ليس ثمة عقوبة عادلة ممكنة لبشار الأسد، المسؤول عن ما تسبَّبَ به من دمار لحياة ما لا يُحصى من السوريين ومن في حكمهم أثناء سنوات حكمه الأربعة وعشرين، وبخاصة بعد الثورة على نظامه عام 2011. حُكْمُ الإعدام الذي صدر بحقه يوم 11 أيار (مايو) الجاري في دمشق لا يَفيه حقه من العقاب، ولا حق ضحاياه من العدالة، ولا حق السوريين عامة بنظام قضائي وسياسي ما بعد أسدي أعدل. جرائم بشار الأسد لا يمكن معاقبتها لأنها تتجاوز ما يستطيع أي نظام قانوني جزائي تحقيق العدالة بشأنه. ولأن ما لا يمكن معاقبته من جرائم لا يمكن كذلك الصفح عن مُرتكبيه، بحسب حنه آرنت التي نَستلهمُ أفكارها في هذه المناقشة، فإن الحكم الغيابي بإعدام بشار يدعو بالأحرى إلى تفكير جذري مُتجدِّد بشأن الصفح والعدالة والحق في العدالة ومعاني الجريمة والعقاب، والأطر السياسية والمؤسسية والفكرية لهذه القيم.

لكن ما هي جريمة/ جرائم بشار الأسد حتى تكون غير قابلة للعقاب؟ إليه تنتهي سلسلة القيادة، وبالتالي الأوامر، التي يمكن أن يتذرَّعَ باضطراره لتنفيذها كبارُ أركان حكمه وصغارهم. حتى تذرُّعُ المرؤوسين بتنفيذ الأوامر، وهو العُذر القياسي لمُنفِّذي الجرائم، لا يمكن أن يُبرِّر ارتكاباتهم، لأن إطاعة أوامر القتل تجعلهم خطرين كفاية (يقبلون أن يقتلوا غيرهم كي لا يُعاقَبوا هم)، ولأن هناك من رفضوا التنفيذ وانشقوا، ومنهم من دفعوا حيواتهم ثمناً. من لم ينشقوا من أركان حكم بشار الأسد الأمنيين والعسكريين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كمبدأ ومنذ البداية، ولم يُعلَم أن أياً منهم اقترحَ مسالكَ مختلفة للتعامل مع الاحتجاجات الشعبية. بين المدنيين فاروق الشرع حاول، فعُزِلَ ولم يُقتَل. أما بشار نفسه فلا يستطيع أن يتذرَّعَ بشيء، ولم يُعرَف عنه قط تَحفُّظٌ على أي تجاوز حدث خلال سنوات الصراع. لقد كان حُراً كاملَ الحرية في مواجهة تمرُّد محكوميه. ولأنه كذلك فهو مسؤولٌ كاملُ المسؤولية عن كل جرائم نظامه: ما لا يقل عن نصف مليون من الضحايا، ما قد يصل إلى ربع مليون من المُغيَّبين قسراً، تهجير ونزوح نصف السكان على الأقل داخليا وخارجياً، دمار مدن وأحياء وبلدات وقرى، وأكلاف إعادة إعمار قد تصل إلى نصف ترليون دولار. بشار لم يقتل جميع السوريين، نحو 3% منهم فقط، ولم يدمر كامل سورية، ربما ربعها أو ثلثها، لكن لم يَبدُ في أي وقت أن عدد الضحايا ونسبة الدمار شكَّلا هاجساً أرّقه أو أرَّقَ نظامه ورسم حدوداً لحربه. لقد خاض حرباً مُطلَقة، بلا ضوابط أو حدود. ومن هذا الاعتبار فإن عقابه ينبغي أن يكون مُطلَقاً. أن يكون عقاباً سيّداً، تأسيسياً، يُؤسِّسُ العدالة للسوريين وسورية العادلة، ينقل سورية إلى حكم القانون.

الشر المُتجسِّد في بشار الأسد ليس «شراً مُبتذَلاً» من الصنف الذي ميزته آرنت في المسؤول النازي أدولف أيخمان، أي شر بدون شرير على نحو خاص، أو «شر لا أحد»، مثل البيروقراطية التي هي، بحسبها، «حُكْم لا أحد». ولا هو كذلك شر يرتكبه «أناس عاديون» مثل متطوعي الكتيبة 101 في الشرطة العسكرية الاحتياطية في الجيش النازي، التي درسها كرستوفر براوننغ في كتاب مهم. هناك تحفُّظات على تصورات آرنت وبراوننغ، لكن حتى من يجد نفسه أقربَ إلى المقاربة الوظيفية الأوضاعية (نسبة إلى الأوضاع التاريخية المحددة…) التي يَصدُران عنها، مثل كاتب هذه السطور، يجد صعوبة كبيرة في تطبيقها على أمثال بشار الأسد. بشار شَغَلَ في نظامه الموقع الذي شغله هتلر في الحكم النازي وبول بوت في نظام الخمير الحمر، وليس موقع آيخمان مثلاً الذي درسته آرنت، ولا موقع عاطف نجيب الذي نالَ الحكم نفسه في الواقعة القضائية نفسها. إن كان الشر المُبتذَل ينطبق بقدر ما على الموظفين والمُنفِّذين، فهو لا ينطبق على المُقرِّرين والقادة. هذا مأخذٌ على مقاربة آرنت طرحه كارل غاسبرز بخصوص هتلر وقتَ صدور كتابها عن آيخمان. وهو يصحُّ بخصوص بشار الأسد. إنه المجرم الحُرّ، السيّد، الذي اختارَ الجريمة نمطَ حُكْم. كان بشار أتفه من أن يفكر في جرائمه، بل لعله كان عاجزاً عن التفكير مثل آيخمان، لكنه خلافاً لآيخمان كان صاحبَ القرار الأخير في نظامه. لا عُذر له بالتالي إن كان لأيٍ كان عُذر.

وهذا ما يجعل الحكم بإعدامه، مثل عاطف نجيب أو مثل طلال العيسمي، أو حتى مثل أخيه ماهر، إلغاءً للفرق الذي تقوم عليه العدالة. إذ ليس عادلاً أن تَلقى جرائم غير متساوية الجزاء نفسه. ليس أنَّ الأخيرين مستحقون أو غير مستحقين للإعدام، بل الأمرُ أنَّ بشار يستحق عقاباً لا كالعقاب، عقاباً يصنع فرقاً لأنه يقوم على الفرق بين جريمته، قتل مئات الألوف من السوريين و(إمكانياً، قتل الجميع)، وجرائم غيره، أي القتل الفعلي لبعض السوريين.

كيف يمكن أن تتحقق العدالة ضد القاتل العام، الحرّ، السيّد؟ قَتلُ بشار الأسد ربما يكون جزءاً من العقاب العادل، نواته الصلبة. لكن لا ينبغي لعقاب أمثاله أن يكون حدثاً يمضي وينقضي، بل عملية مستمرة تقوم عليها العدالة في سورية ما بعد الأسدية. فإذا كانت جريمة بشار هي القتل الممكن لجميع السوريين، بمعنى قتلِ عالمهم المشترك أو رابطتهم الجامعة، فإن إحياء هذه الرابطة/ العالَم تُوجِبُ جعل إعدامه جزءاً من شيء أوسع، لا يكفلُ قيامة العدالة في سورية إلّا بقدر ما يكون ذلك من أَوجُه قيام سورية أعدل، عالم السوريين المشترك.

العقبات دون ذلك ظاهرة كلها. أولها أن بشار الأسد آمنٌ في موسكو، وقد لا يجري تسليمه أبداً. بل لا يبدو أن الحكم الحالي طالبَ بتسليمه، كما لا يبدو من جهة أخرى أنه على بيّنة من أهمية تجريم بشار الأسد كمدخل مُؤسِّس للعدالة وسيادة القانون.

وثانيها أن نظام العدالة السوري الحالي لا يتمتع بالاستقلالية والموثوقية التي تؤهله لأن يجعل من عقاب بشار حدثا تأسيسياً، وحتى من الزاوية الحقوقية الصرف لا يبدو أن هناك قوانين تستطيع التعامل مع حالة بشار الأسد أو حتى مع حالات كبار المرتكبين في نظامه. وثالثها ما يتصل بتسييس الجريمة والعقاب، ليس بمعنى أن الحكم على بشار وأتباعه مشحون سياسياً (كيف للحكم على أمثالهم ألّا يكون كذلك؟)، ولكن بمعنى أنه ليس جزءاً من عملية عدالة شاملة، تُعاقب مجرمين آخرين ليسوا من طرف النظام الأسدي حصراً، وبعضهم أقرب إلى الحكم الحالي، وبعض جرائم هؤلاء الأخيرين أحدثُ عهداً. الشكل الأسوأ لتسييس العدالة هو تَطييفُها، معاقبة مجرميهم وحماية مجرمينا، وهو ما يُضفي النسبية على جميع الجرائم فيناسب بذلك أعتى المجرمين، ويقتل حسَّ العدالة عند السوريين بأن تُعرَّف الجرائم بدلالة هوية مرتكبيها لا بدلالة أفعالهم الجرمية.

وهناك عقبة تبدو بنيوية، وتتمثل في الطابع العام المُبتذَل، فقير المخيلة والمُفتقِر إلى الجدية، في جميع إجراءات الحُكْم الحالي، من البداية إلى اليوم. في محاكمة عاطف نجيب رأينا الابتذالَ والتطييفَ معاً، فقد خاطبَ المحامي العام في دمشق وهو يمسك بمكروفون في يُمناه ويرفعُ سبابة يسراه في وجه المحكوم في قفصه: «لقد وجدنا ما وعدنا به ربنا حقاً، فهل وجدت ما وعدك به ربك بشار الأسد حقاً؟»، هذه رثاثة مطلقة، لا تُحيل من قريب أو بعيد إلى حُكْم القانون. عاطف نجيب يُحاكَم على جرائم ارتكبها بحق السوريين وليس على ما يَعتقدُ أو لا يَعتقد به، والمحامي العام لا يستطيع أن يجسّد حق عموم السوريين في العدالة بينما هو يتكلم بلغة دينية خاصة.

لكن هل يريد الحُكْم الحالي حقاً استلام بشار الأسد وإعدامه؟ بما في ذلك جعل إعدامه إعداماً للسلطة المطلقة، الفئوية، غير المُنتخَبة؟ من شأن حدث تأسيسي كهذا أن يقسم الزمن القانوني والحقوقي السوري بين ما قبله وما بعده، ويوجبَ اختلافاً جوهرياً بينهما. من شأنه كذلك أن يخلق سابقة تُقيم في مخيلات السوريين كلهم، الحاكمين قبل الجميع، فتخلق واقعاً نفسياً سياسياً جديداً بينهم، وممكناً سياسياً حقوقياً جديداً عند العموم السوري.

لكُلِّ هذه الاعتبارات نُرجِّحُ أن تُهدَرَ فرصة معاقبة بشار عقاباً أكثر جذرية، عقاباً مُؤسِّساً للعدالة. التراكيب الحقوقية والمؤسسية والفكرية الحالية ركيكة وغير قادرة على النهوض بهذه المهمة. فإذا كان ذلك صحيحاً، فإن الحُكْمَ بإعدام بشار الأسد هو نهاية القضية وليس بدايتها، إعدامٌ للقضية ضده في الواقع.

على أن قضية العدالة في سورية تتجاوز النظامَ القضائي وعملياته، والنظامَ السياسي وحساباته. إنها قلبُ نضال السوريين طوال عقود. كانت الثورة أحد الفصول، سبقتها فصول، وستُعقبها فصول أخرى. نحن فيها سلفاً.