ملخص
تكشف تسوية “ميتا” أن محاسبة عمالقة التكنولوجيا باتت ممكنة، لكنها تأتي بعد سنوات طويلة من تعرض الأطفال والمراهقين لأضرار منصات التواصل من دون حماية كافية. وتبرز القضية خطورة تكرار النهج نفسه مع الذكاء الاصطناعي، بانتظار تفاقم الأضرار قبل التحرك لتنظيمه.
حلت أخيراً لحظة حساب شركات التكنولوجيا العملاقة، لكنها جاءت أقل دراماتيكية وأكثر إجرائية مما توقعه كثيرون. فقد انتهت على عجل المحاكمة التي كان يفترض أن تغير الكثير في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما توصل الطرفان إلى تسوية أثناء سيرها، جنّبت مسؤولين تنفيذيين، من بينهم مارك زوكربيرغ، استجوابات كان من الممكن أن تكون محرجة، كما حالت دون تغييرات جوهرية محتملة في وسائل التواصل الاجتماعي كان يمكن أن تتمخض عنها المحاكمة.
على مدى أشهر، اعتُبرت الدعوى التي رفعتها 29 ولاية أميركية ضد شركة “ميتا” ربما أبرز حلقات المسار المستمر لمحاسبة الشركة وغيرها من شركات التواصل الاجتماعي على الأضرار التي تتهم بإلحاقها بالأطفال. وكانت الاتهامات واسعة وخطيرة، إذ قال المدعون العامون للولايات إن شركات التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بابتكار تطبيقات جعلت الصغار مدمنين عليها وألحقت بهم الأذى، بل كانت تعرف تماماً ما يحدث، ومع ذلك واصلت ذلك سعياً إلى الربح.
لكن هذا الأسبوع، أعلن المدعون العامون أنفسهم أنهم توصلوا إلى تسوية مع ميتا. وبموجبها، التزمت الشركة بدفع غرامة تصل إلى 17 مليار دولار، فضلاً عن إجراء مجموعة من التغييرات على إنستغرام وفيسبوك.
ومن السهل النظر إلى ذلك باعتباره انتصاراً لميتا. وهذا بالتأكيد ما رآه مساهموها، إذ ارتفع سعر سهم الشركة بعد الإعلان عن التسوية.
لكن لا يمكن الحديث هنا عن عقوبة رادعة بحق، فحتى إذا بلغت الغرامة أقصى قيمتها الممكنة، فإنها لا تمثل سوى أقل من عُشر الأرباح السنوية لـ”ميتا”، كما أنها ستدفع على مدى 10 أعوام. ولم يصدر أي اعتذار أيضاً، لأن التسوية لم تتضمن إقرار “ميتا” بارتكاب أي مخالفة.
أما التغييرات التي ستضطر “ميتا” إلى إدخالها على منصاتها، وفي مقدمها فرض قيود وأوقات حظر لمنع الأطفال من استخدام أجهزتهم ليلاً وأثناء وجودهم في المدرسة، وإبعادهم عن الأجزاء الأكثر ضرراً في تطبيقاتها، فهي من الإجراءات التي كان ينبغي للشركة أن تتخذها من الأساس. والأهم أنها تعديلات وليست تغييرات جوهرية، مما يوحي بأن المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، بل في سوء استخدامها من بعض الناس.
ومع ذلك، أعتقد أن الأمور ربما بدأت تتغير. فجلسات المحكمة ليست سوى جزء من مراجعة أوسع لوسائل التواصل الاجتماعي والأضرار التي ألحقتها بنا. وهذه الدعوى الأخيرة واحدة من دعاوى كثيرة، وتعكس توجهاً متنامياً، سواء في محكمة الرأي العام أم أمام المحاكم الفعلية، نحو تحميل ميتا مسؤولية الأضرار التي تسببت بها منتجاتها.
لكن “انتصارات” ميتا ليست في الحقيقة محسومة كما يظن البعض. صحيح أن قيمة الشركة ارتفعت 6.8 في المئة خلال الأيام الخمسة الماضية، لكنها لا تزال منخفضة 22 في المئة على مدى العام الماضي، حتى بعد هذا الارتفاع. ألا يعكس ذلك، ولو جزئياً، قلقاً متزايداً من أن الناس ربما بدأوا يعزفون عن استخدام تطبيقاتها؟
ووصف المدعون العامون نجاحهم بأنه أكبر انتصار قانوني لحماية المستهلك منذ القضايا التي واجهتها شركات التبغ الكبرى في تسعينيات القرن الماضي. وهي مقارنة مهمة يحق لهم أن يفخروا بها، لكنها تذكرنا أيضاً بضخامة التحدي الذي تنطوي عليه محاسبة الشركات.
لكن الأخطر ليس ما حدث في الماضي، بل أن هذه الأضرار لا تزال مستمرة حتى اليوم. فمحاسبة شركات التبغ الكبرى لم تأتِ إلا بعد عقود من الإعلانات المضللة والممارسات الخادعة، راكمت خلالها تلك الشركات أرباحاً هائلة فيما ألحقت الضرر بصحة الناس. وبالمثل، لم تبدأ محاسبة شركات التكنولوجيا العملاقة إلا بعد عقود من تعرض الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي في ظل قيود محدودة جداً. فلو كانت هذه الإجراءات مطبقة منذ إطلاق فيسبوك، لكانت قد حمت آنذاك جيلاً من المراهقين أصبح أفراده اليوم على مشارف الأربعين، بدلاً من أن تدفع أجيال كاملة ثمن نشأتها من دون الحماية الرقمية التي كانت تستحقها.
وبطبيعة الحال، كان أفضل وقت لوضع هذا الحد التنظيمي هو عند ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، لكن ثاني أفضل وقت هو الآن. ومع ذلك، نكرر الأخطاء نفسها من جديد، ويتجلى ذلك بوضوح أكبر في الذكاء الاصطناعي.
فنحن مرة أخرى نتيح الوصول إلى تقنية جديدة من دون قيود تذكر، على رغم ما تنطوي عليه من أخطار واضحة وحاضرة، بدءاً من حالات الذهان الناجمة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الإضرار بالعملية التعليمية. ومرة أخرى، نتبنى نهج عدم التدخل، على افتراض أن هذه الأخطار ستتلاشى من تلقاء نفسها، وأنه يمكننا فرض قيود على الشركات لاحقاً بعد أن تتضح نتائجها.
لكننا نعرف بالفعل ما الذي يمكن أن يحدث. فمن بين التغييرات الأقل إثارة للاهتمام التي تعهدت “ميتا” بإدخالها على “إنستغرام” و”فيسبوك” في إطار التسوية، فرض قيود على “فلاتر الجمال” التي تشجع على مقارنات اجتماعية غير صحية. وفي الوقت نفسه، نقنع أنفسنا بأن علينا الانتظار لنرى ما الذي قد يحدث عندما يتيح الذكاء الاصطناعي لأي شخص إجراء أي نوع من التعديلات على أي صورة بسهولة.
إن التسوية مع “ميتا” انتصار حقيقي للمستهلكين، وتذكير مهم وضروري بأن ثمة وسائل فعالة لمحاسبة شركات التكنولوجيا. فكثيراً ما تبدو هذه الشركات وكأنها فوق المساءلة وعصية على العقاب، لكنها ليست كذلك.
لكن توقيت هذه التسوية يذكرنا أيضاً بألا نتلكأ في سن التشريعات. ولعلنا هذه المرة لا ننتظر حتى تمتلئ رئاتنا بالقطران وتغمر العتمة ما نراه على منصات التواصل.
© The Independent
