وجمع اللقاء رئيس أركان القوات المسلحة في شرق ليبيا خالد حفتر، ورئيس أركان القوات المسلحة التابعة لحكومة الوحدة الوطنية في الغرب صلاح النمروش، بحضور أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، إلى جانب ممثلين عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وذلك في إطار الجهود الرامية إلى الحفاظ على قنوات التواصل العسكري بين الجانبين بعيدا عن التجاذبات السياسية.

وأسفر الاجتماع عن الاتفاق على تنظيم تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة في جنوب البلاد من خلال تنفيذ تمرين تعبوي موحد بمشاركة منتسبي الجيش الليبي، مع مواصلة التنسيق عبر اجتماعات دورية وتطوير آليات العمل المؤسسي بما يعزز التعاون بين المؤسستين العسكريتين ويرفع مستوى التنسيق الميداني خلال المرحلة المقبلة.

وأكد بيان صادر عن رئاسة الأركان في طرابلس أن “الاجتماع ناقش عددا من الملفات ذات الأولوية”، وشدد على أن “توحيد المؤسسة العسكرية يمثل الخيار الوحيد لحماية الوطن وصون حدوده وتعزيز استقراره. كما جرى الاتفاق على تنفيذ تمرين تعبوي موحد في إحدى مناطق الجنوب بمشاركة منتسبي الجيش الليبي بما يسهم في رفع الجاهزية وترسيخ التعاون بين مختلف الوحدات”.

سرت.. منصة للحوار العسكري

ويحمل اختيار مدينة سرت لاستضافة الاجتماع دلالات خاصة، إذ تحتضن المدينة مقر اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) التي تشكلت وفق مخرجات مؤتمر برلين وعقب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2020، وتحولت منذ ذلك الحين إلى القناة الرئيسية للحوار العسكري بين شرق البلاد وغربها.

وتضم اللجنة 10 ضباط كبار، 5 يمثلون القوات المسلحة في شرق ليبيا ومثلهم من غربها، وتعمل برعاية الأمم المتحدة بهدف تثبيت وقف إطلاق النار وإخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتهيئة الظروف اللازمة لإعادة توحيد المؤسسة العسكرية.

ومنذ تأسيسها، عقدت اللجنة سلسلة من الاجتماعات داخل ليبيا وخارجها كان للقاهرة نصيب من استضافة عدد من جولاتها وأسهمت تلك اللقاءات في تعزيز إجراءات بناء الثقة وفتح قنوات اتصال مباشرة بين القيادات العسكرية، ما جعلها أحد أكثر المسارات الليبية استقرارا مقارنة ببقية المسارات السياسية.

ويرى مراقبون أن عودة الاجتماعات إلى سرت تعكس رغبة الأطراف في إعادة إضفاء الطابع المؤسسي على هذا المسار والانتقال تدريجيا من الاجتماعات البروتوكولية إلى خطوات ميدانية أكثر عملية قد تمهد مستقبلا لإعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة إذا ما توافرت الإرادة السياسية.

المناورات المشتركة

يحمل الاتفاق على تنفيذ تمرين تعبوي موحد في جنوب ليبيا دلالات تتجاوز الجانب العسكري، إذ يعد أول اختبار عملي لقدرة الوحدات التابعة للطرفين على العمل ضمن إطار عملياتي مشترك.

كما أن اختيار الجنوب لاستضافة هذه المناورات يعكس الأهمية الاستراتيجية للمنطقة باعتبارها نقطة تماس مع دول الساحل ومسرحا لنشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، وهو ما يجعل تعزيز التنسيق العسكري هناك أولوية أمنية للطرفين.

ويرى متابعون أن نجاح هذه الخطوة قد يمهد لتوسيع التعاون مستقبلا ليشمل حماية الحدود وتأمين المنشآت الحيوية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وهي ملفات تمثل أرضية مشتركة يمكن البناء عليها بعيدا عن الخلافات السياسية.

الحراك العسكري والمبادرة الأميركية

ويتزامن هذا الحراك مع نشاط أميركي متزايد تجاه الملف الليبي، تقوده واشنطن عبر مبادرة يتبناها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وتركز على إنهاء الانقسام بين المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية ضمن تصور أشمل لتوحيد مؤسسات الدولة.

وبحسب ما جرى تداوله إعلاميا تقوم المبادرة على توحيد السلطة بين الإدارتين المتنافستين في شرق ليبيا وغربها بما يشمل المؤسسات السيادية مع إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر والإبقاء على عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة وأثارت هذه التصورات تبايناً بين القوى السياسية.

ويرى مراقبون أن اجتماع سرت لا يمثل اختراقا حاسما في ملف توحيد المؤسسة العسكرية لكنه يعكس استمرار قنوات التواصل بين القيادات العسكرية في الشرق والغرب ويؤسس لمرحلة جديدة من التنسيق الميداني.

كما يؤكد أن المسار العسكري لا يزال الأكثر تقدما بين مختلف المسارات الليبية إلا أن تحقيق نتائج دائمة سيظل مرهونا بتوافر مظلة سياسية جامعة تترجم التفاهمات العسكرية إلى ترتيبات مؤسسية وقانونية تنهي ازدواجية مؤسسات الدولة.

خطوة نحو استعادة الدولة

من جانبه يرى عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا أحمد أهمومة في حديثه لموقع “سكاي نيوز عربية” أن توحيد المؤسسة العسكرية يمثل خطوة بالغة الأهمية لترسيخ الاستقرار الأمني والسياسي مؤكدا أن نجاح هذا المسار سيعزز ثقة الليبيين في إمكانية استعادة الدولة وتوحيد مؤسساتها.

وقال أهمومة إن توحيد المؤسسة العسكرية من شأنه أن يبعث برسالة طمأنة إلى المواطنين بأن هناك إرادة للحفاظ على وحدة البلاد ونجاح هذه الخطوة قد يفتح الباب أمام توحيد بقية المؤسسات السيادية وصولاً إلى تشكيل حكومة موحدة”.

وفي المقابل استبعد أهمومة وجود ارتباط مباشر بين محاولات توحيد المؤسسة العسكرية والمبادرة التي يقودها مسعد بولس موضحا أن جهود توحيد الجيش بدأت قبل طرح المبادرة الأميركية، مضيفاً أن المبادرة في جوهرها لا تتضمن أفكاراً جديدة وإنما تكرر مقترحات سبق تداولها مع فارق أنها صادرة عن الولايات المتحدة التي لم تولِ الملف الليبي اهتماماً كبيراً منذ عام 2011.

بين إدارة الأزمة والحل

من جهته، يرى المحلل السياسي الليبي عثمان بركة في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية” أن ما يجري يندرج ضمن إطار إدارة الأزمة وليس حلها، خاصة أن الأزمة الليبية أكبر من أن تعالج عبر اجتماعات عسكرية أو تفاهمات بين الأطراف المتنازعة” موضحا أن المشكلة لا ترتبط بالدور الأميركي أو بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بقدر ما ترتبط بغياب إرادة دولية حقيقية لإنهاء الانقسام.

لكنه شدد في الوقت ذاته على أن توحيد المؤسسة العسكرية يظل هدفا وطنيا لا غنى عنه وأن أي خطوات عملية لتعزيز التنسيق بين القيادات العسكرية مهما بدت محدودة تمثل تطورا إيجابيا يمكن البناء عليه إذا توافرت الإرادة السياسية باعتبار أن المؤسسة العسكرية الموحدة تشكل إحدى الركائز الأساسية لاستعادة الاستقرار وإنهاء الانقسام في البلاد.