تُمنح الجائزة كل عامين لمبدعين تركوا بصمة مستدامة، وتشمل فئتي الكتابة والرسم التوضيحي (التي أضيفت عام 1966). ويُكرّم الفائزون بميدالية ذهبية تحمل صورة الأديب الدنماركي الشهير برعاية الملكة مارغريت الثانية. وقد خلدت الجائزة قاماتٍ استثنائية عبر تاريخها، بدأت بـ إليانور فارجون، ومرت بأسماء مثل أسترد ليندغرين، وجياني روداري، وصولًا إلى تتويج الكاتب البريطاني مايكل روزن/ Michael Rosen لعام 2026، احتفاءً بمدرسته التي تبرع في مزج البساطة بالعمق.
كائنات ملائكية
يبدو أدبُ الطفل، للوهلة الأولى، مساحةً بريئة تُصاغ فيها الحكايات لتسلية الصغار؛ غير أنّه، في جوهره، أحدُ أكثر الحقول الأدبية تعقيدًا واشتباكًا مع تشكيل الوعي الإنساني. فمنذ أن نبّه جان بياجيه إلى صلة اللغة بمراحل الإدراك، ووسّع ليف فيغوتسكي هذا التصوّر حين جعل الخيال أداةً من أجل تجاوز حدود المعرفة، لم يعد النص الموجّه إلى الطفل مجرّد تبسيط، بل غدا فضاءً لإعادة إنتاج العالم.
في هذا السياق، أكدت لجنة التحكيم أن استحقاق روزن لهذا الوسام يأتي لكون كتاباته “تعكس إيقاعات لغة الأطفال وطرائق تفكيرهم، وتمزج بين روح اللعب والعمق العاطفي والوعي الاجتماعي”؛ فأعماله الممتدة عبر الشعر والرواية والكتب الواقعية، تُمثل دعوة مفتوحة للأطفال لدخول عالم الأدب، وتعزيز قيم التعاطف، ومناقشة قضايا جوهرية، كالتاريخ والأسرة والهوية.
شغل روزن منصب “شاعر بلاط الأطفال”، وقد أثرى المكتبة العالمية بما يزيد على مائتي عمل، لم يكتفِ بمحاكاة صوت الطفل، بل عمل على تعريفه بصوته الخاص كما نتبين في نصّه “نحن ذاهبون في رحلة صيد دب/ We’re Going on a Bear Hunt”، حيث تتحوّل اللغة الإيقاعية إلى تجربة حسّية ومغامرة كونية، تمامًا كما “أليس في بلاد العجائب”، إذ تخوض مغامرة لغوية تحطم منطق الكبار الصارم. هذا “اللعب بالكلمات” يوظف كوسيلة لمنح الطفل سلطة على اللغة، وإعادة تعريف واقعه.
في عمله الفلسفي “كتاب مايكل روزن الحزين/ Michael Rosen’s Sad Book”، يصدمنا الكاتب بصدقه الذي يحطم التابوهات، مقاربًا الفقد والحزن بوعيٍ يحترم ذكاء الطفل وعاطفته على غرار “الأمير الصغير” لأنطوان دي سانت إكزوبيري، والذي يواجه مفاهيم الموت، الوحدة، والمسؤولية؛ “أنت مسؤول للأبد عما روضته” في رحلة عبر الكواكب تنتهي بهبوطه الأرضي.
| تساي قاو ورسومات كتب مصورة موجهة للأطفال |
إن مسيرة روزن، الممتدة من مجموعته الأولى “اهتم بشؤونك/ Mind Your Own Business” إلى قصيدته الشهيرة “كعكة الشوكولاته/ Chocolate Cake”، ليست سوى محاولة متواصلة لتفكيك أنماط الهيمنة الكامنة في الخطاب التربوي، بما يمكن تسميته “البساطة الماكرة”، جاعلًا من القراءة فعلًا للتحرر والوجود في آنٍ واحد.
في “كعكة الشوكولاته”، مثلًا، لا يقدّم روزن الطفل بوصفه كائنًا مطيعًا داخل منظومة تربوية صارمة، بل كذاتٍ مأخوذة بإغراء العالم. تبدأ القصيدة هكذا:
أعشق كعكة الشوكولاته
لكن الطفل الذي كنته
أحبها أكثر مني
كنا نأكلها مع الشاي،
وكانت أمي تقول:
إذا تبقى منها شيء،
يمكنك أخذه إلى مدرستك.
وعدٌ صغير من الأم يتحوّل في خيال الطفل إلى هاجس لا يهدأ، فيتسلّل ليلًا حيث الظلام، وصوت الأرضية، والخوف اللذيذ من الاكتشاف:
مررت بغرفة أمي وأبي،
أحذر الدوس على شيء مكسور
أو مكعب من تلك اللعبة
أنت تعرف ما يجلبه الدوس على تلك المكعبات
بقدميك الحافيتين
آآآآآآآآآآآآآآه
شششششش.
صورة وكتابة
لم يقتصر الاحتفاء على الكلمة فحسب، بل شمل “لغة البصر” أيضًا، في استجابةٍ واعية لذلك السؤال المبكر الذي طرحه لويس كارول عبر بطلته “أليس”: “وما فائدة كتاب بلا صور أو حوارات؟”. فالصورة ليست تابعة للنص، بل هي شريك في إنتاج خطاب متعدد الوسائط، وهو ما تجلّى في إعلان فوز الرسامة الصينية تساي قاو بجائزة فئة الرسوم ضمن جائزة هانس كريستيان أندرسن لعام 2026. فليست تساي قاو مجرد رسامة لكتب الأطفال، بل “حكواتية بصرية” تستلهم من ريف مقاطعة هونان وتراثه الشعبي مادةً خصبة لأعمالها، حيث تتسم رسوماتها ببساطة عميقة، توظّف فيها الحبر والألوان المائية لبناء عوالم تتقاطع فيها الدهشة الطفولية مع حسّ تأملي أقرب إلى الحكمة الفلسفية. وهكذا تتحول الخصوصية الثقافية في أعمالها إلى لغة بصرية قادرة على مخاطبة خيال الطفل أينما كان، لتؤكد أن الكتاب، في جوهره، ليس نصًا يُقرأ فحسب، بل تجربة تُرى وتُعاش.
عبّرت تساي قاو عن امتنانها العميق لفوزها بالجائزة، عادةً أن هذا التتويج ليس إنجازًا فرديًا بقدر ما هو اعتراف عالمي بجماليات الفن الصيني وقيمته الإنسانية. كما أكدت أن “الرسم للأطفال يتطلب قلبًا نقيًا”، موضحة أن هدفها الدائم هو نقل الإحساس بالأمل والحب عبر الطبيعة والبساطة، بعيدًا عن التعقيد المفتعل. ووصفت الجائزة بأنها دعوة للاستمرار في “حفر بئر الثقافة الصينية بعمق”، لاستخراج مائها العذب وتقديمه للعالم، مشددة على أن الحكايات الصينية القديمة تحمل في جوهرها خبرات إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
غيابٌ قسريّ ولقاء مرتقب
في مفارقة تراجيكوميدية تشبه قصصه، غاب مايكل روزن عن لحظة إعلان النتائج في “معرض بولونيا لكتاب الطفل”؛ أكبر معرض لكتب الأطفال في العالم. فبسبب قواعد جواز السفر الجديدة التي تفرض ألا يتجاوز تاريخ إصدار الوثيقة عشر سنوات، مُنع من صعود الطائرة عند بوابة الإقلاع بمطار ستانستد، رغم سريان صلاحية جوازه حتى أغسطس/ آب 2026. وبعفويته المعهودة، غرّد روزن ساخرًا عبر منصة (X): “ها! لقد مُنعت من السفر لأن جوازي صدر في مارس/ آذار 2016… فائدة أخرى من بريكست!”.
وبينما كان عائدًا إلى منزله، تلقى اتصالًا من إيطاليا يزفّ إليه خبر فوزه. لقد استطاع أن يتفوق على 78 مرشحًا من 44 دولة، ويتغلب على القائمة القصيرة التي ضمت كتابًا من بلدان مختلفة، مثل أحمد أكبرپور (إيران)، وماريا خوسيه فيرادا (تشيلي)، وتيموتيه دو فومبيل (فرنسا)، ولي غُم ــ يي (جمهورية كوريا)، وبام مونيوز رايان (الولايات المتحدة). لكن لجنة التحكيم انبهرت بقدرته الفريدة على “تبنّي منظور الطفل وتوسيع فضولِه”، وسماته الأدبية التي تمزج بين الفن والرسالة، ليصبح رابع بريطاني ينال هذا التكريم بعد إليانور فارجون، وأيدان تشامبرز، وديفيد ألموند. أما في فئة الرسوم التوضيحية، فقد شملت الترشيحات بياتريس أليمانيا (إيطاليا)، وليندا بوندستام (فنلندا)، إلى جانب غوندِغا موزيكانته (لاتفيا)، ووليد طاهر (مصر)، وماريا فيرنيكي (الأرجنتين)، فضلًا عن الفائزة تساي قاو.
ومن المنتظر أن يلتقي روزن بالرسامة تساي قاو في حفل توزيع الجوائز المقرر إقامته في شهر أغسطس/ آب المقبل بمدينة أوتاوا الكندية، ليتسلما ميداليتيهما الذهبيتين في عام استثنائي جمع سحر الشرق مع واقعية الغرب لقدرتهما على تحويل البسيط واليومي إلى دهشة كونية تتجاوز الحدود واللغات.
وتُمنح هذه الجائزة للكتّاب الذين يتبنّون الفكرة التي عبّر عنها الصبي الصغير في قصة هانس كريستيان أندرسن “أم شجرة البلسان”: “إن كل ما نراه يمكن أن يتحول إلى قصة، ويمكننا أن نصنع حكاية من كل ما نلمسه”. ومن بين الفائزين السابقين كتّابٌ يعشقون السرد، يكتبون الحكايات الخرافية والواقعية السحرية، ويجعلون من الدهشة حضورًا دائمًا في النص، حيث يرون في أصداء الحياة عالمًا مشبعًا بالروحانية، يتجاوز حدود الواقع المادي، كما في أعمال أندرسن.
يرعى احتفالية هذا العام فرع المجلس الدولي لكتب اليافعين في قبرص تحت شعار: “ازرعوا الحكايات، فيزهر العالم”. وهو شعار يؤكد القيمة الجوهرية للقصص والقراءة، بوصفهما فعلًا إنسانيًا قادرًا على إعادة تشكيل العالم، ويشير في الوقت ذاته إلى ضرورة تبنّي أنماط حياة أكثر وعيًا وانسجامًا مع البيئة.