د علي عيسى
تشير جملة من الوقائع الرمزية والمؤسسية في المشهد السوري الراهن إلى عودةٍ تدريجية، ولكن ذات دلالات عميقة، لتيارات الإسلام السياسي إلى قلب المجال العام، ليس فقط كحضور اجتماعي أو دعوي، بل كإطار مرجعي مؤثر في إعادة تشكيل الهوية السياسية والأمنية للدولة والمجتمع.
إن إعادة إحياء أسماء وشخصيات مرتبطة تاريخيًا بمراحل العنف الأيديولوجي في سوريا، سواء عبر إطلاق أسمائها على مؤسسات دينية أو وحدات عسكرية، لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلاً رمزيًا معزولًا، بل يعكس محاولة لإعادة إنتاج سردية تاريخية بديلة، تُضفي شرعية ضمنية على مسارات قامت، في سياقها الأصلي، على نفي العمل السياسي لصالح العسكرة والأدلجة الدينية للصراع.
فإطلاق اسم مروان حديد، باعتباره أحد رموز الطليعة المقاتلة في سبعينيات القرن الماضي، على منشأة دينية في مدينة ذات حساسية تاريخية مثل حماة، يتجاوز البعد الديني أو المحلي، ليحمل رسائل سياسية تتعلق بإعادة تأهيل خطاب يرى في العنف المؤدلج أحد أدوات التغيير. الأمر ذاته ينطبق على إدراج أسماء مرتبطة بأحداث دامية في الذاكرة الوطنية ضمن البنية الرمزية لمؤسسات عسكرية رسمية( الجناح العسكري الذي تمت تسميته منذ أشهر ضمن كلية عسكرية رسمية باسم “إبراهيم اليوسف” الذي نفذ مجـ. ـزرة المدفعية 1979 بزملائه العلـويين..) ، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول طبيعة المرجعيات الفكرية التي يُعاد ترسيخها داخل أجهزة الدولة.
الأخطر في هذا السياق ليس فقط البعد الرمزي، بل ما يوحي به من انتقال تدريجي من دولة تسعى – نظريًا – إلى إعادة بناء مؤسساتها على أسس وطنية جامعة، إلى مسار قد يُفضي إلى تطبيع مرجعيات أيديولوجية إقصائية، كانت تاريخيًا جزءًا من تفكيك المجال الوطني وتحويله إلى ساحة صراع هوياتي ومذهبي.
كما أن النشاط العلني المنظم لتيارات محسوبة على الإسلام السياسي، بما في ذلك عقد مؤتمرات تحت عناوين مدنية مثل “تمكين المرأة”، يطرح إشكالية مضاعفة تتعلق بازدواجية الخطاب: خطاب مدني موجه للرأي العام والخارج، يقابله تاريخ فكري وتنظيمي يقوم على تصورات محافظة أو إقصائية لدور المرأة والمجتمع والدولة. هذا التناقض لا يمكن تجاهله عند تقييم مدى جدية التحول نحو نموذج دولة مدنية حديثة.
في هذا الإطار، لا يبدو أن المسألة تقتصر على حرية العمل السياسي أو التعددية، بل تتعلق بإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل الدولة والمجتمع، وبالتحولات في طبيعة القوة الرمزية والمؤسسية التي تتحكم بالقرار والأداء الحكومي والأمني. إن السماح بإعادة إنتاج رموز العنف الأيديولوجي ضمن المجال الرسمي، دون نقاش وطني شامل أو إطار عدالة انتقالية أو مصالحة تاريخية حقيقية، يحمل مخاطر جدية على السلم الأهلي، وعلى إمكانية بناء ذاكرة وطنية جامعة تتجاوز منطق الثأر وإعادة إنتاج الصراع.
وعليه، فإن عودة الإسلام السياسي بصيغته المؤدلجة والعسكرية السابقة، حتى وإن جاءت اليوم بواجهات مدنية أو مؤسسية، تمثل تحديًا بنيويًا لأي مشروع لإعادة بناء الدولة السورية على أسس المواطنة، والحياد الأيديولوجي، وسيادة القانون. فالدولة التي تُراكم شرعيتها على أسس وطنية جامعة لا يمكنها، في الوقت ذاته، أن تعيد إدماج رموز ومسارات ارتبطت تاريخيًا بتفكيك المجال الوطني لصالح مشاريع أيديولوجية عابرة للدولة.
هذه ليست مسألة صراع مع سلطة بعينها، بقدر ما هي سؤال حول طبيعة الدولة التي يُراد بناؤها: دولة مؤسسات مدنية حديثة، أم دولة تُعاد صياغتها تدريجيًا وفق مرجعيات أيديولوجية كانت، ولا تزال، جزءًا من مأزق الدولة السورية الحديثة.
د علي عيسى