ستار كاووش…جريدة المدى.
كان عليَّ القيام ببعض الجولات الصباحية في مدينة كوبنهاغن، لذا تأجل اللقاء مع صديقي الروائي سلام إبراهيم حتى نهاية الظهيرة. في الموعد المتفق عليه كنا نقف زوجتي وأنا بمحاذاة محطة مترو نورَبورت، بإنتظار أن يطل علينا صاحب (سرير الرمل). دقائق وأطل سلام من الجانب الآخر للمحطة بقامته المديدة، صحبة زوجته الكاتبة والشاعرة ناهدة جابر جاسم، فناديتهما من بعيد، ليبدأ واحد من أجمل اللقاءات.
ثَبَّتَ سلام يده على حقيبته الممتلئة التي تتدلى من كتفه وكأنه في مهمة مستعجلة، ومضينا بين شوارع المدينة نتحدث عن الكتابة والرسم والألوان التي تتحول الى كلمات وعلاقة الرسم بالأدب. حدثني عن روايته المهمة إعدام رسام، وظروف كتابتها، وحدثته عن الخصوصية في الرسم واللوحات التي تشبه صاحبها. عفوية سلام محببة، وشخصيته تحمل مزيجاً نادراً، حيث تختلط البراءة مع خبرة السنين، الحضور البَرِّي مع روح الدعابة، إبداع الكتابة مع بساطة رجل الشارع، الروح الريفية مع الشغف المديني، العربدة مع المحافظة، حب الحياة بكل ما فيها من تفاصيل ومفاجئات مع عيش اللحظة. وهذا ما جعله يكتب دون تردد أو تابو، يفصح عن هواجسه دون مواربة أو حذلقات، يقول الحقيقة دفعة واحدة، لكنه أيضاً يقولها بإطار أدبي مؤثر.
وفيما نحن نتبادل الحديث في شارع ستروغيت، دلفتْ ناهدة بسرعة نحو متجر لبيع الشوكولاتا واشترت علبة جميلة، طالبة منا أخذها معنا الى هولندا أو تناولها عند عودتنا في القطار، تأملنا بإمتنان أشكال قطع الشوكولاتا المختلفة التي بدت كأنها أعمالاً فنية صغيرة دقيقة الصنع، قبل أن نمضي في شوارع فرعية ونمر بساحات مختلفة، فيما الكلمات تتقافز بيننا، وتتداخل الحدود بين اللون والكلمة، حتى شعرتُ أن الرسم يتحول الى نوع من الأعاجيب حين تتشارك الحديث عنه مع روائي، وتصير الرواية أشخاصاً يتنفسون ويعيشون معك حين تتقاسم الحديث عنها مع رسام.
وصلنا الى ساحة البلدية المُحاطة بأرائك يشغلها ناس من مختلف الجنسيات، وقد إرتفعتْ واجهة بناية البلدية بلونها الأحمر وبرجها الشاهق وتماثيلها الذهبية التي إلتمعت تحت ضوء هذا اليوم المشرق. أشار سلام الى حدائق تريفولي الشهيرة والنادرة التي تشبه مدينة سحرية خرجت من كتاب للحكايات، وإقترح علينا زيارتها غداً، فيما نبهتنا ناهدة الى ضرورة زيارة المتحف الوطني، لتنهي حديثها بدعوتنا الى وجبة طعام رائعة في مطعم تعرفه، وهناك أخذنا أماكننا حول طاولة مربعة صغيرة في عمق المطعم، فيما تكفلت هي بترتيب تفاصيل الطلبات. وما أن بدأنا بتذوق الطعام، نظرَ سلام نحوي متحدثاً عن المتعة التي تجمع الناس على طاولة واحدة. وهو محق في ذلك لأن (الحياة لحظة) كما هو عنوان إحدى رواياته.
السنوات ليست طويلة مهما إمتدتّ، والأيام قصيرة مهما طالت، لكنها تصبح أجمل وتظل في الذاكرة من خلال مثل هذا اللقاء. ورغم أن الإحتفاء بالحياة هي مهمة صعبة وتحتاج الى روح متوقدة، لكنها هواية محببة لسلام وناهدة اللذان خلقا حياتهما الخاصة. لملمنا ما تبقى من المساء وتوقفنا قربَ حانة إيرلندية، وإخترنا طاولة في الخارج حيث جلب سلام الجعة الداكنة مردداً(لا يليق بنا سوى هذه السوداء الداكنة جداً)، وعلى تلك الطاولة إنبسطتْ الحوارات مرة أخرى وكأننا إلتقينا من جديد، حتى وصل صدى ضحكاتنا الى نهاية الشارع. مرَّ الوقت بسرعة حتى لامستنا بعض نفحات المساء الباردة، فانتقلنا الى الداخل، وهناك كانت بإنتظارنا طاولة كبيرة فرشنا عليها أحاديثنا المشعبة. ووسط زحام الكلمات فتح سلام حقيبته وأخرج كتابين له ومثلهما لناهدة وقد كتبا عليها إهداءات تحمل الكثير من اللطف.
في نهاية المساء، تركنا بقايا أحاديثنا على الطاولة الإيرلندية، وخرجنا الى وسط المدينة، وهناك ودعنا صديقينا الرائعين. ولم نكد نمشي خطوتين حتى إنتبهنا لناهدة التي أشارت الى القمر الذي إرتفعَ في سماء كوبنهاغن قائلة (هناك قمر واحد في السماء، فيما على هذه الأرض قمران) وهي تشير بإصبعها نحونا. ضحكنا من شدة كرم وجمال الكلمات وأرسلنا لناهدة وسلام قبلتان في الهواء. بعد لحظات عانقَ كل منا زوجته ومضينا بإتجاهين مختلفين، لنغيب وسط زحام كوبنهاغن.