن الإصلاح لن يكون مشروعاً مؤقتاً، بل مساراً دائماً يقود إلى بناء دولة المؤسسات والعدالة.
فالوعي الجمعي ليس شعاراً ثقافياً أو مفهوماً أكاديمياً مجرداً، بل هو القوة الصامتة التي تصنع سلوك الأفراد، وتوجّه أداء المؤسسات، وترسم مستقبل الأمم. وإذا نجح العراق في إعادة بناء هذا الوعي، فإنه لن ينجح في مكافحة الفساد فحسب، بل سيضع الأساس المتين لدولة حديثة يكون فيها الولاء للوطن والقانون فوق كل ولاء، وتغدو النزاهة ثقافة مجتمعية راسخة، لا مجرد نصوص في القوانين.