-
محمد وسام… المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
في سوريا، يبدأ معظم العاملين عن بُعد ترتيب مهام يومهم بالبحث عن مكان يوفّر كهرباء مستقرة وإنترنت يسمح بحضور اجتماع، أو رفع ملف، أو تسليم عمل في موعده.
قد يمنح العمل من المنزل خصوصية أعلى، لكن ضعف الإنترنت والانقطاعات المتكررة في الكهرباء يجعلان هذا الخيار غير مضمون. أمّا المقاهي، ورغم أنها قد توفّر اتصالاً أفضل أو كهرباء أطول، فإن الضجيج وتقلّب الظروف يبقيان حاضرين. وتُقدّم مساحات العمل المشتركة خياراً ثالثاً مأجوراً، لا يستطيع كثيرون تحمّل كلفته.
ويبلغ متوسط الاشتراك الشهري بإنترنت منزلي من شركة خاصة وبسرعة 5 ميغابت فقط نحو 20 دولاراً أميركياً، وهو سعر مرتفع جداً قياساً بأسعار الإنترنت العالمية ومتوسط الدخل في سوريا، إضافة إلى الحاجة لمصادر كهرباء بديلة في حال أراد العاملون تجهيز بيئة عمل مستقرة داخل المنزل، وتصل في حال الاعتماد على الطاقة الشمسية، إلى نحو 2000 دولار أميركي.
في حلب، ظهرت مساحات عمل بوصفها محاولة لتأمين بيئة أكثر استقراراً عبر مكاتب وغرف اجتماعات مخدّمة بالكهرباء والإنترنت، واستقبال أفراد وفرق وطلاب ومشاركين في تدريبات. غير أن هذا النوع من الحلول يبقى محدود الوصول، إذ يصل الاشتراك الشهري للفرد في هذه المساحات إلى 200 دولار، ما يجعلها مناسبة لشريحة محدودة فقط.
تقول ديالا الحاج حسين، التي تعمل في إدارة مساحة (The Hub Aleppo)، إن المركز افتُتح بعد ملاحظة التحديات التي يواجهها العاملون عن بُعد في تأمين الكهرباء والإنترنت، وتُشير إلى أن المكان يوفّر إنترنت فضائي عالي السرعة من نوع ستارلينك رغم كلفته المرتفعة، إضافة إلى مساحة عمل واجتماعات تستفيد منها فرق وموظفون في شركات خاصة وطلاب ومشاركون في تدريبات وورشات عمل.
من جانبه أكد حسام أبو بكر الذي يعمل في التجارة الإلكترونية في سوريا، إنه يعاني كثيراً من صعوبات العمل عن بعد، فهو لا يستطيع تحمّل تكاليف الإنترنت من الشركات الخاصة، أو دفع اشتراكات مساحات العمل المنتشرة.
ويتحدث أبو بكر عن تفاصيل تجربته ويقول: «أنا دخلي محدود وأعتمد على نسبة المبيعات، وأحتاج إنترنت مستقر من أجل التواصل مع العملاء، أستخدم الشبكة الحكومية ADSL، لكن تحدث أعطال بشكل دوري وألاحظ بطء شديد في الشبكة، غير انقطاع الكهرباء الذي يوقف العمل فجأة. أمّا المقاهي فهي مكلفة، وتأمين إنترنت وكهرباء للمنزل يحتاج دخلي لمدة 10 أشهر تقريباً».
ولا يختار العاملون عن بُعد هذه المساحات فقط للحصول على الكهرباء والإنترنت، بل لأن بعضهم لا يفضّل العمل الدائم من المنزل. فيلجأ آخرون للعمل من المقاهي الأمر الذي يحتاج إلى تكاليف إضافية، يقول مصطفى خفاجي، الذي يعمل عن بُعد في تصميم ومونتاج الفيديو، إنه يخرج إلى المقاهي وأحياناً إلى مساحات العمل لأنه لا يحبّذ العمل من البيت طوال الوقت.
يضيف خفاجي أن العمل من المنزل قد يصبح مملاً أحياناً، وأن وجوده بين أشخاص يعملون يساعده على الإنجاز أكثر. ويوضح أن العمل من المقهى يكلّفه بين 8 و10 دولارات يومياً إذا أراد قضاء ساعات عمل طبيعية، لكنه يواجه في بعض الأحيان صعوبات تتعلق بضعف الإنترنت أو انقطاع الكهرباء المفاجئ. أما مساحات العمل المشتركة، فيتراوح اشتراكها الشهري بين 100 و200 دولار بحسب الخدمات المقدّمة، وهو مبلغ كبير مقارنة بمتوسط رواتب العاملين.
ويرى خفاجي أن تجهيز بيئة عمل مناسبة في المنزل يحتاج إلى تحمل تكاليف إضافية، سواء لتأمين إنترنت جيد أو مصدر كهرباء مستقر، مشيراً إلى أن الطاقة الشمسية قد تكون أحد الحلول، لكن تكلفتها قد تصل إلى نحو 2000 دولار أميركي، وهو مبلغ لا يستطيع كثير من العاملين تحمله.
توضح طوبا منلا، التي تعمل مع منظمة «سرد»، أن طبيعة عملها في التصميم والميديا تتطلّب إنترنت سريع وكهرباء مستقرة، وهو ما لم تتمكن من تأمينه في منزلها بحلب. لذلك لجأت هي وفريقها إلى حجز مساحة عمل تضمن لهم اللقاء اليومي وتوفّر المستلزمات الأساسية، من غرفة اجتماعات واتصال إنترنت جيد، بما يسمح بإنجاز العمل دون انقطاعات.
وتكشف هذه التجارب أن المشكلة لا ترتبط فقط باختيار مكان العمل، بل بغياب بنية تحتية قادرة على جعل العمل عن بُعد خياراً مستقراً ومتاحاً، فالعاملون الذين ينجزون أعمالهم عبر الإنترنت يحتاجون إلى كهرباء واتصال سريع ومكان هادئ، وهي شروط تتحول في الواقع السوري إلى كلفة إضافية، سواء دُفعت داخل المنزل عبر اشتراكات خاصة ومصادر طاقة بديلة، أو خارجه عبر المقاهي ومساحات العمل المشتركة.
-